كيف ترتبط جودة النوم بمواقف حياتنا اليومية؟

النوم
النوم
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

النوم هو فترة الصيانة الجسدية والعقلية؛ إنه الفترة التي يعيد فيها الجسم شحن طاقته لمواجهة يوم جديد بمهام جديدة، والعقل بفرز الذكريات وإعادة ترتيب الفوضى الناتجة عن مدخلات اليوم السابق؛ ما يعني أن فترة النوم هي فترة ينخرط فيها العقل والجسد في عمليات مهمة.

كذلك تتأثر جودة نومنا بما نتعرَّض له من ضغوط أو مواقف تثير بداخلنا مشاعر قوية، سلبية أو إيجابية. على سبيل المثال؛ بعد يوم مليء بالمواقف التي تثير غضبنا، قد لا نتمكّن من الحصول على نوم جيد نتيجة التغيرات التي أحدثتها استجابة الغضب داخلنا.

فهل تسير العلاقة بين جودة نومنا وحياتنا الاجتماعية في اتجاه واحد؟ أم أن للنوم أيضاً تأثيراً في تفاعلاتنا الاجتماعية ورؤيتنا للآخرين؟

قلة نومنا تؤثر سلباً في تعاطفنا مع الآخرين

أكدت دراسة من "جامعة كاليفورنيا" (University of California) درست ارتباط نومنا بتفاعلاتنا الاجتماعية، تأثير جودة نومنا في المواقف التي نتعرّض إليها؛ حيث تتأذى علاقاتنا الاجتماعية نتيجة انخفاض جودة نومنا؛ أي أن العلاقة تبادلية.

بحثت هذه الدراسة مجالات تتأثر بقلة النوم، وهي العلاقات الوثيقة والحميمية، وإدراك الشخص للآخرين، والضغط الاجتماعي، وأظهرت النتائج أن للنوم تأثيراً كبيراً في علاقاتنا الاجتماعية، وخاصة علاقاتنا المقرَّبة.

عندما ينام أحد الشريكين بشكل سيئ في إحدى الليالي، يزداد الخلاف بين الزوجين في اليوم التالي. ذلك لأن الحرمان من النوم يؤثر سلباً في قدرتنا على التعاطف مع الآخرين، ويقلل احتمال مشاركتنا في حل النزاع بفعالية.

كذلك يؤثر انخفاض جودة نومنا في تصوّرنا الشخصي للآخرين. نحن نحتاج إلى قراءة تعبيرات وجوه الآخرين العاطفية بدقة للتفاعل معهم بشكل فعّال. ومع ذلك؛ يواجه الأشخاص الذين ينامون لساعات قليلة صعوبة أكبر في تلك المهمة.

بعد ليلة بلا نوم، كان المشاركون في الدراسة المذكورة أقل دقة في الحكم على مشاعر السعادة أو الغضب في صور الغرباء، مقارنةً بأدائهم في هذه المهمة بعد ليلة حصلوا خلالها على نوم جيد. بالإضافة إلى ذلك؛ يشير البحث إلى أنه من المرجح انخراط الأشخاص في التفكير النمطي والمتحيز عندما لا ينامون بشكلٍ كافٍ.

اقرأ أيضاً: كيف تؤثر اضطرابات نومك في صحتك العقلية؟ 

الحرمان من النوم يقلل الرغبة في التفاعل الاجتماعي

إن التفاعل مع الآخرين والشعور بالانتماء داخل الدوائر الاجتماعية؛ عناصر أساسية في تفاعلاتنا الاجتماعية. في حين يبدو ذلك الأمر وثيق الصلة بالصفات الشخصية، فقد يكون لجودة نومنا أثر كبير في ذلك أيضاً وفقاً لنتائج دراسة أخرى من جامعة كاليفورنيا.

تشير نتائج هذه الدراسة إلى أن قلة النوم يمكن أن تزيد من الشعور بالوحدة والرفض الاجتماعي؛ حيث وجد الباحثون أن الأشخاص الذين ينامون لساعات قليلة يكونون أقل ميلاً للانخراط مع الآخرين، كما أنهم يتجنبون الاتصال الوثيق بهم بنفس الطريقة التي يستجيب بها الأشخاص الذين يعانون من القلق الاجتماعي، والأسوأ من ذلك أن هذا الشعور المنفِّر يجعل الأفراد الذين ينامون لساعات قليلة أقل جاذبيةً اجتماعياً.

استخدم الباحثون في هذه الدراسة عمليات مسح الدماغ للأشخاص الذين ينامون لساعات قليلة خلال مشاهدتهم مقاطع فيديو لغرباء يمشون باتجاههم؛ والتي أظهرت نشاطاً قوياً للتنافر الاجتماعي في الشبكات العصبية التي يتم تنشيطها عادةً عندما يشعر البشر بغزو مساحتهم الشخصية، وضعف النشاط في مناطق الدماغ التي عادة ما تشجِّع على المشاركة الاجتماعية.

تأثير النوم في رؤيتنا للآخرين

في السياق ذاته؛ أظهرت دراسة حديثة من "جامعة أوبسالا" (Uppsala University) في السويد أن الأشخاص الذين لا يحصلون على نوم جيد يقيّمون الأشخاص ذوي الوجوه الغاضبة على أنهم أقل جدارة بالثقة، والأشخاص ذوي الوجوه المحايدة والخائفة بأنهم أقل جاذبية.

أجرى الباحثون في هذه الدراسة تجربة على 45 شاباً وشابةً لفحص مدى تأثير الحرمان من النوم في طريقة تقييم الأفراد للوجوه الخائفة والغاضبة والمحايدة.

أمضى المشاركون ليلة دون نوم على الإطلاق، وليلة حصلوا خلالها على فرصة للنوم الجيد لمدة ثماني ساعات. في الصباح التالي لكل ليلة، تم استخدام متتبع العين لقياس الوقت الذي يقضيه المشاركون في التركيز على وجوه الآخرين لتكوين انطباع أوليّ عنهم، كما قام المشاركون بتقييم جاذبية تلك الوجوه.

تشير النتائج إلى قضاء المشاركين وقتاً أقل في التركيز على الوجوه بعد الليلة التي لم يحصلوا فيها على نوم جيد. نظراً لأن تعابير الوجه ضرورية لفهم الحالة العاطفية للآخرين، فإن قضاء وقت أقل في التركيز على الوجوه قد يزيد من خطر تفسير الحالة العاطفية للآخرين بشكل غير دقيق أو متأخر جداً.

يقول كبير مؤلفي الدراسة "كريستيان بنديكت" (Christian Benedict) إنه يوجد ارتباط مهم بين قلة النوم وتفسير تعبيرات وجوه الآخرين، وإنها مرتبطة بمزيد من الانطباعات الاجتماعية السلبية عن الآخرين.

إذاً لم تعد جودة نومنا عاملاً أساسياً للتمتع بصحة جسدية وعقلية جيدة فحسب؛ بل قد تؤثر أيضاً في علاقتنا الاجتماعية ودافعنا للانعزال عوضاً عن التفاعل الاجتماعي الصحي؛ ما يجعلنا نعيد النظر في أهمية الحصول على نوم جيد كل ليلة.