ما الضرر الذي تُلحقه المثالية بحياتك؟ وكيف تتخلص منه؟

المثالية
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: إضفاء المثالية هو سلوك نسعى من خلاله إلى تجميل الواقع ومنحه قيمة أكبر، وعلى الرغم من ذلك، فإنه قد يؤدي إلى خيبة الأمل والإحباط وحتى الاكتئاب، وفيما يلي نوضح لكم كيفية تجنب المبالغة في إضفاء المثالية على 3 نواحٍ أساسية في الحياة.

إضفاء المثالية هو سلوك نسعى من خلاله إلى تجميل الواقع ومنحه قيمة أكبر، وعلى الرغم من ذلك، فإنه قد يؤدي إلى خيبة الأمل والإحباط وحتى الاكتئاب، وفيما يلي نوضح لكم كيفية تجنب المبالغة في إضفاء المثالية على 3 نواحٍ أساسية في الحياة.

إضفاء المثالية الصحي

يقول مختص التحليل النفسي، موسى نبطي: “إذا لم يبالغ المرء في تقدير عمله وشريك حياته وأطفاله، فإن أسس حياته كلها ستفقد تميزها وستصبح بلا طعم، ولن يكون هنالك حب أو شغف”. وعلى الرغم من ذلك، يؤكد المختص أهمية التفريق بين سلوك إضفاء المثالية الصحي المدفوع بالرغبة، وذلك المرضي المدفوع بحاجة حيوية.

ولتوضيح ذلك: من الطبيعي جداً ومن المبهج أن يرى الإنسان سمات إيجابية لدى شريكه أكثر مما يتمتع به بالفعل وأن يقدّر أصدقاءه ويحب عمله؛ ومن ثم فإن سلوك إضفاء المثالية الصحي يمتد إلى عدة أشخاص وعدة نواحٍ في الحياة، وإذا خاب أمله في مجال ما أو شخص ما، فإنه سيعاني ويحزن لكنه سيتعافى في نهاية الأمر. ويتابع مختص التحليل النفسي: “لكن المشكلة هي عندما نبالغ في إضفاء المثالية على شخص ما إرضاءً لنرجسيتنا، فنستمد وجودنا وقيمتنا منه، وإن لم يعد يؤدي هذا الدور، تنهار هويتنا”.

ينتشر سلوك إضفاء المثالية المرَضي بين الأشخاص الذين عانوا الحرمان العاطفي في مرحلة الطفولة المبكرة، فيسعون إلى تعويض هذا الحرمان وإرضاء أنفسهم من خلال الحصول على أفضل ما يمكن في مجالات الحياة كلها، دون أن يتمكنوا من تحقيق الرضا لأن النقص الذي في داخلهم يرجع إلى الماضي. نضع جميعاً أحياناً توقعات مبالغ فيها أو في غير محلها، وحينما يسبب لنا ذلك خيبة الأمل فإن الحل الوحيد يكمن في تغيير هذه التوقعات. أكثر 3 نواحٍ تشغل ذهن المرء في حياته هي عمله وعلاقته الزوجية وأطفاله، وينبغي أن تكون توقعاته بخصوصها في حدود المعقول.

العمل المثالي

العمل أكثر من مجرد كسب لقمة العيش؛ إذ يتطلع المرء من خلاله إلى تحقيق إنجازات شخصية دون أن يتمكن دائماً من تحديد العمل الذي سيمنحه هذه المتعة. تقدم كل حقبة زمنية صورة معينة للمهنة المثالية؛ ومن ذلك صورة المغني الشهير أو رجل الأعمال الناجح أو الطبيب الإنساني.

وتقول مختصة التحليل النفسي، هيلين فيكيالي (Hélène Vecchiali): “يتمحور العمل المثالي دائماً بطريقة أو بأخرى حول المال أو السلطة أو الظهور الإعلامي”. وتضاف إلى هذه المعايير التي يضعها المجتمع، تلك التي تنقلها إلينا عائلاتنا؛ إذ يعمل بعض العائلات، من الآباء مروراً الأبناء وإلى الأحفاد، في المهنة ذاتها، حتى أن الواحد منهم يعتبر اختيار مهنة أخرى نوعاً من إنكار الهوية. لكن حتى لو رأينا أن بإمكاننا اختيار مسارنا، فإننا غالباً ما ندرك من خلال التعمق أننا اخترنا هذه المهنة أو تلك لنحقق أحلام أجدادنا أو آبائنا الذين فشلوا فيها”.

متى يصبح البحث عن العمل المثالي مصدراً للمعاناة؟

يقتدي الإنسان بالمُثُل التي عايشها في بيئته، وهذا أمر لا مفر منه؛ لكن الخوف وفقاً لهيلين فيكيالي هو من أن ينشغل في البحث عن العمل المثالي إلى درجة إغفال القضايا الأخرى. على سبيل المثال؛ لكيلا يخيب آمال والديه يقنع نفسه بأنه يحب نشاطاً من الواضح أنه لا يناسبه، أو يكرس نفسه بالكامل لعمله حتى لا يعيش حياة عاطفية مخيبة للآمال. لكن فرويد قال إن الحياة المتوازنة تتطلب منا أن نعمل ونحب، فالعمل وحده لن يجلب لنا السعادة، وإذا اعتمدنا عليه في تحقيق الرضا فإننا سنعاني نفسياً.

راجع توقعاتك

على الرغم من ذلك، فإن ما عليك فعله ليس القبول بالقليل؛ بل مراجعة معايير العمل المثالي لديك وتحديد ما يُعد عملاً مرضياً لك حقاً بمساعدة مدرب، أو من خلال عملية تقييم المهارات لتعرف مثلاً إذا كانت المهن اليدوية أو الفكرية هي الأنسب إليك، وإذا كنت تفضل الوظيفة المرموقة أو العمل الحر. وتؤكد هيلين فيكيالي إن على المرء ألا ينظر إلى العمل المثالي بوصفه مطلباً مُلحّاً بل أفقاً يسعى إليه طوال حياته.

الشريك المثالي

الزواج من أهم مجالات الحياة التي يسعى فيها الإنسان إلى تحقيق الكمال، فيحاول أن يحظى بشريك الحياة المثالي والعلاقة المثالية التي يملؤها الحب والشغف. يقول الطبيب النفسي جاك أنطوان مالارويتش (Jacques-Antoine Malarewicz): “في بداية حياته العاطفية، يبحث المرء عن الشريك الذي تنطبق عليه الصورة المثالية المرسومة في ذهنه التي استمدها من والديه، وفي وقت لاحق بعد خوض عدة تجارب فاشلة، يأخذ الأفضل من كل تجربة ويخلق منها حالة كمال لا يمكن تحقيقها”. وبسبب ذلك أيضاً؛ فإنه يرى أن لا داعي لمراجعة أفكاره وتحسين نفسه لأن الارتباط بشريك مثالي يعني أن كل شيء سيسير على أحسن ما يرام ولن تكون هنالك حاجة إلى بذل أي جهد لتطوير العلاقة.

متى يصبح إضفاء المثالية على الشريك سبباً للمعاناة؟

عندما يضفي الشخص المثالية على شريك حياته ويتمسك بالصورة الجميلة التي رسمها له، فإن ذلك يؤدي إلى عدم تطور العلاقة؛ كما أنه سيُصاب بالخيبة بمرور الوقت بعد أن يكتشف أن شريكه لا يتوافق مع تلك الصورة فيبدأ بانتقاده لأتفه الأسباب.

راجع توقعاتك

يقول جاك أنطوان مالارويتش: “الحل هنا أيضاً هو أن تغير نظرتك إلى الزوج المثالي”؛ أي أن تستبدل بصورة الشريك المثالي التي تدمر العلاقة صورةً تعززها. ويوضح الطبيب النفسي إن: “العلاج الزوجي يسمح لك بتقبل استحالة الحصول على الشريك المثالي الذي رسمت صورته في ذهنك، وتعلُّم كيفية التغلب على الاختلافات بينك وبين الآخر والحفاظ على علاقتك معه”.

الولد المثالي

الولد قرة العين لوالديه، ومع ذلك فإنهما يُرهقانه بعبء كبير؛ وهو تحقيق ما لم يتمكنا من تحقيقه، وتضميد الجراح التي أحدثها الواقع فيهما، وباختصار: إنهما يحاولان رؤية نفسيهما في “الطفل الخيالي” وفقاً لتسمية فرويد”. وهكذا؛ فإن كل واحد من أطفالنا مثقل بمهمة لا يعرفها هو ولا نحن، ومن المحتمل أن تكون أساس أجمل طموحاته.

متى يصبح إضفاء المثالية على الطفل مشكلة؟

في الواقع، لا يشبه الطفل الذي رُزق به الوالدان ذلك الذي تمنياه، وفي أغلب الأحيان، يتجاوز توقعاتهما؛ لكن اختلافه هو سبب العلاقة المتضاربة بينهما وبينه والمعاناة التي تنجم عن ذلك، وحينما يتوقعان الكثير منه يمارسان بذلك عنفاً كبيراً عليه. ويقول موسى نبطي: “كانت لدي مريضة تحب ابنتها حباً جماً؛ إذ تدللها وكأنها أميرة وتشتري لها أجمل الثياب لكن الحقيقة هي أنها لم تكن تحبها بل تحب نفسها من خلالها، وكانت تغار منها بشدة لأنها تلقت كل ما فاتها”. من ناحية أخرى، عندما يتوقع الوالدان الكثير من ولدهما فإنهما يفرضان عليه السعي نحو الكمال؛ ومن ثم فقد يرى نفسه باستمرار إنساناً لا يتمتع بالكفاءة اللازمة.

راجع توقعاتك

وقد لاحظت مختصة الطب النفسي السلالي، ماري روز مورو (Marie Rose Moro)، ذلك خلال علاج الأطفال؛ إذ تقول: “يتمتع بعض الأطفال بمهارة الحفظ والاستظهار فيما يتمتع آخرون بالمواهب الإبداعية؛ لكن في أغلب الأحيان لا يتمتع الواحد منهم بالأولى والثانية معاً، فإذا قيمناهم وفقاً للمعايير المدرسية القياسية فلا بد لهم من أن يخفقوا في مجال ما. وعلى عكس ذلك، إذا ركزنا على اكتشاف ما يحبونه وساعدناهم على تعزيزه فإنهم سيقدمون أقصى ما يمكن من الموهبة التي يتمتعون بها”. ومن خلال السماح لهم بإظهار تفردهم، سنكتشف الأسباب الجوهرية التي تجعل منهم أطفالاً مثاليين.

اقرأ أيضاً: ما الذي يجعل الرجل السيئ زوجاً مثالياً في أعين بعض النساء؟

المحتوى محمي !!