كيف يدير اللاعبون مشاعر الفوز والخسارة؟

الفوز والخسارة
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

“الرياضة مكسب وخسارة”، عبارة تصف تغير أحوال اللاعبين. فبمرور الوقت، مَن كان نجماً يمكن أن يصبح طيّ النسيان، ومَن كان مغموراً قد تفتح له الفرصة أبوابها على مصراعيها ليكون من المتألقين؛ لكن البُعد المؤثر في المعادلة هو كيفية تعامل اللاعبين مع تأرجحهم بين الفوز والخسارة: ماذا يفعلون عندما يخسرون حتى لا يجعلوا تلك الخسارة تعرقل مسيرتهم؟ وفي حال الفوز، كيف يحجمون سعادتهم حتى لا يصل بهم الأمر إلى حد الغرور الذي ربما يؤدي إلى تراجع مستواهم؟
ترى الطبيبة النفسية المتخصصة في علم النفس الرياضي، ميشيل كلير (Michelle Cleere) إن الفوز لا يعكس بالضرورة نجاح اللاعب، وكذلك فالخسارة لا تعني فشله؛ إنما المعيار الذي يمكن القياس على أساسه هو اجتهاد اللاعب في تقديم أفضل أداء. لذا تنصح اللاعبين بإخراج الفوز والخسارة من معادلتهم والتركيز على تطوير مهاراتهم واستغلالها؛ لكن بما أن النتيجة جزء لا يتجزأ من حسابات عالم الرياضة فمن المهم أن نشرح تأثيرها في اللاعبين وكيفية إدراتها بنجاح.

لماذا تُعد المسألة أكثر من مجرد رياضة؟

تتمثل إحدى الصعوبات التي تواجه اللاعبين وفقاً لاختصاصية العلاج النفسي كريستين فليغيناور (Kristin Felgenauer) في أنهم لا ينظرون إلى المنافسة التي يخوضونها بشكل فردي، فهي تلامس صحتهم النفسية نتيجة توقعاتهم العالية لأنفسهم وشعورهم بالضغط الكبير رغبةً في الفوز حتى لا يخذلوا أُسرهم ومدربيهم وزملاءَهم في الفريق؛ وذلك ما يجعل تأثير الفوز أو الخسارة يتعدى مشاعر الرضا والفرح أو خيبة الأمل والحزن المجردة، لينعكس بشكل واضح على الصحة النفسية للاعبين مؤدياً إلى ظهور اضطرابات نفسية أحياناً.

وبحسب ميشيل كلير؛ يؤكد الجانب السابق أهمية عمل اللاعب على الرفع من صلابته النفسية وتعلّم كيفية مواجهة الخسارة والتعامل مع الفوز بحكمة، فكلاهما يخلق نوعاً من الضغط على اللاعب.

فالفوز ليس بالصورة الوردية التي يبدو عليها إنما يسبب ضغوطاً تدفع اللاعب إلى مواصلة الفوز وتحقيق المزيد من النجاح، والخسارة رغم مأساويتها فإنها مهمة لتجعل اللاعب ينفتح على التعلم وتحسين الأداء ويشعر بالرضا عن نفسه في حال تأديته بشكل جيد.

فرحة الفوز ليست عابرة

يمكن للفوز أن يؤثر في نفسية اللاعب لسنوات. يدلل على ذلك لاعب كرة القدم الأميركي جيم كيلي (Jim Kelly)؛ إذ كان إسهامه في صعود فريقه ضمن إحدى البطولات أربع مرات متتالية سبباً في شعوره بالفخر الشديد.

يفسر أستاذ علم النفس إيان روبرتسون (Ian Robertson) فخر كيلي بأنه أثّر في حياة الكثير من مشجعي فريقه، فالفوز بمثابة تسلسل هرمي لشعور كل فرد أسهم في صناعته، مختلفٍ باختلاف موقعه في هذا الهرم. لكن الفوز بشكل عام يُحدث متعة حقيقية تنتج من إفراز هرمون التستوستيرون الذي يؤدي إلى زيادة الدوبامين ومن ثم نشاط نظام المكافأة في الدماغ وشعورنا بتحسن حالتنا المزاجية.

يشير اللاعب الأميركي إلى بُعد خفي أيضاً لكنه مؤثر للغاية؛ وهو أن المجتمع الرياضي تشيع فيه فكرة اعتبار الفائز بالمركز الأول الفائز الحقيقي، بينما الفائز بالمركز الثاني لا يحظى بالاهتمام نفسه بل يُعامل أحياناً معاملة الخاسر؛ ما يشكل المزيد من الضغط على الصحة النفسية للاعبين، فرغم تقديمهم أداءً جيداً لا يلقون التقدير الكافي.

من هنا نذهب إلى عنصر ضروري لتحجيم تأثير الفوز في نفسية اللاعب؛ ألا وهو إدارة التوقعات بشكل عملي وعدم النظر إلى الفوز باعتباره مضموناً، فأعظم اللاعبين لا يستطيعون التنبؤ بنتائج المباراة بنسبة 100%، والجانب المضمون هو تحسين الإمكانيات باستمرار وعدم السماح للخسارة أن تتعدى حدودها فتصل إلى حد الشك في القدرات.

ما الذي يعنيه ألم الخسارة؟

ربما شاهدنا بعض اللاعبين يبكي بعد خسارته لمباراة أو يتصرف بغضب. وهذا أمراً مألوف؛ لكن المثير للاهتمام أنه لا يقف عند حدود ما يظهر عقب المباراة بل ربما يمتد وفقاً لاختصاصية برامج التدريب الرياضي جينيفر ناليبا (Jennifer Nalepa) بعد الذهاب إلى المنزل بمحاصرة المشاعر السلبية نفسياً وتوتر العضلات وانخفاض الطاقة وصعوبة التنفس جسدياً.

وهذا ما يجعل الطبيبة النفسية ليزا ستيفن (Lisa Stephen) تؤكد أنه من الطبيعي أن يترك اللاعب نفسه بعض الوقت لمشاعره السلبية مثل القلق والغضب والحزن؛ لكن عليه أن يلتفت إلى ما يمكنه القيام به لتخطيها، مشيرةً إلى أن قدرة اللاعبين على فعل ذلك متفاوتة بطبيعة الحال، فمنهم من يستطيع التوازن نفسياً سريعاً وتخطي حالة الضيق، بينما يندفع البعض الآخر منهم وراء الأفكار السلبية ويتركها تستنزفه، والحل يتمثل في التأقلم مع الفشل مبدئياً ثم إعداد النفس للنجاح القادم.

كيف تتوازن المعادلة؟

بشكل عام؛ إذا لم تكن لدى اللاعب منهجية واضحة للتعامل مع الفوز أو الخسارة فمن السهل حينها أن يقع ضحية للضغوط النفسية الناتجة منها، وبحسب اختصاصية برامج التدريب الرياضي جينيفر ناليبا فعلى المدرب أن يزرع تلك المنهجية في لاعبيه.

وتشمل عدة أبعاد أهمها تشجيعهم على تنمية حياتهم الاجتماعية ليكون لديهم متنفس يتيح لهم التخلص من الضغوط بصورة صحية، إلى جانب التركيز على مناقشة أدائهم في المباريات والعمل على تطويره بآلية علمية، ولفت انتباههم إلى أن الأهم من النتيجة هو تحسين مهاراتهم وتقديم أداء أفضل، وكذلك تقدير جهودهم الفردية مهما كانت صغيرة.

يمكن اعتبار هذا المقال، رغم ارتباطه بعالم الرياضة، دليلاً شخصياً يساعدك على التعامل مع الفوز والخسارة في حياتك، فالخسارة ليست حكماً نهائياً على حياتنا بالفشل إلا إذا سمحنا لها بذلك، لذا استفد من الدروس التي تتعلمها منها وانهض لتمضي قدماً في حياتك.