كيف يمكننا كبح الآثار النفسية السلبية للأزمات الاقتصادية؟

الأزمات الاقتصادية
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

الاقتصاد هو عصب الحياة؛ ما يعني أن الأزمات الاقتصادية والتغييرات في الاقتصاد -إيجابية وسلبية- تؤثّر في كافة نواحي الحياة اليومية للأفراد.

على الجانب الآخر، تمثِّل الصحة النفسية البيئة التي تختمر فيها أفكارنا ومشاعرنا كافة؛ الأمر الذي ينتج عنه ردود أفعالنا تجاه المواقف المختلفة. لذلك، فالحفاظ على سلامة صحتنا النفسية يؤتي نتائج إيجابية، بينما إهمالها وترك المخاوف تدفع دفة السفينة قد ينتج عنه أموراً غير محمودة.

وفي الوقت الحالي المليء بمخاوف من أزمات اقتصادية متلاحقة، زادت حدتها مع جائحة “كوفيد-19” والتي تبعها مباشرة الحرب الروسية الأوكرانية، يجدر بنا تعزيز صحتنا النفسية لمواجهة تلك الأوقات وتجاوزها بسلام.

تبعات تحوُّل العالم إلى “قرية صغيرة”

على مر السنوات، تتابعت الأزمات الاقتصادية واحدة تلو الأخرى. وبما أن العالم أصبح “قرية صغيرة” نتيجة للعولمة، فما يحدث في أقصى بقاع الأرض يؤثّر في كافة أنحاء المعمورة، بنسب متفاوتة.

على سبيل المثال، ناقشت ورقة بحثية لمجموعة من الباحثين من جامعة بيزا بإيطاليا عدداً من الدراسات التي تناولت تأثير الأزمات الاقتصادية حول العالم على الصحة النفسية؛ تلك الأزمات التي بدأت في العِقد الماضي وما زالت مستمرة، وأدت إلى ركود كبير شمل جميع الاقتصادات الكبرى.

توضح الورقة البحثية أن عواقب الأزمة الاقتصادية؛ مثل ارتفاع معدلات البطالة وزيادة عبء العمل وانخفاض الأجور، قد تُشكِّل عوامل ضغط ذات تأثير سلبي على الصحة النفسية، وكان الاكتئاب هو أكثر الاضطرابات النفسية الناتجة عن تلك الأزمات شيوعاً، خاصة بين الرجال في منتصف العمر.

وشدد الباحثون على ضرورة الاستثمار في خدمات الصحة النفسية وتوفيرها للمواطنين، بالإضافة إلى تنفيذ استراتيجيات مناسبة لمواجهة وإدارة هذا النوع من وباء الاكتئاب الناتج عن التحديات الاقتصادية.

أهمية الدعم الاجتماعي

في السياق ذاته، أشارت دراسة أخرى نُشرت بالمجلة البريطانية للممارسة العامة (British Journal of General Practice) تناولت مدى تأثير التأثر الشخصي بأزمة اقتصادية على جودة الحياة، إلى أهمية تقوية الشبكات الاجتماعية والدعم في المجتمع لتجاوز تلك الفترات الحرجة.

ففي أوقات الأزمات الاقتصادية، يمكن أن يكون رأس المال الاجتماعي عاملاً وقائياً مهماً؛ قد يتمثّل ذلك في النقابات والأندية الرياضية والاجتماعية، والتي يمكن أن تشكّل شبكة أمان ضد الآثار السلبية للتغيرات الاقتصادية المتلاحقة، وما قد ينتج عنها من فقدان الوظيفة والمكانة الاجتماعية، والعواقب الأخرى المرتبطة بالتوتر من الانكماش الاقتصادي – وفقاً لدراسة من جامعة أكسفورد.

بالإضافة إلى تعزيز الشبكات الاجتماعية، يمكن زيادة دعم الأفراد بتوفير خدمات دعم الأسرة وبرامج الأبوة والأمومة، وكذلك برامج تخفيف الديون؛ تلك أحجار الزاوية للسياسات الناجحة التي تساعد على الوقاية من مشاكل الصحة النفسية لدى السكان.

إدارة الضغوط خلال الأزمات الاقتصادية

في حين يكون الشعور بالضيق أو القلق رداً فعلياً طبيعياً خلال تلك الأوقات، إلا أنه من المهم جداً إدراة ذلك القلق بشكل صحيح حتى لا يطغى على جميع مناحي الحياة.

يقدم موقع الخدمات الصحية الوطنية البريطاني (NHS) بعض النصائح المهمة المتعلّقة بهذا الشأن:

  1. ابق نشيطاً: الاستمرار في قضاء الوقت مع أصدقائك وعائلتك سيساعدك على الشعور بالدعم. كذلك، حافظ على ممارسة التمارين الرياضية – فالنشاط البدني يمكن أن يحسّن مزاجك إذا كنت تشعر بالضعف وقلة الحيلة.
  2. واجه مخاوفك: قد يتجنَّب البعض مواجهة مخاوفه أو التحدث عنها مع الآخرين. لكن حقيقة الأمر أن مواجهتها يجعلها أسهل في التقبُّل عموماً، ومن ثم التفكير في كيفية تجاوزها.
  3. حافظ على روتينك اليومي: فالاستيقاظ في ميعادك المعتاد والالتزام بروتينك اليومي أحد العوامل المهمة في تجاوز تلك الأوقات.

كذلك، تقدم الجمعية الأميركية للطب النفسي (APA) نصائح للمساعدة في التعامل مع الضغوط المتعلقة بالمال والاقتصاد، كما يلي:

  1. توقّف، ولكن لا داعي للذعر: فالانتباه لما يحدث حولك أمر مهم، لكن عليك ألا تفرط في ذلك لكي تتجنب الوقوع في ضجيج الكآبة، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى مستويات عالية من القلق واتخاذ القرارات السيئة.
  1. تجنَّب المبالغة في رد الفعل أو أن تصبح سلبياً تماماً: يعني ذلك الحفاظ على هدوئك والاستمرار مع تحديد المتطلبات المادية الأساسية ووضع خطة لذلك. كذلك، قيِّم وضعك المالي الخاص وما الذي يسبب لك التوتر مع تحديد طرقاً -لك ولعائلتك- يمكنك من خلالها تقليل النفقات وإدارة أموالك بكفاءة أكبر.
  2. تعلَّم مهارة جديدة: على سبيل المثال، التحق بدورة تدريبية يمكنها أن تثقل من مهاراتك، ومن ثم تستطيع أن تحصل على فرصاً أفضل في العمل. فذلك استغلال أمثل للوقت وتجربة طرق جديدة لإدارة حياتك.
  3. استشارة الطبيب النفساني: إذا شعرت أنك غير قادر على التعامل مع تلك الضغوط أو بدأت تتجه لطرق غير صحية للتأقلم، مثل التدخين، يجب استشارة الطبيب المختص لطلب المساعدة حتى لا تزداد الأمور سوءاً.

اقرأ أيضاً: كيف يؤثر الخوف على صحتنا الجسدية والنفسية؟

وأخيراً، بينما تؤدي حالات الركود الاقتصادي إلى ضغوط وأعباء إضافية؛ ما ينتج عنه زيادة خطر الإصابة باضطرابات الصحة النفسية، يظل البحث عن طرق لتجاوز تلك الفترات الصعبة أمراً حاسماً لعدم الوقوع ضحايا لأمر عابر، مهما تفاقمت نتائجه السلبية.