كيف يساعدنا الاعتراف بضعفنا على استعادة الثقة بأنفسنا؟

استعادة الثقة بأنفسنا
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ماذا لو توقفنا عن الرغبة في أن نكون أقوياء ومؤثرين ومثاليين مهما كان الثمن الذي سندفعه؟ إن إدراك أننا ضعفاء أو حزينون أو هشّون وعدم إخفاء ذلك وتقبله، للمفارقة، يعزز ثقتنا بأنفسنا أو يساعدنا على على “استعادة الثقة بأنفسنا”. وإليكم السبب.

يقول أنس الذي يعاني من الإرهاق الشديد؛ وهو مدير مالي لشركة طباعة تواجه بعض الصعوبات: “لا أستطيع أن أتخيل نفسي للحظة أخبر من أحب عن الليالي التي أقضيها بلا نوم”. في بيئة اجتماعية واقتصادية تقدر الفائزين الناجحين والأقوياء، فإن إدراك عيوب الفرد يعد تحدياً حقيقياً. لا مجال هنا لـِ “الخاسرين الرائعين” كما يصفهم ليونارد كوهين في أحد عناوين كتبه. “نحن نعيش في مجتمع يتعارض مع الهشاشة” كما يؤكد الفيلسوف والمحلل النفسي ميغيل بيناساياغ؛ مجتمع يعيش مع أحلام “فرانكشتاين” التي تعِد الأفراد بالقوة من خلال جماليات روبوتية وآلات صناعية متنوعة ومختلفة. لكن أحلام القدرة المطلقة هذه تتعارض مع مبدأ الحياة نفسها، فوجودنا لا يمكن أن يتطور باستمرار في ظل القوة والتوسع. الشخص الذي لا يميل أبداً إلى أن ارتكاب الأخطاء سيدمر نفسه. عندما نكون عالقين في زخم دائم، يفوتنا الكثير من الأشياء، يضعف إدراكنا للآخرين ومحيطنا وقدرتنا على التفكير. مع سعينا للتقدم للأمام ونشاطنا المستمر؛ لم يعد لدينا الوقت الكافي للتوقف والتفكير بما يحيط بنا.

الاعتماد على نقاط ضعفنا

هذا خطأ فادح وفقاً لميغيل بيناساياغ الذي يؤكد إن قبول ضعفنا والاعتراف به يمكن أن يساعدنا في بناء الثقة بالنفس. عندما نعتمد على نقاط ضعفنا يمكننا الحصول على اليقين الواقعي والملموس بأننا نمتلك الموارد الداخلية اللازمة للتعامل مع المواقف التي تُفرض علينا. في البداية يتعين علينا إجراء تقييم من خلال مراقبة ما يحدث لنا بأكبر قدر ممكن من الدقة. يقول بيناساياغ موضحاً: “عندما نشعر بالضعف نضطر إلى” فصل أنفسنا عن القابس” لنضع أنفسنا في موقف انسحاب. في هذه اللحظات؛ نعيد تشكيل أنفسنا وبناء حساسيتنا ونضاعفها، نشحذ حواسنا وفكرنا ونصقلهما. ولكن ماذا لو شوهنا ما نراه؟ هذا ليس سيئاً للغاية. ليس علينا أن نعيش مثل الدببة الملونة المفصصة التي تظهر في مسلسل الرسوم المتحركة (Care Bears)، فالتفكير في العقبات يسهل التغلب عليها، وإنكارها يؤدي إلى الفشل.

تقول المحللة النفسية ماري بالمارج: “نحن أكثر الحيوانات ضعفاً”. بالنسبة لها، فإنكار الهشاشة يأتي من الجهل وإنكار حقيقة واضحة: لقد ولدنا “ناقصين” غير قادرين على التحرك وإطعام أنفسنا، معتمدين كلياً على الآخرين. ثم نقضي جزءاً كبيراً من حياتنا في تعزيز وتقوية أنفسنا لمحاولة حمايتها من زوالنا الحتمي. إذا أنكرنا ذلك؛ سيجد كل شخص نفسه وحيداً مع قوته الزائفة في وضع يعزله عن الآخرين تدريجياً. ومع ذلك؛ توضح المحللة النفسية أن ما لا تستطيع القوة فعله يمكن للهشاشة أن تفعله: إنه الوجود دون تهديد الآخر. من خلال عدم تضخيم المشاكل الكبيرة التي تواجهنا؛ نوقف ردود فعل الخوف وانعدام الثقة حتى نتمكن من الترابط والتواصل. إن معرفة أننا معرضون للخطر وعدم إخفاء ذلك يسمح لنا بالتواصل مع الآخرين وطلب المساعدة. بالنسبة للطبيب النفسي العصبي بوريس سيرونك؛ تعد هذه القدرة أحد العوامل الرئيسية لمرونة الإنسان.

وفقاً للمحللين النفسيين اللاكانيين (الذين ينتمون لمدرسة جاك لاكان النفسية)، فإن الهشاشة هي ما يجعل كل شخص فريداً. نحن نحمل عيوباً في داخلنا، وهناك عيوب ننفرد بها وتؤثر علينا خصوصاً. من خلال الاعتراف بذلك يمكننا التوقف عن التفكير في أنفسنا على أننا “لا نصلح لأي شيء”. ومن خلال هذا الجرح الفريد الذي بنينا حوله حياتنا بشكل أعمى؛ نستعيد الثقة في أنفسنا وقدراتنا. لنأخذ حالة امرأة شابة كانت مقتنعة بأنها غير مثيرة للاهتمام، وأنها كانت ضحية تعرضت للإذلال الممنهج في علاقاتها العاطفية. لقد أدركت أخيراً أنها كانت تعيد إنتاج العلاقة التي كانت تربطها بوالدتها عندما كانت طفلة؛ والتي قللت من شأنها. لقد فتح التشكيك في هذه العلاقة العصابية آفاقاً جديدة لأفكارها وأفعالها.

قدّر معاناتك

تشرح المحللة النفسية ماري هيلين بلانكارد: “تصمنا الكلمات والخطابات العائلية والأبوية التي ننغمس فيها. إنها متأصلة في أعماقنا وتأخذنا إلى مكانٍ لم نختره. يمكن لجملة أو بضع كلمات أو مشهد من الطفولة جعلنا عاجزين عن التحرك. يجب أن نتفق بعد ذلك على التخلي عن هذه المعاناة التي نقدرها. نحن نعي أنها فينا، تعودنا عليها، وقد زعزعت ثقتنا بأنفسنا بشدة في بعض الأحيان. إن “وظيفة المعيشة”، إذا جاز لنا استعارة عنوان مذكرات سيزار بافيزي، تتمثل في تشذيب هذه النقطة المؤلمة حتى ندرك أنها تشكلنا ولا يمكننا إنكارها؛ بل يجب علينا الاعتماد عليها في بناء أنفسنا. عيوبنا تشكّلنا.