ما هو اجترار الأفكار ولمَ يتأثر فيه بعض الأشخاص أكثر من غيرهم؟

اجترار الأفكار
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

تجتاحنا جميعاً الأفكار السوداوية في وقت من الأوقات، وسواء كانت تتمحور حول النفس أو الآخرين أو العالم من حولنا أو المستقبل، فإنه لا مفر منها. لكن عندما تسيطر هذه الأفكار علينا بصورة مستمرة فإنها تستنفد قوانا وتمنعنا من المضي قدماً في تحقيق طموحاتنا.

في بعض الأحيان؛ قد يؤدي مجرد تعرضنا لبعض الأحداث الصغيرة غير السارة إلى تغيّر نظرتنا لأنفسنا وحياتنا بصورة جذرية، ومن أمثلة ذلك تعرض المرء للتنمر في العمل، أو استدعاء إدارة المدرسة له بسبب سوء تصرف ابنه المراهق، أو حضور حفل عشاء فاشل، أو الدخول في مشادة كلامية مع شريك الحياة. وفجأةً يسيطر علينا الشعور بأننا عديمو الفائدة ولا أحد يحبنا، ونرى الطريق نحو المستقبل مسدوداً؛ لن يتمكن أطفالنا من تجاوزه، وهكذا تتحول الحياة بالنسبة إلينا إلى مسار محفوف بالعقبات والمزالق، والمحن التي ينبغي لنا التغلب عليها في بيئة معادية. وغني عن القول إن الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة؛ تُعتبر بيئة خصبةً لتعزيز الأفكار السوداوية لدينا.

الأفكار السوداوية وصعوبة النوم

تقول الفيلسوفة ومختصة التحليل النفسي سينثيا فلوري: “يمكن لأفكارنا السلبية أن تتخذ مستويين؛ أولاً فيما يتعلق بالمحيط والعالم الخارجي بصورة عامة، فإننا نشعر بمشاعر عدم الأمان، والهجر، والهشاشة النفسية، والتهديد، ويتكون لدينا انطباع بأننا نعيش في عالم محفوف بالشرور والمخاطر، وفي أحسن الأحوال نشعر بالحاجة إلى توخي الحذر؛ بينما قد يتطور الأمر إلى حد الشعور بأننا عرضة للهجوم بالفعل. أما المستوى الثاني للأفكار السلبية فهو يتضمن تلك التي تتمحور حول أنفسنا؛ إذ تنطوي على إدانة الذات والشعور بعدم التمتع بالقدرة الكافية لتحقيق المطلوب منا، مع انطباع بأننا لن نحققه أبداً”.

توضح منى؛ 33 عاماً، أنها عانت بين سن 6 و14 عاماً من صعوبات حقيقة في النوم، وكانت الأفكار المؤرّقة تعذبها كل ليلة. تقول منى: “كنت أقف في غرفتي في الظلام خائفةً من سماع شيء سبق لي أن سمعته عندما كنت طفلةً، واعتراني آنذاك شعور بالخجل الشديد لدرجة أنني لم أقدر على إخبار أي أحد بما سمعت. جرّب والدا منى كل الحلول الممكنة؛ من إبقاء غرفتها مضاءةً ليلاً واستخدام الستائر المعتمة، وعازل الصوت، وحتى اللجوء إلى المتخصصين في اضطرابات النوم؛ لكن دون جدوى. وفي أثناء النهار؛ كانت الفتاة الصغيرة تنام على مقعدها في الفصل ومقاعد باحة المدرسة.

تحذّر المختصة في علم النفس والتحليل النفسي كاثرين أوديبرت، من عملية الاجترار الذهني التي يمكن أن تؤدي إلى الأرق قائلةً: “غالباً ما يعاني المصابون بالأرق من الأفكار الليلية التي لا يستطيعون التعبير عنها في اليوم التالي، ويمكن لتكرار هذه الأفكار السلبية للغاية أن يعرضهم للخطر. في أغلب الأحيان؛ ترتبط هذه الأفكار بصدمة أدت إلى تكرار قهري في أفعال الشخص وأفكاره أيضاً، ولا يمكن الاكتفاء بالإرادة للتغلب على هذه المشكلة؛ إنما يجب العثور على منشأ هذه الأفكار وإبطاله.

في إحدى الأمسيات الصيفية؛ تتذكر منى أنها جلست على درجات سلَّم منزلهم الصيفي بجانب عمتها التي كانت تحبها جداً. تقول منى: “مشطت عمتي شعري بعناية، وشعرتُ آنذاك بأنها لم تكن على ما يرام هي الأخرى، وسألتها عما إذا كان بإمكاني استثناءً النوم معها في الغرفة في ذلك المساء. فنظرت إليّ بلطف وقالت: “قولي لي يا منى ما الذي يجعلك غير قادرة على النوم؟” فأجبتها: “لأنني خائفة من سماع أمي وأبي يفعلان الأشياء” وضحكْتُ، فنظرت عمتي إليّ بحيرة ثم ضحكت هي الأخرى. لكن ما أعجبني، وما أنقذني على ما أظن هو أنها لم تسخر مني؛ بل على العكس من ذلك فقد استمعت إلي، وأخذت ما كنت أقوله لها على محمل الجد وأوضحت لي أنني لست مجنونةً على الإطلاق. في اليوم التالي؛ تخلصت منى إلى الأبد من صعوبات النوم المروعة التي رافقتها لسنوات.

اجترار الأفكار والترقب المستمر

تتجسد المشكلة الرئيسية لاجترار الأفكار في عرقلتنا خلال مرحلة من مراحل عملية التفكير ما يؤدي إلى انقطاع هذه العملية، ومن ثم فإننا نعجز عن استعادة الموقف الذي نفكر فيه بوضوح، ولا نتمكن من استيعابه والتعمق فيه، ثم “صقله” وتجاوزه والمضي قدماً.

يوضح مختص التحليل النفسي سافيرو توماسيلا مؤلف كتاب “اجرؤ على حب نفسك وتنمية ثقتك بها” (Oser s’aimer, développer la confiance en soi): “تحتل الأفكار التي نجترها مساحةً كبيرةً من تفكيرنا، وتتكرر بصورة مستمرة دون التمكن من هضمها. وتؤثر ظاهرة تكرار الأفكار هذه بصورة خاصة في أولئك الذين يحتاجون إلى الاستعداد لتنفيذ ما يخشون عدم النجاح في القيام به. لكن القلق يسيطر عليهم لدرجة أنه حتى عندما يجدون الطريقة التي ستمكنهم من مواجهة ما يزعجهم، فإنهم يواصلون الاستعداد له عبر اجترار الأفكار”.

ما الذي يقودنا إلى اجترار الأفكار؟ ولمَ يتأثر بعض الأشخاص بهذه المشكلة أكثر من غيرهم؟ هل كانوا جميعاً ضحايا صدمات نفسية؟ يُجمع المختصون على أن الأسباب قد تكون متعددة، وتشير الفيلسوفة ومختصة التحليل النفسي نيكول بريور إلى دور التريبة التي تلقيناها والبيئة الأسرية التي نشأنا فيها، والبيئة المهنية في ذلك. وفقاً لسافيريو توماسيلا؛ غالباً ما ينقل الآباء المتزمتون والمتشائمون هذه الصفات إلى أطفالهم خلال تنشئتهم، وينطبق الأمر نفسه على مشكلات القلق والذعر، والخوف من المرض وما إلى ذلك.

من جهة أخرى؛ يؤدي سماع المرء لكلمات الاستهزاء في العمل تدريجياً إلى حالة من الإحباط لديه أو يقوده إلى التقليل من قيمته الذاتية بطريقة منهجية؛ تماماً كما تثير ثقافة الأخبار السيئة تشاؤماً عاماً في شركة أو إدارة ما. إضافةً إلى ذلك؛ يميل الطفل الذي يتعرض للاستهزاء والتقليل من قيمته سريعاً إلى تبني هذا الموقف المدمر تجاه نفسه والآخرين والحياة.

الشكوى لتبرير الخوف

غالباً ما يرتبط اجترار الأفكار بالتقليل من قيمة الذات. ويعترف مختصو التحليل النفسي والمعالجون النفسيون بأن أكثر ما يميل مرضاهم إلى التعبير عنه خلال الجلسات هو استنكار الذات، وهم يعتبرون هذا الرثاء مأزقاً حقيقياً بالنسبة لهم. ذات يوم؛ بينما كان الرجل يئن ويكرر باستمرار أنه عديم الفائدة، وأنه لا قيمة له، صدمه جاك لاكان قائلاً: “حسناً أنت لا شيء؛ انتهت الجلسة”. تتنهد سينثيا فلوري قائلةً: “إنه أمر مثير للشفقة فهذه الشكوى المستمرة حول شعور المرء بأنه لا شيء ما هي إلا خطاب مهلك؛ يشير في الواقع إلى رغبته بالتنصل من مسؤوليته عن ما قد يخفق فيه. إنه خطاب زائف يحاول الشخص من خلاله إثبات عجزه، وشكوىً يريد بها تبرير جموده وخوفه من التحرك، وهو خطاب يقضي عليه بهدوء ويطفئ الرغبة والإحساس بداخله.

ما علاقة الأفكار السلبية باليقظة؟

من خلال اجترار هذه الأفكار المقلقة أكثر من اللازم؛ ألا نؤذي أنفسنا دون داع؟ تقول سينثيا فلوري: “ليس بالضرورة؛ إذ إن أي فكرة تنشأ تولّد في الوقت ذاته نقيضها”، ومن المنطقي عندما نفكر في موضوع ما أن ننظر إليه من زاوية سلبية. أحد أعظم الفلاسفة الذين كشفوا عن هذا الأمر هو هيغل؛ عبر جدليته التي تتألف من 3 مراحل وهي الأطروحة ونقيض الأطروحة ثم التوليف بينهما، فالنقيض أي “السلبي”، هو خطوة إلزامية في طريق الفكر لا يمكن بدونها الوصول إلى مرحلة التوليف.

يُعتبر ميل المرء إلى تبني الأفكار السلبية أيضاً علامةً على الوعي الحكيم والحذر. كتب الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور: “عندما لا أجد ما يدعو للقلق، فإن هذا بحد ذاته يثير قلقي”. وتؤيد نيكول بريور هذا الأمر فتقول: “يتسم الأشخاص الذين يميلون إلى تبني الأفكار السلبية باليقظة والحساسية لغموض الحالة الإنسانية وتناقضاتها”. لا يمكننا السعي إلى التخلص تماماً من الجانب المظلم الذي يقودنا، فتصوراتنا السلبية التي نمتلكها عن الأشياء هي ثمرة فكرة، مقلقة بالتأكيد؛ ولكنها غالباً ما تكون واضحةً؛ إذ يتيح لنا ذلك قياس مخاطر الأمور، ومعرفة شرورها عندما لا يتمكن الآخرون من رؤيتها.

وتؤكد سينثيا فلوري ذلك قائلة: “يمكن للأفكار السلبية أن تؤدي دوراً في كشف زيف الأمور وفهم حقيقتها، ثم التحرر منها؛ ما يمثل الخطوة الأولى للمرء نحو التغيير الداخلي. من ناحية أخرى يشير ذلك إلى قدرة المرء على مواجهة الحقيقة رغم قساوتها، ورغم أن ذلك لا يجعله بالضرورة أكثر سعادةً، فإنه يسمح له بالمضي قدماً والتطور وحتى الإبداع في بعض الأحيان.

لسنوات؛ فضلت عبير ذات الـ 43 عاماً أن تتجاهل حياتها الزوجية المحطمة؛ مكتفيةً بالتساؤل عن سبب ما آلت إليه. وتقول عبير: “كانت مشاعر القلق تأكلني على الدوام، وكان لدي انطباع بأنني أصبحت مهووسةً بعملي هرباً من زوجي؛ الذي قضى وقته يوبخني لعدم وجودي معه بما فيه الكفاية، وعدم منحه الحب. في إحدى الليالي شعرتُ بالضيق دون أن أعرف السبب، وراودتني كوابيس لم أستطع تذكرها في صباح اليوم التالي”. وذات يوم اكتشفت المرأة الشابة الحياة المزدوجة لزوجها المثالي، وتقول: “غادرت وأنا أشعر بغضب شديد من نفسي؛ لكن الأمر الغريب هو أنني شعرت أيضاً بالراحة والتحرر”.

حزن جميل

فقد فريديريك باجاك والده عندما كان في التاسعة من عمره، وهو موت “يحاول دائماً فهمه” كما يوضح. إنه يحلم، ويرسم، ويكتب من وحي حزنه هذا ويقول الكاتب: “كحال كل شخص فقد أحد الأحباء؛ أقضي وقتي في التفكير في هذا الأمر دون إرادة مني فهي ليست مسألة إرادة. تمثل مشاعري هذه أبطال كتبي، وهناك شكل من أشكال الجمال في الحزن الذي نحمله. انظر إلى نجاح إدوارد هوبر، ولوحاته الرائعة التي لا نمل تأملها؛ إذ عرف كيف يُسقط أحاسيسه على هذه اللوحات الجميلة رغم أنه لا يشعر بأي أمل أو فرح. نحن اخترنا في الواقع أن نواجه جانبنا المظلم دون أن نعتبره بالضرورة جانباً مَرَضياً من أنفسنا. تمكن منشئو المحتوى مثل فريديريك باجاك أو ليونيل دوروي من تحويل أفكارهم السلبية، وألمهم العميق إلى قوة إبداعية عبروا عنها باستخدام لغتهم الخاصة، أو كتابتهم أو رسوماتهم.

قد لا يكون لدى بعض الأشخاص القدرة على الإبداع الفني؛ لكنهم يتمكنون من التخلص من توتراتهم الناتجة عن أفكارهم السلبية بممارسات بسيطة. تقول بثينة؛ 38 عاماً: “عندما أشعر أن الأفكار السلبية قد بدأت بالتسلل إلى ذهني، أمسك بالمكنسة وأصرخ على أغاني كلود فرانسوا في أثناء تنظيف المنزل؛ إنها طريقة سخيفة وفعّالة للغاية”. أما وسيم؛ 47 عاماً، فهو يستعين بممارسة اليوغا والتأمل اليقظ ليحسن تنفسه ويستعيد تركيزه، ويرتقي روحياً.

لكن ماذا يحدث عندما لا يساعد شيء على إخراج الأفكار السلبية فتبقى عالقةً مكبوتةً في أعماقنا؟ يجيب فريديريك باجاك: “يكمن الخطر بالعجز الدائم أمام حالة اجترار الأفكار”. هل يستحق الأمر أن يحشد المرء طاقته النفسية باتجاه هذه الأفكار؟ ماذا لو سعينا إلى الخروج من هذه الدوائر الجهنمية فتعيننا “نقائضه” وفقاً للفيلسوف هراقليطس على التحرر من هذه الأغلال الانهزامية؟

رأي غاي كورنو

“أصبح التقليل من قيمة الذات نهجاً سائداً في المجتمع الفرنسي”.

في ذكرى رحيله نوضح نظرة المحلل اليونغي غاي كورنو الذي توفي في مدينة كيبيك بكندا، حول معاناة سائدة في المجتمع الفرنسي.

يقول غاي كورنو: “يعاني الفرنسيون من مشاعر الحزن والحنين المفرطة، فهم رومانسيون ومرتبطون بالقيم أكثر من ارتباطهم بالأفكار. لننظر إلى الألمان الذين يتميزون بأنهم مفكرون وعمليون، فهم لا يواجهون أزماتهم بالمشاعر، على عكس الفرنسيين الذين يفضلون أن يحلموا ويلجؤوا إلى ذكرياتهم وروائعهم المندثرة بدلاً عن اتخاذ خطوات حقيقة. وقد أدى هذا التعلّق بالماضي إلى نشوء شعور عميق بانعدام القيمة الذاتية. يراقب كل شخص ما يفعله الآخر ويغرق الجميع في المقارنات وانتقاد النفس والآخرين؛ ما يؤدي إلى انتشار حالة من الإحباط. لكنني أعتقد أن هذا الإحباط سيكون دافعاً للجميع لتولي المسؤولية وتحديد موقفهم تجاه أنفسهم والبحث عن راحة بالهم دون أن يسمحوا للأحداث العامة بأن تؤثر في ذلك. ربما حان الوقت الآن لإضفاء بعض “العقلانية الألمانية” على أحاسيسنا ومشاعرنا ويجب أن يسعى الجميع نحو التغيير بإعادة توجيه طاقاتهم، والخروج من هذه الهوة العميقة. يُمثل انحدار فرنسا فرصةً لمواطنيها لوضع حد للإغراءات الانهزامية السائدة بينهم”.