كيف تساعد ممارسة الأنشطة الفنية في تحسين سلوك المراهقين؟

مرحلة المراهقة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

لطالما وُصفت المراهقة بأنها مرحلة مليئة بالمخاطرة المتزايدة؛ حيث يصعب على الفرد خلالها إدراك وتقييم المخاطر بشكل صحيح؛ الأمر الذي قد ينتج عنه العديد من القرارات غير الصائبة والأفعال الطائشة. يحدث ذلك بسبب التغيرات المهمة في العوامل النفسية والاجتماعية التي تحدث خلال تلك المرحلة؛ والتي تؤثر بدورها على التنظيم الذاتي للمراهق.

كذلك، يشير الباحث لورنس ستينبرغ (Laurence Steinberg) من جامعة تمبل الأميركية، في مقاله عن سلوكيات المخاطرة خلال تلك المرحلة، أن المراهقين بطبيعتهم أكثر عُرضة للمخاطرة من البالغين؛ ما يستدعي مزيداً من التركيز من قبل الباحثين لتقليل الضرر المرتبط بسلوك المجازفة، لا تغييره.

بناءً على وجود سلوك المجازفة؛ يصبح سوء السلوك المدرسي، وتعاطي المخدرات، والسلوكيات المعادية للمجتمع وخاصة السلوكيات ذات الطابع الإجرامي، أكثر شيوعاً خلال تلك المرحلة. الأمر الذي لا يتوقف عند تلك النقطة؛ بل يمكن أن يستمر خلال مرحلة البلوغ إذا لم يتم تقويمه.

انطلاقاً من تلك النقطة؛ سعت دراسة حديثة من "كلية لندن" الجامعية إلى تحديد مدى تأثير الفنون والمشاركة الثقافية على سلوك المراهقين.

تغيرات مرحلة المراهقة

المراهقة هي فترة الانتقال بين الطفولة والبلوغ، يمر الأفراد من خلالها بالعديد من التغيرات الجسدية والفكرية والنفسية.

يتطور المراهقون أيضاً خلال تلك المرحلة اجتماعياً وعاطفياً، ويحاولون الاستقلال والبحث عن هوية خاصة بهم؛ تلك الرحلة التي تبدأ في المراهقة وقد تستمر مدى الحياة.

لما كانت تلك التغيرات شديدة الأهمية لتحديد سلوك الفرد خلال تلك الفترة وما يليها، فالبحث في كيفية تقويم ذلك السلوك الذي قد يؤدي إلى عواقب سلبية للفرد والمجتمع هو أمر حيوي.

المشاركة في الأنشطة الثقافية تساعد في تقليل العنف

أظهرت الدراسة الحديثة التي أجراها باحثون من كلية لندن الجامعية (UCL) وجامعة فلوريدا، أن المشاركة في الفنون والأنشطة الثقافية؛ مثل التمثيل، والرقص، والقراءة، وكذلك حضور الحفلات الموسيقية، يقلل من خطر انخراط المراهقين في الأنشطة المعادية للمجتمع؛ مثل الشجار وعدم اتباع القواعد، أو السلوكيات الإجرامية؛ كالسرقة، بالإضافة إلى نتائج أفضل لضبط النفس.

نظر الباحثون في بيانات أكثر من 25,000 مراهقاً في الولايات المتحدة، بمتوسط أعمار 14-15 عاماً، قاموا بملء استبيانات على مدى عدة سنوات؛ حيث قاس الباحثون المشاركة الكلية للمراهقين في الأنشطة الفنية بناءً على مجموعة واسعة من العوامل؛ المشاركة في النوادي المدرسية، والأوركسترا، وفصول الفنون خارج المدرسة، وزيارة المتاحف، بالإضافة إلى حضور الحفلات الموسيقية والقراءة.

وجد الباحثون أنه كلما زاد عدد الأنشطة التي شارك فيها المراهقون؛ قل احتمال الإبلاغ عن مشاركتهم في سلوك غير اجتماعي، بدءاً من سوء السلوك في المدرسة، أو الدخول في شجار، أو السلوك الإجرامي مثل السرقة. وكان ذلك التحسُّن في السلوك الاجتماعي خلال وقت الاستبيان، وامتد لعام أو عامين بعد ذلك.

أفاد الفريق البحثي أيضاً أن المراهقين الذين كانوا أكثر انخراطاً في الفنون، من المرجَّح أن يتمتعوا بقدرة أكبر في ضبط النفس، وأن ينظروا إلى السلوك المعادي للمجتمع على أنه أمر سلبي.

الانخراط في الأنشطة الثقافية والصحة العقلية

تقول الدكتورة ديزي فانكورت (Daisy Fancourt)؛ كبيرة المؤلفين بالدراسة من معهد (UCL): "أظهرت الأبحاث السابقة أن الانخراط في الفنون يمكن أن يكون له تأثير كبير على الصحة العقلية للمراهقين. تضيف دراستنا إلى الأدلة حول الفوائد الواسعة النطاق التي يمكن أن توفرها الفنون والثقافة للشباب؛ ما يدل على وجود صلة إيجابية بين الفنون وانتشار أقل للسلوك المعادي للمجتمع".

تضيف فانكورت أن تلك النتائج الإيجابية كانت واضحة حتى مع اختلاف العمر، والجنس، والعرق، والخلفية الاجتماعية والاقتصادية، وكذلك الخلفية التعليمية للوالدين، والمكان الذي يعيش فيه المراهقون، وأنماطهم السابقة من السلوكيات المعادية للمجتمع.

البحث عن طرق لتقليل السلوك المعادي للمجتمع

يؤكد المؤلف الرئيسي للدراسة؛ الدكتور جيس بون (Jess Bone) من معهد (UCL)، على ضرورة إيجاد طرق لتقليل السلوك المعادي للمجتمع بين المراهقين، جنباً إلى جنب مع منع أسبابه الأساسية، ذلك لأن هذه السلوكيات قد تتأسس وتستمر حتى مرحلة البلوغ؛ ما يؤثر على حياة الفرد بأكملها.

ويشير إلى أهمية إتاحة الأنشطة الفنية والثقافية لجميع الشباب، خاصةً في أعقاب جائحة "كوفيد-19" التي نتج عنها تحجيم الوصول إلى هذه الموارد وتمويلها.

وختاماً؛ إن المشاركة الفنية والثقافية هي استراتيجية محتَمَلة لتقليل أو منع السلوكيات المعادية للمجتمع أو السلوكيات الإجرامية في مرحلة المراهقة، كما أنها تساعد في ضبط النفس وتوفير المزيد من الفرص للمراهقين لتحقيق نتائج تنموية إيجابية.