إذا صادفت في بيئة عملك شخصاً يتلذذ باستغلال الآخرين، ويتقن التلاعب بهم، ويتجاوز القوانين والسياسات دون اكتراث، ويتهرب من المسؤولية بذكاء دون أي شعور بالذنب، فالأرجح أنك تتعامل مع سمات مرتبطة باضطراب الشخصية المعادية للمجتمع.
في هذا المقال نستعرض ماهية هذا الاضطراب، وأبرز العلامات التي قد تكشفه لدى زميل العمل، ثم نضع بين يديك خطوات عملية واضحة تساعدك على التعامل معه باحترافية، وحماية حدودك المهنية.
محتويات المقال
ما هو اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع؟
يعرف اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع وفقاً "للجمعية الأميركية لعلم النفس" بأنه أكثر أنواع اضطرابات الشخصية بحثاً، وأصعبها علاجاً. إذ إنه يشير إلى وجود ميل مزمن ومتجذر لدى المصاب لتجاهل حقوق الآخرين وانتهاكها مصحوباً بانعدام الشعور بالذنب والندم والتعاطف.
تشمل مظاهر هذا الاضطراب حسب الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس للأمراض النفسية انتهاكات متكررة للقانون وفشل الامتثال له، مع قدرة كبيرة على الكذب والخداع، والميل إلى الاندفاع والعدوانية، والاستهتار بسلامة الذات والآخرين، وعدم تحمل المسؤولية.
تعرف إلى العلامات التي تظهر على الشخصية المعادية للمجتمع في العمل
تتلخص أهم العلامات التي من الممكن أن تساعدك على تمييز الموظف المصاب باضطراب الشخصية المعادية للمجتمع في الآتي:
1. التلاعب والخداع لتحقيق المصالح
من أخطر الصفات التي يتصف بها الشخص المعادي للمجتمع هي قدرته الفائقة على التلاعب بالآخرين، من خلال استخدام الكذب والخداع لاستغلال مشاعر الآخرين في خدمة مصالحه.
من ناحية أخرى، حسب الطبيبة النفسية ستيفاني كولير، يحترف الشخص المعادي للمجتمع التمثيل، ويعتمد الكذب في تغيير الحقائق، وتكمن خطورته في قدرته على الإقناع، من خلال استغلال نقاط ضعف الآخرين والتلاعب بالنتائج.
2. الانفعالية والعدوانية
تشير الطبيبة النفسية كريستي فيشر إلى أن الأشخاص المصابين باضطراب الشخصية المعادية للمجتمع يبدون جذابين ظاهرياً، لكنهم غالباً ما يكونون سريعي الانفعال وعدوانيين، ولا يهتمون بعواقب ذلك.
3. الاستخفاف بالقوانين وحقوق الآخرين
من الشائع إظهار الشخص المعادي للمجتمع عدم احترامه للآخرين، ورفضه للمسؤولية مهما كانت وعدم التزامه بأي متطلبات أو قواعد، كما أنه لا يلتزم بتنفيذ القانون إلا خوفاً؛ وإذا كان متأكداً من أنه سيكون هناك عاقبة واضحة لسلوكه.
4. غياب التعاطف الإنساني
انطلق في تعاملك مع هذا الشخص من حقيقة أنه غير قادر على التعاطف أبداً ولا يرغب به، فهو لا يهتم إلا بنفسه ولا يشعر بأي خجل أو ذنب حيال الألم الذي قد يسببه للآخرين، بل يحاول استغلال ما يعرفه عن الأشخاص لكسب ودهم أولاً ومن ثم أذيتهم.
5. انعدام الشعور بالندم أو المسؤولية
يفتقر المصاب باضطراب الشخصية المعادية للمجتمع إلى أدنى شعور بالندم، ويمكن الاستدلال عليه باللامبالاة التي يظهرها عند إلحاق الأذى أو تبريره، أو عندما يسيء معاملة أحد ما.
اقرأ أيضاً: هل ضعف الشخصية سمة فردية أم اضطراب نفسي؟ وكيف تتخلص منه؟
كيف تتعامل بحكمة مع الشخصية المعادية للمجتمع في العمل؟
تمثل العلامات السابقة خطراً حقيقياً يهدد استقرار بيئة العمل، لذا من المهم امتلاكك خطوات عملية تساعدك على التعامل بذكاء مع الشخصية المعادية للمجتمع في الحياة المهنية، أهمها:
1. اعتمد تواصلاً واضحاً ومباشراً
من الضروري التزام الوضوح والموضوعية عند التعامل مع هذا الشخص، وذلك باعتماد عبارات واضحة، وعدم استخدام الكلام الذي قد يحتمل عدة معان، والتزام الدقة فيما تقوله، والابتعاد عن الرقة في التعامل أو التعاطف مع هذه الحالة، لأنه قد يخدعك بأسلوب الاستعطاف.
مثلاً يمكنك تحديد مواعيد التسليم الخاصة بالعمل على نحو رسمي ودقيق، وتحديد المطلوب بعبارات رسمية وضمن الاجتماعات، مع تأكيد الالتزام بتطبيق مبدأ المساءلة معه من خلال إطلاع قسم الموارد على تحديثات المهام البشرية بصورة رسمية، وعدم التهاون في أثناء العمل سواء كان زميلاً لك أو كنت مشرفاً عليه.
2. ابتعد عن المواجهات العاطفية
الأفضل في أثناء تعاملك مع شخص كهذا، أن تبتعد عن أي محاولة للدخول في جدال عاطفي معه، لأنه سينفعل بأسلوب عنيف جداً محاولاً استدراج عاطفة من حولك، والتلاعب لإقناع الآخرين بأنه يعاني الظلم والإساءة.
كن هادئاً ورصيناً في أثناء التعامل معه، واكتف بتوضيح العبارات الخاصة بالعمل وتجنب الجدال المباشر، فلا تقل له على سبيل المثال لم يعجبني أنك لم تلتزم بتعليمات العمل، لأن ذلك قد يخلق جدالاً لا فائدة منه، ويمكنك في هذه الحالة أن ترسل إيميلاً رسمياً تقول فيه ما ترغب بعبارات رسمية ومهنية.
3. وثق التعاملات والمهام جميعها
تنصحك الطبيبة النفسية كريستالين سالترز عند العمل مع شخص معاد للمجتمع أن تكون حذراً جداً فيما يتعلق بتفاصيل العمل، لأنه يتسم بالقدرة على تغيير الحقائق والوقائع بما يخدم مصلحته؛ لذلك يجب أن تعتمد آلية التوثيق المستمر معه لكافة التفاصيل مهما كانت صغيرة، وعدم إغفال أي نقطة لأنها الطريقة الوحيدة التي تستطيع أن تحمي بها نفسك.
على سبيل المثال يمكنك حفظ نسخ عن الوثائق والملفات الخاصة بالعمل، وتوثيق محادثاتك معه عبر الإيميل، مع عدم اعتماد الأسلوب اللفظي في طلب المهام أو السؤال عنها، والتأكيد دائماً أن يكون الرد عليه عبر الإيميل حصراً منعاً لحالات الكذب والخداع التي قد يمارسها.
4. ضع حدوداً مهنية صارمة
لهذا تبدو أهمية وضع حدود واضحة ضمن العمل، مثل إلزامه باحترام خصوصية مكتبك وعدم الدخول دون استئذان، أو التوضيح له بعدم إمكانية استخدام أغراضك في العمل مهما كان السبب، كما يمكنك استخدام درج محكم الإغلاق لوضع الأوراق الخاصة والسرية، لأنه قد يحاول الحصول عليها واستخدامها في أذيتك إن تمكن من ذلك.
من ناحية أخرى، من أهم النقاط التي تؤكد حدود العمل، هي أن يكون عدم تنفيذ المسؤوليات مرتبطاً بعواقب واضحة، وألا يكون هناك تساهل من قبلك في ذلك، لأن هذا الشخص يستمتع بانتهاك القوانين وعدم الامتثال لتنفيذها أو تجاهل القواعد الأساسية في التعامل فقط لخدمة مصالحه الشخصية.
5. لا تكشف تفاصيلك الشخصية
ما عليك معرفته هنا، بأن هذا الشخص لا يمكن أن يكون صديقاً أبداً، لأنه غير قادر على التعاطف ولا يرغب به. لذلك عليك ألا تنخدع بلطافته التي يمارسها معك، وأن تتأكد أنه سيحاول الدخول لأعماق حياتك الشخصية باحثاً عن أي نقاط ضعف ممكنة، كي يستغلها في الوقت المناسب.
لذا التزم بالتعامل المهني الرسمي، وتجنب مشاركة أي معلومات أو تفاصيل شخصية أمامه، مع الحرص على وضع حدود واضحة تحمي خصوصيتك وتمنع تجاوزها.
6. اطلب الدعم المؤسسي عند الضرورة
كن جاهزاً لطلب المساعدة من مديرك أو الموارد البشرية في حال تفاقمت الأمور، وشعرت بعدم القدرة على ضبط العلاقة ومتابعة العمل مع هذا الشخص، أو قد يكون أحياناً من الضروري الابتعاد عن العمل مع هذا الشخص بصورة نهائية.
إذ تؤكد المختصة النفسية كيندرا تشيري أن أصحاب هذا الاضطراب قد يسببون الأذى للأصدقاء وأفراد الأسرة وزملاء العمل وحتى الغرباء؛ ما يعني أنه من الضروري لك عند التعامل مع هذا الشخص أن تستشير مختصاً نفسياً ليساعدك على تعلم مهارات التأقلم التي تحميك من الأذى.
في النهاية، عليك أن تستعين بالسبل القانونية عندما يضطر الأمر، لأن الشخص المعادي للمجتمع قد يستغل طيبتك لارتكاب مخالفات قانونية جسيمة، مستخدماً صورته البراقة للتلاعب بالآخرين وكما يقول استشاري الطب النفسي محمد سعيد زغلول: "علينا أن نكون حذرين من بعض أنواع الشخصيات قبل إدخالهم في دائرة العلاقات بالعمل، لأنهم يقدمون أنفسهم باعتبارهم شخصيات براقة ولكنهم يتصفون بالشر ويشكلون خطراً كبيراً علينا لأنهم فاقدون لمعنى الضمير. بعض هؤلاء الأشخاص يمارس الأذى دون أي دافع حقيقي لذلك، فلا تحاول إصلاح هذا الشخص، لأنه لا مجال لاستخدام المشاعر معه فأنت مجرد رقم في سلسلة حياته".
اقرأ أيضاً: ما هو معنى الأمان النفسي في العمل؟ وكيف تحققه؟