يتجاوز حدود الأفكار والمشاعر: ماذا تعرف عن أضرار الاكتئاب في الجسم؟

أضرار الاكتئاب في الجسم
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

“69% من مرضى الاكتئاب يعانون من أعراض جسدية نتيجة مرضهم”.

توصلت إلى النتيجة السابقة دراسة علمية أجرتها منظمة الصحة العالمية شملت 14 دولة، وإحدى الملاحظات المهمة التي دونها الباحثون أن هؤلاء المرضى غالباً لا تفسَّر الأعراض الجسدية الظاهرة عليهم بأنها ذات صلة بالاكتئاب؛ إنما تشخَّص ضمن أعراض الأمراض الجسدية الشائعة.

يقودنا ذلك إلى تعريف أستاذ الطب النفسي بجامعة نيويورك (New York University)، جيريمي كوبلان (Jeremy Coplan) للاكتئاب على أنه مرض خفي يجعل المصابين به يبدون مبتهجين أحياناً لكنهم يتألمون من الداخل، ولا يشعر من حولهم بمعاناتهم.

ما يحدث في الدماغ يؤثر في الجسم

يضرب الاكتئاب أعماق صحة المصاب به، ذلك ما أثبتته دراسة أجرتها جامعة ستانفورد الأميركية (Stanford University) تتبعت تعافي المصابات بسرطان الثدي، فوجدت أن اللواتي تراجع معدل اكتئابهن عشن فترة أطول من السيدات اللواتي زداد اكتئابهن سوءاً.

يعلّق الطبيب ديفيد شبيجل (David Spiegel) أحد المشاركين في الدراسة على النتيجة السابقة، بإشارته إلى أن هناك دراسات مماثلة أظهرت نفس النتيجة؛ ما يؤكد أن الدماغ والجسم مرتبطان ببعضها بشكل وثيق، يجعل الجسم يستنفر بأساليبه الدفاعية عند تعرضه للإجهاد النفسي.

ووفقاً لشبيجل؛ غالباً ما يتجاهل الأطباء احتمالية الإصابة بالاكتئاب عند تشخيص مريضهم، ويصفون علاجاً يتعامل مع المرض الجسدي فقط؛ ما يؤدي لتفاقم حالة المريض بدلاً من تحسنها.

اقرأ أيضا:

علاقته معقدة بأمراض القلب

المصابون بالاكتئاب أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، هذا ما أثبتته دراسة علمية أجرتها جامعة يونسي بكوريا الجنوبية (Yonsei University)، وجدت أن المصابين بالاكتئاب بين سن 40-80 عاماً تزداد احتمالية إصابتهم بأمراض القلب المرتبطة بتصلب الشرايين بنسبة 41% للرجال، و48% للنساء.

تكمن خطورة تصلب الشرايين في كونها الجزء المسؤول عن نقل الدم الغني بالأكسجين من القلب إلى بقية أجزاء الجسم؛ ذلك يعني أن تصلّبها يزيد خطر الإصابة بنوبة قلبية أو سكتة دماغية، وكلاهما قد يؤديان للوفاة المفاجئة.

وتعد العلاقة بين الاكتئاب وأمراض القلب وثيقة، فأكثر المصابين بفشل القلب أو مرض الشريان التاجي هم في الأصل مرضى بالاكتئاب، ويرتبط ذلك بتعرضهم للضغط النفسي لفترات طويلة؛ ما يؤدي بحسب دراسة أجرتها جامعة كالغاري الكندية (University of Calgary) إلى الإصابة بارتفاع ضغط الدم، وذلك يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية؛ بما فيها النوبات القلبية والسكتات الدماغية، وفقاً لدراسة علمية أجرتها جامعة أمستردام الهولندية (University of Amsterdam).

العدوى تخترق الجسم بلا استئذان

لعلك سمعت أحد الأطباء يقول أن الحالة النفسية هي أحد العوامل المهمة لرفع مناعة الجسم، وهذه المقولة أُثبتت صحتها في عالمنا الحالي، فقد أكدتها دراسة علمية أجرتها جامعة آرهوس الدنماركية (Aarhus University)، وتوصلت إلى أن 45% من المرضى الذين دخلوا المستشفى للعلاج من عدوى شديدة، كانوا مصابين باضطرابات المزاج وفي مقدمتها الاكتئاب.

يفسر أستاذ الطب النفسي بجامعة ميونخ الألمانية (University of Munich)، بريان ليونارد (Brian Leonard) في إحدى مقالاته البحثية الارتباط بين الاكتئاب وضعف المناعة، بإشارته إلى أن الضغط النفسي الناتج عن الاكتئاب يجعل الجهاز المناعي للمريض أضعف عند مقاومته للأمراض، ويستغرق وقتاً أطول للتعافي.

المعدة تضطرب

يجد المصابون بالاكتئاب أنفسهم يعانون بشكل متكرر من مشكلات صحية ذات علاقة بالمعدة؛ مثل الغثيان أو الانتفاخ أو الإسهال أو الإمساك، ويحتارون أحياناً إلى أي طبيب يتوجهون للفحص لعدم ربطهم غالباً بين تلك الأعراض ومرضهم بالاكتئاب.

لكن أكدت مقالة بحثية نشرتها جامعة هارفارد الأميركية (Harvard University) أن الاكتئاب يمكن أن يؤثر بشكل مباشر في عمل المعدة والأمعاء بإحداثه اضطراباً في حركة وانقباضات الجهاز الهضمي، إلى جانب شعور المريض بالألم نتيجة هذا الاضطراب.

لذلك سيكون من غير المفيد حينها التعامل مع اضطراب الجهاز الهضمي باعتباره عارضاً جسدياً بحتاً، دون الالتفات إلى الجانب النفسي.

اقرأ أيضا:

آلام مضاعفة

إذا أخبرك مريض الاكتئاب أن معاناته تُشعره بالألم، فعليك أن تفكر قليلاً أن الأمر يتحمل تجاوزه للمجاز اللغوي إلى الواقع الفعلي؛ حيث يشعر المصابون بالاكتئاب بالألم بنسبة أعلى من الأشخاص الأصحاء.

أثبتت ذلك دراسة أجرتها جامعة مونستر الألمانية (Münster University) شملت نحو 700 شخص يعانون من الاكتئاب، و450 شخصاً لا يعانون منه، وعند وضع الجميع أمام اختبار ضغطوا فيه على سبابتهم لتعمد إحداث الألم، وجدوا أن المصابين بالاكتئاب عانوا من آلام أكبر من تلك التي عانى منها غير المكتئبين.

ربط الباحثون هذه النتيجة بعاملَين مؤثرين مهمين هما عدم حصول مرضى الاكتئاب على القدر الكافي من النوم، إلى جانب انخفاض نشاطهم البدني، وهما عرضان شائعان للاكتئاب.

النوم الهانئ يصبح شبه محال

يعد النوم أحد الأعمدة الأساسية لأن يكون الإنسان في كامل طاقته وحيويته خلال يومه؛ لكن بالنسبة لمريض الاكتئاب يعد النوم بشكل مستقر أمراً صعباً، فحتى وإن نجح في النوم لفترة كافية فإن جودة نومه تكون منخفضة؛ ما يجعل التأثير الحقيقي للنوم غير ملموس، وذلك ما أثبتته دراسة علمية أجرتها جامعة كاليفورنيا (University of California)، توصلت إلى أن المصابين بالاكتئاب أكثر عرضة للمعاناة إما من الأرق، أو النوم لساعات زائدة عن الحاجة الطبيعية.

وهو ما يوصلنا لاستنتاج مفاده بحسب مقالة بحثية نشرتها جامعة بيتسبرغ (University of Pittsburgh)، أن العلاقة بين النوم والاكتئاب تسير في اتجاهين، فالنوم بشكل متقطع أو لعدد ساعات أقل يمكن أن يؤدي للإصابة بالاكتئاب، ومن جانب آخر فالإصابة بالاكتئاب تعني ظهور صعوبات في النوم.

أقل مجهود يسبب الإرهاق

واحدة من التأثيرات الشائعة التي يتعرض لها مريض الاكتئاب الاختلال الذي يضرب الناقلات العصبية في دماغه؛ مثل الدوبامين والنورأدرينالين والسيروتونين، وبحسب الطبيبة النفسية إيمي ريك (Amy Ricke) فإن هذه الناقلات تؤدي دوراً محورياً في تنظيم مستويات الطاقة.

ويظهر تأثير انخفاض الطاقة في كافة تفاصيل الحياة اليومية لمريض الاكتئاب، فهو غالباً ما يجد صعوبة في النهوض من فراشه، أو تأدية المهام الروتينية مثل الاستحمام وترتيب المنزل.

لكن المشكلة الأعمق للإرهاق كونه أكثر آثار الاكتئاب صعوبة في العلاج، فقد توصل استبيان أجرته كلية الطب بجامعة أثينا (University of Athens) أنه حتى بعد البدء في تناول مضادات الاكتئاب، فإن 80% من المصابين بالاكتئاب الشديد استمرت معاناتهم من الإرهاق.

اقرأ أيضا:

اضطرابات جلدية متعددة

يشرح طبيب الجلدية فيفيك ميهتا (Vivek Mehta) العلاقة بين الإصابة بالاكتئاب وظهور بعض الاضطرابات الجلدية، بإشارته إلى أن البشرة ترتبط بنهايات عصبية، من ثم فإن التغيرات التي تطرأ على الشخص عند إصابته بالاكتئاب، تؤدي إلى ظهور مشكلات جلدية.

ومن أهمها الهالات السوداء تحت العينين التي تظهر نتيجة قلة النوم، أو النوم أكثر من المعدل الطبيعي عند الإصابة بالاكتئاب، وكذلك حب الشباب الذي يرتبط بانخفاض الحالة المزاجية والتوتر الشديد؛ ما يؤدي لإفراز هرمون الكورتيزول الذي يُحدث اضطراباً في مستويات هرمونات الجسم بمجرد ظهوره.

بالإضافة إلى الطفح الجلدي الذي يصاب به الشخص نتيجة وجود خلل في القناة الهضمية، ونظراً لأن معظم مرضى الاكتئاب نظامهم الغذائي غير صحي فإن إصابتهم به شائعة.

يتضح لنا مما سبق أن الأثر الذي يُحدثه الاكتئاب في الصحة الجسدية ليس هيناً، وربما يكون ممتداً أحياناً، لذا تعد المبادرة في علاج الاكتئاب ضرورة للحفاظ على استقرار النفس وسلامة الجسم، فإن كنت تعاني من أحد أعراض الاكتئاب لا تتردد في زيارة الطبيب النفسي وطلب المساعدة.