أحلام اليقظة ممارسة ذهنية إيجابية وإليك الأسباب

أحلام اليقظة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

يضع القاموس تعريفاً لمصطلح “أحلام اليقظة” ينطوي على الانتقاص من هذا النوع من الأحلام فهو يعرفها بأنها: “التوقف عن التفكير والشرود في خيالات مبهمة ومتذبذبة ووهمية أغلب الأحيان”. ومع ذلك، فالأوقات الوحيدة التي نستطيع فيها إطلاق العنان لمخيلتنا وبناء هويتنا هي تلك الأوقات التي لا تكون فيها عقولنا تحت سيطرة مؤثرات خارجية.
يُعد هذا المقال من إعداد المحاضِرة في الإبداع والابتكار في جامعة بوليتكنيك مونتريال (Polytechnique Montréal) بكندا، سيلفي جيندرو (Sylvie Gendreau).

بغياب المحفزات الخارجية كسماع رنين الهاتف أو الضجة التي ترافق المحادثات مع الآخرين، يستغرق عقلنا في أحلام اليقظة، وبخلاف الاعتقاد السائد فإن لهذا النشاط الكثير من الفوائد. فيما مضى، كانت تُنظر إلى ما يسمى بحالة “الخمول الدماغي” بطريقة سلبية نتيجة الخلط بينها وبين الكسل،

وقد سلّط مختبر علم الأعصاب الإدراكي (Cognitive Neuroscience of Thought laboratory) المتخصص في دراسة أحلام اليقظة في فانكوفر بكندا، الضوء على الكثير من الأفكار المغلوطة حول هذا الموضوع.

أحلام اليقظة ممارسة ذهنية إبداعية

عندما يتوقف الدماغ عن التركيز على نشاط ما يبدأ عمل شبكة “الوضع الافتراضي” التي لها دور أساسي في معالجة الذكريات الشخصية وبناء الهوية، وبخلاف ما قد يعتقده الكثير فإن الدماغ هنا يكون في حالة نشاط، لا راحة.

يتداخل الاستغراق في أحلام اليقظة مع مجموعة واسعة من الأنشطة الإدراكية من التخيلات إلى التخطيط أو الخروج بأفكار إبداعية، وتُنتج أحلام اليقظة تدفقاً فوضوياً من كل الأفكار التي تتجاوز عتبة الوعي بطريقة مباغتة لا تخضع للسيطرة.

تُشَبّه مؤسِّسة المختبر كالينا كريستوف (Kalina Christoff) العقل البشري بالجهاز العضلي القائم على نشاط القوى المتعاكسة، فعندما تشد عضلات ذراعك مثلاً تنقبض عضلة ما في حين ترتخي عضلة أخرى، ومن ثم فحين يسترخي عقلك تحدث العملية المعاكسة فوراً (حلم اليقظة).

وتؤكد الأستاذة كريستوف إنّ الثقافة الغربية تشجع على التركيز الذهني وتُغفل جميع طرق التفكير الأخرى التي نمارسها حين نكون بمفردنا ومن ضمنها أحلام اليقظة.

أحلام اليقظة وتداعي الأفكار المصاحب لها

ترى كالينا كريستوف إنّ لأحلام اليقظة منافع عديدة ولعلّ أبرزها تحرير الأفكار، فهذا الشرود يتيح لنا إنشاء روابط لا يمكن للعقل إنشاؤها بطريقة أخرى.

في كتابه “أحلام يقظة جوّال منفرد” (Les Rêveries du promeneur solitaire)، يصف جان جاك روسو متعة إطلاق العنان للخيال التي تمنحه إياها أحلام اليقظة كما يلي:

“تنتهي أحلام يقظتي بتأملات أحياناً؛ ولكن في أغلب الأحيان تأملاتي هي التي تنتهي بأحلام اليقظة وخلال هذه الرحلة تتجول روحي وتحلّق في الكون على أجنحة الخيال وتنعم بنشوة تفوق نشوة كل متعة أخرى”.

وفي الحقيقة، تُعد أحلام اليقظة في جوهرها عملية إبداعية يظهر فيها الكثير من الخيارات في خيال الحالم بعضها حقيقي والآخر غريب، وجدير بالذكر هنا أنّ الفكر التحليلي المتَّبع في الهياكل التعليمية كافةً لا يتفق مع أحلام اليقظة.

فهم آينشتاين نفسه القوة الكامنة في أحلام اليقظة؛ إذ كان يعتقد إنّ قدرة العقل البشري هذه سمحت له بربط مفاهيم مختلفة وإنها كانت إحدى الطرق الوحيدة الممكنة لإنتاج أفكار جديدة.

أحلام اليقظة وسيلة لإيجاد توازن صحيح

هل ثمة أماكن مناسبة للاستغراق في أحلام اليقظة؟ وهل توجد أوقات أفضل من غيرها لممارستها؟ قد يفضل بعض الأشخاص الاستغراق في أحلام اليقظة مع بداية اليوم ومع اختلاف الأماكن واللحظات المناسبة لذلك من شخص لآخر، فإن المهم هو معرفة أنّ أحلام اليقظة هي ممارسة ينبغي قبولها والتسليم بفوائدها، فالعقل يحتاج لحظات من الانقطاع والتأملات الفوضوية للوصول إلى حالة توازن في مواجهة موجات المعلومات التي تتدفق إلى عقولنا يومياً.

وفي الواقع، أينما كنا، فإن عقلنا يفسح المجال بصورة طبيعية لهذا النشاط المعرفي الفردي (لأنه بالفعل نشاط) وكما يقول روسو: “يمكن للمرء الاستمتاع بأحلام اليقظة في أي مكان يشعر فيه بالهدوء”.