ما أسباب عدم القدرة على التسامح؟ وكيف تصبح شخصاً متسامحاً؟

التسامح
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: يتسرع البعض في عزم أمرهم على عدم التسامح، فتجدهم يقولون: “أبداً، لن أصفح ما حييت” بصرامة وحزم حتى لو كان الخطأ طفيفاً. يسكّن هذا التشبث الحانق بغيظهم من ألمهم بعض الشيء.

هل نسامح أم لا؟

أنمسح خطاياهم؟ أنسامحهم؟ من الصعب، إذا لم يكن من المستحيل، على الشخصيات النرجسية وشديدة التعلّق بمظهرها أن تعيد النظر في حكم أطلقته. فهذا يعادل بالنسبة لها الانسلاخ عن بعض من هويتها، لذا يستحيل تغيير رأيها، وتبرر غيظها بأنها تقاضي المذنب. وفي معظم الأحيان يكون اللاوعي لديها هو ما يمنعها من التسامح.

لا يسامح الآخرون لأنهم ضحية آليات اللاوعي. ومن أكثر آلياته شيوعاً، تلك التي تتمثل في إسقاط المشاعر التي نكبتها على الآخرين. وهذا ما جعل سوسن تبقى مستاءةً من جارتها في المنزل المجاور بعد ست سنوات من الواقعة؛ إذ تقول: “لقد عهدت برعاية ابنتي أمل إليها لبضع ساعات، فما كان منها إلا أن أخرجتها من المنزل دون أن تلبسها قبعةً في برد شهر نوفمبر/ تشرين الثاني. لن أسامحها أبداً على ذلك”. لو أنها دققت في مشاعرها لربما اكتشفت الشكوك التي تساورها حول حسن تأديتها لدور الأمومة اتجاه طفلتها، فدفعتها ثقتها المتزعزعة بنفسها إلى اتهام غيرها بانعدام الكفاءة الذي تخفيه عن نفسها.

لوم شخص عرفناه في الماضي

عندما يتضح أن كم الغيظ الذي يحمله المرء لا يتناسب مع حجم الخطأ المرتكَب، فلا مفر من أن نتساءل: ألا يشبه المذنب أحد الأشخاص المهمين من ماضي المرء (مثل والده أو والدته أو أخيه الأكبر أو أخته)؟ فيكون عندها غيظه المتواصل دليلاً على حدث وقع في الماضي -لا نفترض ذلك- ترك جروحاً تنزف عند حدوث أدنى عامل محفز.

كبت الجانب المظلم للمرء

يؤكد المحللون النفسيون الذين يعتمدون نظام يونغ إن في داخل كل منا جانب معطاء وجانب يستلذ بمأساة الآخرين؛ جانب متسامح وجانب يثبت أنه جبار لا يتسامح مع أدنى زلل. ينظرون إلى النفس البشرية بأنها نُزُل تقطنه عدة شخصيات معقدة. يقول “يونغ”: “في كل رجل متحضر بعض الهمجية، وفي كل سيدة شمطاء، ولكل منهجية نقيضتها، وهذا هو مبدأ الازدواجية” (مقتبس من كتاب “معاناة المرء مع اللاوعي”، إيلي هامبرت (ألبين مايكل، 1994).

تكمن المشكلة في أن الشخصيات الداخلية تلك تتظاهر بأنها لا ترى بعضها. فتستبعَد الشخصية الهمجية والشمطاء وتلقى في اللاوعي؛ حيث تؤلف جانبنا المظلم. وإذا لم نركز على جوانب اللاوعي هذه في شخصيتنا، وإذا لم نتقبلها، فستتحكم بتصرفاتنا دون أن نعلم. عندما نرفض الإصغاء إلى صوتنا المتعصب، سيُظهر نفسه بقسوة في وقت لا نتوقعه أبداً، فتجد غيظك من أحدهم يشتعل لأتفه الأسباب.

التشبث بمعتقد

وأخيراً يمكننا تفسير صعوبة التسامح برغبة المرء بالتشبث بمعتقد ما؛ إذ يتزعزع نمط الحياة المتَّبع في حالة حدوث الخطأ، بتأكيد مثل: “أن الصديق يجب أن يكون بجانبك دائماً في الأزمات” أو “أن إخلاص المرء لك يعني ألا يقع خلاف بينكما أبداً”. وخضوعاً منا لمستبدنا الداخلي ذاك؛ نرفض رؤية بوادر الأزمة، ونغض الطرف عن بدايات شعورنا بالضيق.

لذا عندما يبدر تصرف من شخص لا يتماشى مع هذا النمط الذي شيدناه في عقلنا لسنوات، ينهار هذا البناء الذي لطالما اعتقدنا أنه راسخ لا يتزعزع، فتتجرد المشاعر من العقلانية ويصبح الصفح مستحيلاً. لذا يحول أي موقف ثابت نتخذه دون التسامح. علينا أن نتقبل أن الذي يعد صحيحاً في فترة معينة قد لا يكون كذلك في فترة لاحقة. فالحياة أسمى من أي لحظات، والتسامح بالذات هو ما سيتيح لك الخوض فيها مجدداً.

الحزن والغيظ

يقول نايف المجنّد البالغ من العمر 36 عاماً: “كان الحزن هو الشعور الكامن خلف غيظي”.

“كان لدي صديق أسست علاقةً وطيدةً معه. طلبت منه في إحدى الأيام أن يساعدني في ملف مهني، ولم يلبِّ طلبي. شعرت يومها بأنه يسخر من مخاوفي، وكُسِر شيء ما في داخلي. ولم أتمكن بعدها من تسوية المشكلة إلا بتلقي العلاج النفسي؛ وذلك من خلال بحثي عن الشعور الذي راودني قبل أن يتأجج غيظي. لم يكن تحديده بالأمر السهل، ثم اعتراني حزن مرير، فبكيت. وبدأت أتحدث عن أخي الأكبر الذي غادر المنزل عندما كنت في السابعة من عمري. شعرت بأنه تخلى عني؛ لكنني أخفيت حزني كلياً حينها. لتكون النتيجة أنني، وبعد عشرين عاماً، صببت غيظي على شخص آخر”.

كيف تتعامل مع من لا يتسامح؟

إن الشخص الذي يرفض الصفح يكون غير مستعد للإصغاء أصلاً، لذا فإن العبارة الوحيدة التي يجدر بك قولها سواءً كنت شاهداً على غيظه أو كان موجهاً إليك هي: “أنا أتفهمك”، وذكّره بأن هذا النقاش يستحق أن يُتابَع لاحقاً. إذا كنت طرفاً مباشراً في الخلاف اعترف بتحمل جزء من المسؤولية من خلال إصرارك على إبداء رغبتك وعزمك على إصلاح الموقف. أما إذا لم تكن من أطراف الخلاف تحدث معه عن منافع التسامح مثل: الطاقة لسلبية التي سيحررها، والتقدير الأفضل للذات الذي سيشعر به لنجاحه باتباع السبيل “النبيل”، والانفتاح الأكبر على الآخرين.

3 نصائح لكل من يستصعب التسامح

1. حدد مشاعرك

يحث العديد من علماء النفس على العثور على الشعور الذي ينبع عنه الغيظ: أهو الشعور بالإهانة، أم الحزن، أم الخذلان؟ يساعدنا تحديد ما الذي يقبع خلف قناع الغضب على تحرير أنفسنا منه، لأننا سندرك أن المذنب قد أيقظ فينا جرحاً يؤلمنا قبل كل شيء. إن وعينا بذلك هو أول خطوة نحو تحقيقنا التحرر الداخلي.

2. ابحث عن النية التي أدت إلى هذا التصرف

إن تقصّي الدافع الحقيقي للمذنب يجعلك متسامحاً أكثر، فمثلاً: أهانتك فتاة أمام الجميع. عند تحليل تصرفها بتعمق أكبر قد تكتشف أن تزعزع ثقتها بنفسها دفعها إلى محاولة فرض نفسها. فببحثنا بهذه الطريقة عن الأسباب الحقيقية لتصرف الآخرين؛ لن ننظر إليهم بأنهم جلادون بعد الآن؛ بل سنعتاد النظر إليهم بأنهم ضحايا يتناولون سُمهم الذي يصنعونه بأنفسهم.

3. تحمّل جزءاً من المسؤولية

هل بالغت في التركيز على شخص لم يكن مهيَّأً لذلك النمط من العلاقة؟ ألم تكن واضحاً حول احتياجاتك ومتطلباتك وشروطك؟ اصدق مع نفسك وتفكّر ما الذي ساهمت به في هذا الموقف. تعلم إخراج الأمور التي لم تبُح بها، وأن تكون واضحاً فيما تتوقعه من الطرف الآخر، وأن تسأله عن احتياجاته، حتى تتجنب سوء التفاهم، وخيبات الأمل.

المحتوى محمي !!