هل يمكن أن نرث الأمراض النفسية من آبائنا؟ إليك الإجابة العلمية

3 دقائق
اضطراب نفسي
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: تؤثر الإصابة باضطراب نفسي في مختلف مناحي حياة المصاب؛ ولذلك قد يحاول الوصول إلى جذور إصابته بهذا الاضطراب تحديداً دوناً عن الاضطرابات الأخرى، وربما يتعرض في رحلة بحثه إلى دور الجينات الوراثية في الإصابة بالأمراض النفسية، وهو موضوع معقد بعض الشيء، ويحاول هذا المقال شرحه وتبسيطه قدر الإمكان.

يعاني المصابون بالاضطرابات النفسية تأثيرات ممتدة لهذه الاضطرابات في حيواتهم وأنماط تفكيرهم واستقرار مشاعرهم؛ ما يجعلهم يواجهون تحديات مستمرة ينبغي لهم التعامل معها بأفضل صورة ممكنة. وفي ظل هذا الصراع بين المصاب واضطرابه النفسي، قد يتصدر المشهدَ سؤالٌ مهم: "ما الذي جعلني أنا تحديداً أعاني هذا الاضطراب دوناً عن غيري من البشر؟". وعند البحث عن إجابة واضحة، قد يتبادر إلى ذهن المريض النفسي البحث عن البُعد الجيني وراء مرضه النفسي؛ لذا نستعرض في مقالنا هذا البُعد من جوانبه جميعها لتصبح الصورة أكثر وضوحاً.

تمهيد لفهم العلاقة بين الجينات الوراثية والاضطرابات النفسية

مبدئياً، تُعد علاقة الجينات الوراثية بالاضطرابات النفسية معقدة بعض الشيء؛ لكن سأحاول تبسيطها لك قدر الإمكان، ودعني أخبرك إن وعينا وأفكارنا ومشاعرنا نِتاجُ النشاط الدماغي الذي يُحدثه عدد مهول من العمليات المعقدة بوساطة مليارات الخلايا العصبية، ويعتمد أداء هذه الخلايا على الجزئيات المكونة منها، وتلك الجزئيات، وبخاصة البروتينات، تتحكم جيناتنا الوراثية في تكوينها.

وهذا يعني أنه في حال وجود خلل أو مشكلة بعينها في جين معين، فالجزئيات التي تتكون منها الخلايا العصبية لن تكون سليمة تماماً؛ وهو ما يسبب حدوث تفاعلات غير مثالية تباعاً، وبحسب الخلل الجيني يكون حجم التأثير.

لكن حتى تكتمل الصورة، فما سبق لا يعني أن هناك أشخاصاً بأعينهم لديهم جينات اكتئاب أو طفرات قلق تؤدي إلى إضطرابهم نفسياً؛ إنما يُعد وجود الخلل الجيني محفزاً للإصابة بالاضطراب النفسي، فهو يسهم أحياناً في تقليل قدرة الدماغ على التعامل مع الصدمات الحياتية، ويغير طريقة التعامل مع الواقع؛ ومن ثم يكون الناتج ظهور الاضطراب النفسي.

كيف تتنبأ باحتمالية إصابتك باضطراب نفسي؟

حسناً، ربما تتساءل الآن عما يمكنك أن تفعله حتى تعرف الإجابة الشافية عن سؤال: "هل ثمة احتمالية لإصابتي باضطراب نفسي نتيجة العوامل الوراثية؟". والخطوة الأولى للوصول إلى إجابتك تبدأ باطّلاعك على التاريخ الصحي لعائلتك، ومعرفة ما إذا كانت ثمة اضطرابات نفسية شائعة بين أفرادها. وفي حال كان هناك اضطراب بعينه تكثر الإصابة به بينهم، فعليك حينها المتابعة مع طبيب نفسي متخصص لمراقبة الأعراض المبكرة لهذا الاضطراب.

وسيساعدك حديثك مع أقربائك من الدرجة الأولى والثانية عما إذا كانت ظهرت عليهم أعراض لاضطرابات نفسية، على معرفة ما إذا كانت ثمة اضطرابات مشتركة بينهم ومن ثم ستكون نسبة إصابتك بها أعلى.

في النهاية، حتى نكون واقعيين، فلن تكون إجابتك عن السؤال المطروح في البداية أكيدة بنسبة 100%؛ لكن على الأقل سترى جزءاً من الصورة يساعدك على وقاية نفسك قدر الإمكان من الاكتشاف المتأخر لإصابتك باضطراب نفسي.

ما الاضطرابات النفسية التي يُحتمل انتقالها عبر الجينات الوراثية؟

كشفت دراسة علمية نشرتها مجلة ذا لانسيت (The Lancet) الطبية عام 2013، عن اضطرابات نفسية بعينها تزيد نسبة الإصابة بها إلى الضعفين عند وجود عامل وراثي وهي:

  1. التوحد.
  2. اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD).
  3. اضطراب ثنائي القطب.
  4. الاكتئاب الشديد.
  5. الفصام.

لكن يمكن وصف الجينات الوراثية بأنها مكعب من مكعبات حل لغز سبب الإصابة بالاضطرابات النفسية؛ بمعنى أنها ليست العنصر الرئيس المسؤول عن الإصابها بها؛ بل ثمة عوامل أخرى مساعدة أهمها:

  1. تعاطي الكحول أو المخدرات.
  2. العوامل البيولوجية والتشوهات الدماغية.
  3. معاناة الأمراض المزمنة.
  4. العزلة الاجتماعية والشعور بالوحدة.
  5. المرور بتجارب حياتية صادمة.

ماذا تفعل لتقلل إحتمالية إصابتك بالاضطرابات النفسية؟

يؤكد الطبيب النفسي محمد الوصيفي إن المرض النفسي لا يورَّث؛ لكن ما يورَّث هو الاستعداد للإصابة بالمرض النفسي. وللتوضيح أكثر، يضرب الوصيفي مثالاً بالشخص الذي لديه استعداد وراثي للإصابة بالسكري؛ إذ تكون نسبة إصابته بالمرض نفسه على سبيل المثال 25%، ويتحكم في النسبة المتبقية نظامه الغذائي ونمط حياته، وعند العودة إلى المرض النفسي سنجد أنه يمكن الاحتياط منه لكن عن طريق الاستفادة من تقنيات الطب النفسي الوقائي.

ويكون ذلك بزيارة طبيب نفسي مختص مطلع على التاريخ الصحي للعائلة، يتابع حالة الشخص ويقدم له إرشادات فعالة لتقليل احتمالية الإصابة بالاضطرابات النفسية؛ مثل الحرص على النوم الجيد، وممارسة التمارين الرياضية، وتناول الطعام الصحي، وتعلم كيفية التعامل مع الضغوط النفسية، وتعزيز الثقة بالنفس، لتكون النتيجة تقليل نسبة الإصابة بالمرض النفسي إلى أدنى حد ممكن.

أخيراً، مثلما رأيت معي عزيزي القارئ؛ لا توجد إجابة صحيحة بنسبة 100% عن سؤال: "هل يمكن أن تقف الجينات الوراثية وراء الإصابة بالاضطرابات النفسية؟"؛ لكن نأمل أن يفك العلماء في السنوات القادمة خيوط هذا اللغز ويقدموا لنا إجابة أكثر وضوحاً. وحتى يحدث ذلك، لا تتوانَ عن القيام بكل ما يلزم للحفاظ على صحتك النفسية في أفضل حالاتها.