كيف يتجاوز الآباء رحيل أبنائهم عن المنزل؟

متلازمة العش الفارغ
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

عندما يغادر الأبناء منزل العائلة، قد يشعر الآباء الذي كرسوا سنيناً طويلةً من حياتهم لرعاية أبنائهم بالحزن والوحدة والفقد وحتى الاكتئاب أحياناً، وتسمى جملة المشاعر هذه بـ “متلازمة العش الفارغ”. وعلى الرغم من ذلك فإن ثمة حياة جديدة وغنية جداً تنتظر الآباء بعد تجاوزهم هذه المرحلة من الشعور بالفراغ وعدم الاتزان.
تقول ميساء ذات الـ 42 عاماً التي سافر ابنها إلى الخارج للدراسة: “عندما غادر ابني المنزل شعرت بأنني لم أعد أطيق الحياة، وكنت تائهة وكان ثمة ألم شديد يعتصر قلبي”. تعكس كلمات ميساء هذه ألم الآباء الذين يعانون من متلازمة العش الفارغ.

وتوضح مختصة علم النفس بياتريس كوبر روير قائلةً: “تجتاح الآباء الذين يغادر أبناؤهم المنزل مشاعر الحزن والفقد والضياع”. تقول كوثر، وهي أم لثلاث بنات يبلغن من العمر 21 و27 و29 عاماً، قائلةً: “لقد ترك رحيل بناتي فراغاً كبيراً في نفسي وشعوراً بالنقص”. وتتابع: “شعرت بأنه لم يعد هنالك أي معنى للحياة العائلية، وبأنني فقدت دوري كأم”. تقول المعالجة النفسية: “تؤدي مغادرة الأبناء إلى اختفاء معالم الحياة اليومية المعتادة لدى الآباء؛ مثل انتظار عودتهم من المدارس، وملء الثلاجة بالأطعمة من أجلهم، والضوضاء التي اعتادوا سماعها من غرفهم بما في ذلك أصوات موسيقاهم المفضلة وتجولهم في أنحاء المنزل، لقد تغيرت الأجواء بالكامل بالنسبة إليهم”. وتتحدث سميرة ذات الـ 52 عاماً وهي ممرضة، عن مدى صعوبة هذا التغيير بالنسبة إليها فتقول: “لعدة أشهر كنت أشعر بالقلق من فكرة أن ابني الوحيدسيغادر المنزل وكنت أتجنب دائماً الحديث عن خوفي هذا لأن دموعي كانت تنهمر وحدها، لقد عانينا أنا وزوجي كثيراً بسبب رحيل ابننا عن المنزل وشعرنا بأن حياتنا لن تعود أبداً إلى ما كانت عليه في السابق”.

على الرغم من أن رحيل الأبناء عن المنزل يؤثر بشدة في الآباء فإن ثمة ظروفاً معينة تؤدي إلى تفاقم مشاعر الحزن لديهم. وتقول المعالجة النفسية بياتريس كوبر روير: “عندما يعاني الوالدان من حزن شديد بسبب مغادرة الأبناء، أو الاكتئاب في بعض الأحيان، فإن ذلك يرتبط بظروفهما الشخصية والعائلية”. وفي هذه الحالة قد يكون من المفيد استشارة معالج نفسي لمساعدتهما على فهم هذه المشاعر.

مغادرة الأبناء فرصة ليلتفت الآباء إلى حياتهم

توضح عبير ذات الـ 53 عاماً وهي أم لابنتين ربتهما بمفردها، أنها هيأت نفسها سلفاً لرحيل ابنتيها عن المنزل. تقول عبير: “في كل مرة كانت ابنتاي تغادران فيها المنزل كنت أشعر بأن جزءاً مني يغادر معهما، وشعرت بهلع كبير عندما أدركت في إحدى المرات أنني سأعيش من دونهما يوماً ما؛ لكنني لم أرد أن أظهر شعوري بالضيق أو أنقله لهما، لذا بدأت بتهيئة نفسي لرحيلهما عن المنزل”. وبعد رحيل ابنتيها عن المنزل، اشترت عبير منزلاً في مدينة أخرى وتبنت كلباً صغيراً.

ترى المعالجة النفسية أن سلوك عبير هو سلوك إيجابي وتقول: “إن رحيل الأبناء عن المنزل يتيح للآباء تخصيص الوقت لأنفسهم لممارسة الأنشطة التي لم يكونوا قادرين على ممارستها لأن حياتهم كانت مرتبطةً بحياة أبنائهم. سيكون الآباء قادرين على الاستفادة من هذا الوقت المتاح لتجربة أنشطة ومشاريع جديدة ورؤية أصدقائهم القدامى أيضاً. بعد أن مرت بمراحل من الحزن الشديد والوحدة وبعض الاكتئاب أيضاً، تقبلت كوثر أخيراً رحيل بناتها الثلاث وتمكنت من اكتشاف شخصيتها مجدداً واستعادت حياتها الاجتماعية.

أما ميساء فقد تجاوزت رحيل ابنها عن المنزل بدعم أصدقائها المتفهمين، كما أنها لجأت إلى معالج نفسي ما ساعدها على التحسن والتأقلم مع الأمر بطريقة أفضل. تقول باتريس كوبر روير: “إن التحدث عن الأمر ومشاركة ما تمر به ومشاعر الحزن التي تعتريك مع الآخرين سيساعدك كثيراً”. وتتابع: “كما أن الكثير من أصدقائك بالتأكيد يمرون بالموقف ذاته فمتلازمة العش الفارغ هي جملة مشاعر شائعة بين الكثير من الآباء، ولن تؤدي العزلة إلا إلى زيادة الحزن الذي تشعر به”.

الجانب الإيجابي لمغادرة الأبناء

ثمة جوانب إيجابية لمغادرة الأبناء، لا سيما وأن الحياة مع المراهقين والشباب ليست سهلةً دائماً. تقول مختصة العلاج النفسي: “من الطبيعي أن يضفي الآباء الطابع المثالي على حياتهم مع أبنائهم عندما يغادرون المنزل؛ ولكن يجب أن يتذكر الآباء من جهة أخرى الالتزامات والمسؤوليات التي كانت ملقاة على عاتقهم، فرحيل الأبناء ليس خسارةً فقط بل مكسب أيضاً”.

وتتابع: “يجب ألا يختزل الوالدان نفسيهما في دور الأب والأم فقط فهما في النهاية رجل وامرأة أيضاً ولديهما عملهما وأحلامهما وأصدقاؤهما وحياتهما الخاصة، وفي الحقيقة يجب أن يتذكر الوالدان ذلك عند ولادة أطفالهما، وليس عند رحليهم عن المنزل”. وتوضح بياتريس كوبر روير أنه من المهم أن يتعلم الوالدان “الانفصال بانتظام” عن أطفالهما، فيرسلاهم في زيارات إلى منزل الأجداد، أو يعهدا برعايتهم إلى جليسة أطفال في بعض الأمسيات ليخرجا لتناول العشاء معاً، أو يسجلاهم لبضعة أيام في أحد المراكز الترفيهية على سبيل المثال. من خلال هذه التجارب الصغيرة؛ يتعلم الآباء الاستمتاع بلحظات خاصة من دون أطفالهم وبهذه الطريقة سيكون رحيلهم عن المنزل عندما يكبرون أكثر سلاسةً.

مغادرة الأبناء تغير شكل علاقتهم بآبائهم

إن رغبة الأبناء في الرحيل عن المنزل تعني أن الوالدين قاما بواجباتهما تجاههم. تقول المعالجة النفسية: “ترجع رغبة الأبناء في مغادرة المنزل دون خوف إلى شعورهم بما يكفي من الأمان الداخلي الذي غرسه الوالدان في نفوسهم”. ومع هذه المرحلة الجديدة، تأخذ علاقة الآباء بأبنائهم شكلاً جديداً أيضاً.

توضح سميرة التي كانت تعتقد أن حياتها لن تعود إلى طبيعتها أبداً بسبب رحيل ابنها عن المنزل، أنها شعرت بالاطمئنان أخيراً وتقول: “لقد نضج ماجد واكتسب الثقة وتغيرت شخصيته بطريقة مذهلة، إنه يبلي بلاءً حسناً في حياته الجامعية، وأنا ووالده سعيدان برؤية مدى تقدمه، ومن جهة أخرى فإن هذا التغيير جعلني وزوجي أقرب إلى بعضنا بعضاً”. أما كوثر فتقول: “ما زالت علاقتي ببناتي الثلاث متماسكة جداً وذلك على الرغم من المسافات التي تفصل بيننا؛ إنها رابطة قوية لا يكسرها شيء”. وترى عبير أيضاً أن علاقتها ببناتها قد تعززت بعد رحيلهن، وتقول: “لم يختلف جوهر علاقتنا عما سبق وأنا استمتع الآن بحياتي وأشعر بأنني مطمئنة عليهن”.