الغيرة المرضية من منظور الصحة النفسية

مشاعر الغيرة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

يشير الباحث مارك أتريدج، في دراسته المنشورة بعدد شهر فبراير/شباط 2013 من مجلة “سايج” (SAGE) الخاص بالعاطفة والشخصية وعلم النفس الاجتماعي، إلى أن مشاعر الغيرة قد تُعطي إشارة أو دعوة لنا للانتباه إلى أن علاقاتنا الهامة والقيّمة قد تكون في خطرٍ محتملٍ.

وفي حين أن لا أحد منّا معصوم من الشعور بالغيرة؛ حيث أنها تصيب الكثير منا لأسباب مختلفة بعضها قد يكون منطقياً حسب وجهات نظرنا الشخصية وبعضها ليس كذلك، فقد يكون من المفيد أن نُسلِّط الضوء على جانب من الغيرة يتم تصنيفه على أنه مَرَضِي، بمعنى سيئ وسلبي من الناحية النفسية والعقلية.

لذا؛ دعونا نتعرف معاً أكثر على الغيرة المرضية واختلافها عن الحسد وكيفية التخلص منها!

الغيرة

بحسب “الجمعية الأميركية لعلم النفس” (APA)؛ تتطلب “الغيرة” (Jealousy) وجود مثلث من العلاقات الاجتماعية بين ثلاثة أفراد: الشخص الغيور، والطرف الآخر الذي تربطه به علاقة أو حتى الذي يرغب في علاقة معه، وذلك الشخص المنافس -المُحتمل.

وتُعرف “الغيرة” (Jealousy) بمشاعر العاطفة السلبية التي يستاء فيها الفرد من طرفٍ ثالث يمثل تهديداً لعلاقة معينة؛ حيث يبدو من وجهة نظر الفرد نفسه أن ذلك الطرف الثالث إما يسلب أو من المحتَمَل أن يسلب مشاعر الشخص الآخر.

وعلى سبيل المثال؛ تمثّل العلاقات الرومانسية المصدر النموذجي لنا في توضيح مشاعر الغيرة بين الأشخاص. كذلك يمكن لأي علاقة مهمة في حياتنا؛ كتلك التي تتكون مع الوالِدين والأصدقاء وبين الإخوة، أن تتخللها مشاعر الغيرة.

اقرأ أيضا:

ظهور الغيرة

وبحسب منصة “سايكولوجي توداي” (Psychology Today)، فعلى الرغم من أن الغيرة تجربة عاطفية مؤلمة لبعض الأشخاص؛ فإن علماء “النفس التطوري” (Evolutionary Psychologists) لا يعتبرونها عاطفة يجب قمعها؛ بل شعوراً إنسانياً محضاً يجب مراعاته، خصوصاً في العلاقات التي تغمرها مشاعر القرب.

بالتالي يُنظر إلى الغيرة على أنها عاطفة ضرورية؛ حيث تحافظ على الروابط الاجتماعية، وتحفّز الأشخاص على تبنّي السلوكيات التي من شأنها الحفاظ على تلك العلاقات المهمة بالنسبة لهم.

وتؤكد على ذلك دراسة مارك أتريدج المنشورة عام 2013، فقد وجد العلماء أن مشاعر الغيرة لا تظهر بشكل واضح يمكن تتبعه في حال كان الشخص يتفاعل مع علاقة غير مهمة في حياته. بالمقابل، فقد كانت العلاقات الوثيقة التي تشمل صوراً من التقارب العاطفي أكثر عُرضة لظهور مشاعر الغيرة.

الحسد والغيرة

يخبرنا الكاتب “ثيودور إم بيرنشتاين“؛ مساعد سابق لمدير التحرير في صحيفة “ذا نيويورك تايمز” (TMS)، في كتابه “الكاتب الحَذِر” (The Careful Writer) المنشور في 1965، أن الغيرة تعني الشك غير السار أو الخوف من المنافسة.

أما “الحسد” (Envy)، على حد تعبير بيرنشتاين في كتابه، فهو يعني التوق المليء بمشاعر السخط والتكدّر وعدم الرضا والامتعاض لمزايا شخص آخر.

على الرغم من أن الغيرة والحسد قد يمثلان مشاعر متشابهة؛ فإنهما ليسا متشابهين. فكما ذكرنا؛ تتضمن الغيرة دائماً طرفاً ثالثاً يُنظر إليه على أنه منافس من حيث -على سبيل المثال- مشاعر العاطفة أو الاهتمام كتلك التي تحدث بين الأزواج أو الأصدقاء.

أما الحسد فهو يبقى بين شخصين فقط، وأفضل ما يلخصه لنا هو فكرة “أريد ما لديك من مزايا”. وفي الحقيقة؛ يتجاوز الحسد الغيرة في تمني زوال ما لدى الشخص الآخر – كالثروة أو المكانة أو المظهر.

الغيرة المرضية

في نفس الدراسة السابقة المنشورة في عدد مجلة سايج، حَلَّل أتريدج بعض الدراسات العلمية الأخرى المتعلقة بما أُطلق عليه مُسمى “الغيرة السيئة” (Bad Jealousy). فعلى سبيل المثال؛ عندما طُلب من بعض الأفراد تحديد سمات هذه الغيرة، تمحورت إجاباتهم حول الأذى والتهديد والأفكار السيئة عن رجل أو امرأة أخرى.

وفي السياق ذاته؛ أظهرت دراسة أتريدج أنه في الأبحاث العلمية الأخرى، ارتبطت تلك الغيرة بمجموعة متنوعة من العوامل التي عرَّفتها على أنها عادةً سلبية أو سيئة.

ومن نفس الدراسة؛ ارتبطت الغيرة السيئة بتدني احترام الذات، وانخفاض الثقة بالنفس، والانخفاض العام في الثقة بالآخرين، والانخفاض في التعاطف مع الآخرين، ومشاعر الوحدة، والحاجة إلى الشعور بالقبول بين الآخرين، بالإضافة إلى العصبية، والاكتئاب، و”العداء المعمم” (Generalized Hostility).

الغيرة المرضية في العلاقات الرومانسية

وربطت الأدلة التي قدّمها أتريدج أيضاً الغيرة بالاختلافات في “أسلوب التعلق الرومانسي” (Romantic Attachment Style) للبالغين؛ حيث وُجَدَ أن الأفراد غير الواثقين بأنفسهم أكثر عرضة لتجربة الغيرة من أولئك الذين لديهم ارتباط آمن بشركائهم.

كما ارتبطت الغيرة المرضية بالعديد من الجوانب التي تُضعِف العلاقات العاطفية الرومانسية. فعلى سبيل المثال؛ ارتبطت تلك الغيرة بالاعتماد العاطفي على الشريك.

وقد عَثرَ مارك أيضاً على أن تلك العلاقات التي تسودها مشاعر الغيرة المرضية قد كانت تتميز بالالتزام المنخفض بكل أطيافه، حتى الجنسي. وبالتالي؛ وجد الباحثون أن الغيرة المرضية ترتبط بمزيد من عدم الرضا عن العلاقة بشكل عام، والجانب الجنسي بشكل خاص.

كيف نتخلص من الغيرة المرضية؟

تخبرنا جانيت بريتو؛ الحاصلة على شهادة الدكتوراة في علم عمق النفس (Depth Psychology​​) ومختصة في علم النفس السريري ومديرة مركز هاواي للصحة الجنسية والعلاقات، في مقالتها لمنصة “هيلث لاين” أن بإمكان الإنسان التخلص من الغيرة المرضية من خلال الخطوات التالية:

  • تتبع مصدر مشاعر الغيرة المرضية: فقد يساعدنا التفكير في مشاعرنا وتتبع مصدرها في تحديد أصل هذه المشكلة.
  • التعبير عن المخاوف: فقد نستطيع من خلال التحدّث بعقلانية مع شريك حياتنا التصدي لظهور مشاعر الغيرة بشكل عام. وجديرٌ بالذكر أن علينا اختيار الوقت والمكان المناسبَين لهذه المحادثة المفصلية.
  • التحدّث مع صديق موثوق: فقد يساعدنا الأصدقاء الصادقون في إعادة النظر بموضوعية في الأفكار التي تحفّزها مشاعر الغيرة السيئة.
  • النظر للصورة الكاملة: فقد تكون الصورة التي ننظر لها مشوهة ومجتزأة.
  • التعوّد على ممارسة الامتنان: فقد تكون النظرة المحمَّلة بعواطف الامتنان لما لدينا كافية لإدراكه ومساعدة على تخفيف مشاعر القلق والغيرة.
  • التفكير في القيمة الحقيقية لنا: فقد تجعلنا الغيرة أقل تقديراً لأنفسنا واحتراماً لذواتنا؛ ما يشوِّش تفكيرنا وقدرتنا على إدراك قيمتنا الحقيقية.
  • ممارسة اليقظة الذهنية: فقد نتعلم خلالها قبول مشاعر الغيرة الطبيعية كجزء من الحياة والعلاقات الرومنسية حتى لا تتحول إلى غيرة مرضية.
  • التحدث مع مختص نفسي: فقد نحتاج إلى زيارة اختصاصي يمكنه مساعدتنا على تجاوز تلك المرحلة الصعبة.

في الختام؛ يجب ألا ننسى أن هناك خيطاً رفيعاً بين الغيرة الطبيعية التي تجعلنا أكثر مشاركة ووعياً بعلاقاتنا العاطفية المختلفة، وتلك الغيرة المرضية التي تهشّمنا من الداخل وتعزلنا عن محيطنا.