كيف يواجه شباب اليوم موجة النسيان المتصاعدة؟

1 دقيقة
النسيان بين الشباب
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: عبد الله بليد)

مع تسارع وتيرة الحياة وكثرة الضغوط اليومية، بات النسيان مشكلة شائعة لدى كثير من الشباب، وهي لا تعكس ضعفاً في الذاكرة بقدر ما تشير إلى إرهاق ذهني مستمر. وفهم أسباب هذا النسيان والتعامل معه بوعي يسهلان استعادة التركيز وتقليل الأخطاء اليومية، وهذا ما يمكن تحقيقه عبر خطوات …

 تخيل أنك تتحدث إلى أقرب صديق لك؛ وفجأة نسيت اسمه بينما كنت تريد مناداته، بعدها ذهبت إلى المنزل وعندما وصلت اكتشفت أنك نسيت مفاتيح المنزل في المكتب، علماً أنك أيضاً نسيت خلال الأسبوع الماضي موعداً مهماً كان عليك ألا تنساه، ما يجعلك تتساءل: لماذا أنسى في الفترة الأخيرة على الرغم من شعوري بأني بخير؟ لقد بدأ الأمر يؤثر سلباً في حياتي وعملي؟ ماذا أفعل لمواجهة النسيان المتكرر؟ هذا المقال يجيبك بالتفصيل.

لماذا تزايد انتشار النسيان بين الشباب مؤخراً؟

تشهد الإحصائيات الحديثة ارتفاعاً مقلقاً في معدلات النسيان بين الشباب في العالم اليوم، ففي دراسة أجرتها الأكاديمية الأميركية لعلم الأعصاب ونشرت في العام 2025، لوحظ ارتفاع نسبة الشباب دون سن الأربعين الذين يعانون النسيان ومشكلات إدراكية أخرى من 5.1% إلى 9.7% تقريباً بين عامي 2013 و2023 في الولايات المتحدة الأميركية، وهذا يجعل مشكلة النسيان تلقى اهتماماً كبيراً في محاولة معرفة أسبابها لحلها وعدم تفاقمها.

وتتعدد أسباب النسيان ومشاكل الذاكرة لدى شباب اليوم، وتنقسم وفقاً لموقع مستشفيات جامعة كامبريدج إلى مشاكل ذات منشأ عصبي وأخرى ذات منشأ غير عصبي، تشير الأولى إلى إصابات الدماغ أو الخرف وغير ذلك من الأمراض التي تحتاج إلى متابعة طبية مختصة، بينما تشير الثانية إلى جملة من الأسباب التي ترتبط بطبيعة الحياة اليومية المعاصرة للشباب. 

ويمكن تحديدها وفق منصة فينميك للرعاية الصحية بما يلي:

1. التغيرات الهرمونية المسببة للنسيان: وذلك نتيجة تعرض الدماغ لتحفيز مفرط من المشاعر التي يصعب السيطرة عليها في كثير من الأحيان فتؤدي لحالات النسيان، وخاصة عند الانتقال من مرحلة المراهقة إلى مرحلة الشباب، إذ يصبح النسيان مرافقاً لعملية النمو.

2. اضطرابات النوم: يتسبب نقص النوم أو عدم كفايته باضطراب تدفق المعلومات إلى قشرة الفص الجبهي للدماغ، ما يسبب فقدان الذاكرة القصيرة المدى أو النسيان.

3. تعدد المهام والمسؤوليات: عندما يكون هناك كم هائل من المعلومات، وكثرة في الأنشطة اليومية من دراسة ورحلات وتكوين علاقات جديدة ومسؤوليات ضمن العمل؛ يبدأ الشاب في النسيان فيفوته ما يجب عليه فعله.

4. اختلال التوازن النفسي: يعاني أغلب الشباب اليوم من عدم استقرار نفسي يعود سببه إلى نمط الحياة المتسارع، وضغوط العمل والدراسة، والتلوث البيئي، ما يجعلهم عرضة للتوتر المستمر الذي يؤثر على نحو مباشر في المراكز المعرفية للدماغ، ويعوق التركيز، ويؤدي إلى تشتت الأفكار وتدهور الذاكرة تدريجياً.

من جانبه يؤكد الطبيب النفسي إبراهيم حميدي أن كثرة النسيان، خاصة في مرحلة الشباب، أكبر دليل أنك تعاني ضغوطاً نفسية، من قلق وتفكير زائد أو اكتئاب.

وترتبط مشاكل الذاكرة أيضاً باضطراب كرب ما بعد الصدمة حسب الاختصاصية النفسية سارة النابلسي، ويصبح النسيان في هذه الحالات شائعاً، فقد لا نتذكر كي نحمي مشاعرنا في حالات عدم الاستقرار النفسي والاكتئاب، وهي أمور يعانيها الكثير من الشباب في عصرنا الراهن.

5. الإدمان الرقمي: يؤثر هذا النوع من الإدمان في إنتاجية الأشخاص وأدائهم، إذ إن الإفراط في استخدام الإنترنت والأجهزة اللوحية يسبب اضطرابات في النوم، ما يعني شعوراً بالتعب وعدم قدرة على التركيز ومن ثم النسيان.

6. إرهاق العمل: يؤدي إلى إرهاق عام في الجسم بما في ذلك الدماغ، وهو سبب شائع للنسيان عند الشباب؛ لأن الإرهاق يؤثر سلباً في قدرتهم على تخزين المعلومات وحفظها.

7. الحميات غير الصحية: يمكن أن تسبب الحميات المنتشرة بكثرة بين شباب اليوم مشاكل جدية كفقر الدم الناتج عن نقص الحديد، ونقص فيتامين ب 12 المهم للذاكرة، ما يؤدي إلى تراجع عمل الذاكرة تدريجياً ويتسبب بالنسيان. 

8. الإدمان على المواد المخدرة: أشارت الدراسة التي استعرضنا نتائجها في بداية المقال إلى أن أحد أهم أسباب تضاعف الإعاقات الإدراكية هو الإدمان على المواد المخدرة.

اقرأ أيضا: كيف نحفظ أجمل ذكرياتنا من النسيان؟

5 نصائح فعالة لمواجهة مشكلة النسيان بين الشباب

لمعالجة مشكلة النسيان بين الشباب، يمكن الاعتماد على خمس نصائح أساسية تسهم، عند الالتزام بها، في تنشيط الذاكرة واستعادة قدرتها على الأداء الطبيعي، وهي:

1. راقب ما تأكل 

تسهم عوامل نمط الحياة الصحية، مثل اتباع نظام غذائي منخفض السعرات الحرارية وتناول الأحماض الدهنية غير المشبعة، في تعزيز القدرة على حفظ المعلومات، بالإضافة إلى ضرورة عدم اتباعنا حميات قاسية تؤدي إلى الإصابة بعوارض سوء التغذية ونقص فيتامين ب 12، وهذا يحدث كثيراً عند الشباب الذين يخسرون أوزاناً كبيرة، إضافة إلى الامتناع عن تناول المواد المخدرة.

وتشير دراسة أجراها عدد من الباحثين في جامعة فلوريدا لخصوا من خلالها نتائج 47 دراسة بحثت العلاقة بين تناول الفطور وكفاية التغذية ووزن الجسم والأداء الأكاديمي، وبينت النتائج أن توقيت تناول الإفطار أمر بالغ الأهمية لنجاح التذكر، كما توضح هذه الدراسة أيضاً الآثار الإيجابية لذلك على البالغين في الانتباه وحل المشكلات والتذكر، وذلك عندما يتناول المشاركون وجبة إفطار منخفضة السعرات الحرارية كالحبوب الكاملة الغنية بالألياف والمغذيات والفواكه ومنتجات الألبان.

2. اعتن بنومك

تؤكد دراسة أجريت في العام 2002 من قبل مجموعة باحثين في جامعة ليوبك بألمانيا، على 52 طالباً شاباً تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً غير مدخنين وليس لديهم تاريخ باضطرابات النوم، أن العمليات التي تحدث في أثناء النوم تسهم إلى حد كبير في تكوين أنواع مختلفة من الذاكرة. 

وهذا يعني أن النوم يؤدي دوراً حيوياً في الصحة العامة، فهو الوقت الذي تستريح فيه أجسامنا، وتستعيد طاقتها وتتخلص من السموم، وهذا يعني قدرتنا على البدء بنهار جديد مليء بالنشاط والفاعلية. 

3. لا تهمل ممارسة الرياضة

تسهم التمارين البدنية المنتظمة في تحسين أدائنا المعرفي، بما في ذلك الذاكرة القصيرة المدى والذاكرة الطويلة المدى، إذ تسهم في تخفيف حالات التوتر والقلق لدينا، كما تعتبر الرياضة حلاً للأشخاص الذين يعانون مشكلات نفسية لأنها تعد بمثابة تفريغ لهم.

4. خصص وقتاً للتأمل

وفقاً لمؤسسة مايو كلينك للرعاية الصحية، يسهم التأمل في تقليل الإجهاد وتحسين الأداء الإدراكي، إذ يمكن أن يمنحك شعوراً بالسكينة والهدوء والتوازن، ويخفف التوتر الذي قد تعانيه ويزيد مستوى التركيز والوعي لديك. 

من ناحية أخرى، تساعد ممارسة تمارين اليوغا في الطبيعة على زيادة مرونة الجسم وتهدئة الذهن، والتركيز على اللحظة الحالية بدلاً من التفكير بأعباء الحياة اليومية، ما يؤدي إلى تنشيط ذاكرتنا وتعلم التركيز على مهمات محددة في الحياة وضمن العمل.

يمكننا أيضاً استخدام مفكرة لتدوين الأحداث المهمة والاجتماعات والمهام المطلوبة، ما يساعد على ترتيب الأفكار على نحو يتناسب مع إمكاناتنا ويجعلنا لا نشعر بالضغط أو التوتر. 

5. استعن بالمختص النفسي عند الحاجة

هناك بعض المشكلات النفسية لا نستطيع مواجهتها بمفردنا، لذا لا تتردد بطلب الدعم من المعالج أو المختص النفسي عند الحاجة.

في النهاية، يمكن القول إن النسيان هو إنذار من عقلك يخبرك بأنك لا تستطيع الاستمرار بنمط حياتك الحالي، وأنك يجب أن تتذكر أهمية حفاظك على صحتك العقلية والنفسية كي تستطيع متابعة حياتك بأفضل فاعلية ممكنة.

اقرأ أيضاً: 5 خطوات لتحد من النسيان الناتج عن الضغوط النفسية

المحتوى محمي