كيف وُلدت عبقرية إيلون ماسك من رحم معاناته؟

متلازمة أسبرجر
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

بينما قد ينبهر البعض بنجاح رواد الأعمال الساحق وتوسُّعهم عبر مجالات أعمال مختلفة غير ذات صلة؛ ما يجعلهم يشعرون أن هؤلاء الأفراد “من عالم آخر” ويمتلكون سمات خرافية ينفردون بها، يضفي التعرّف على بعض جوانب حياتهم الشخصية بُعداً آخر حميمياً؛ حيث يشعر الجمهور العام بقرب هذا الشخص منهم، وأنه يشبههم في بعض الأمور.

إلى جانب إظهار بعض جوانب حياتهم الشخصية؛ تكرَّر خروج العديد من المشاهير عن صمتهم حيال حالتهم الصحية، خاصة الصحة النفسية والعقلية، لما لها من طابع تقليدي بالوصم والشعور بالخزي والعار؛ ما يعني أن الإفصاح عنها أمر شديد الحساسية.

لذلك حين أفصح أغنى رجل في العالم والرئيس التنفيذي لشركة “تيسلا” (Tesla) “إيلون ماسك” (Elon Musk)، في أثناء ظهوره في البرنامج الكوميدي الشهير “ساترداي نايت لايف” (Saturday Night Live) عن إصابته بـ “متلازمة أسبرجر”، وأن هذه المتلازمة قد تكون سبباً في عبقريته ونظرته المختلفة للأمور من حوله، استطاع بذلك أن يكسر حاجزاً بينه وبين الجمهور؛ حيث أشاد الكثيرون بشفافيته وقدرته على التحدُّث عن حالة غالباً ما تكون وصمة عار.

ما هي متلازمة أسبرجر؟

لم يعد استخدام مصطلح متلازمة أسبرجر متداوَلاً على نطاق واسع، كما أنها لا تُعتبر حالياً اضطراباً منفصلاً؛ ولكنها أصبحت جزءاً من اضطراب طيف التوحد.

يقول ماثيو سيغل؛ الأستاذ المساعد في الطب النفسي وطب الأطفال في كلية الطب بجامعة تافتس الأميركية والمتخصص في علاج اضطرابات طيف التوحد، أن أسبرجر والعديد من الاضطرابات المماثلة الأخرى التي تم تشخيصها سابقاً بشكل منفصل يطلق عليها الآن “اضطراب طيف التوحد” (ASD).

ويضيف: “نحن نصنِّف شدة الأعراض بدلاً عن محاولة تحليل ذلك إلى تشخيصات مختلفة. الآن يشخِّص الأطباء اضطراب طيف التوحد على أنه المستوى 1 أو 2 أو 3، ويتم تحديد العلاج بناءً على مدى خطورة الحالة”.

وفقاً للجمعية الأميركية للطب النفسي (APA)، فإنه على عكس العديد من الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد؛ لا يعاني المصابون بمتلازمة أسبرجر من تأخُّرات لغوية مبكرة، وغالباً ما يكون لديهم مهارات لغوية متطورة ومعدّل ذكاء عادي إلى فوق المتوسط. ومع ذلك، فقد يستخدمون أنماط كلام غير معتادة ويواجهون صعوبة في فهم الدعابة أو السخرية أو الإيماءات والإشارات الاجتماعية المُستخدَمَة في المحادثات العادية.

تؤثر متلازمة أسبرجر على تنمية المهارات الاجتماعية ومهارات الاتصال؛ حيث يمكن أن تكون أنماط سلوك الأفراد المصابين بها وطريقة تفكيرهم جامدة ومتكررة، وهي تصيب الأولاد أكثر من البنات بثلاث إلى أربع مرات.

وعموماً؛ يمكن للأطفال والمراهقين المصابين بهذه المتلازمة التحدُّث مع الآخرين، ويمكن أن يكون أداؤهم جيداً إلى حد ما في عملهم المدرسي.

ما هي أعراض متلازمة أسبرجر؟

وفقاً لموقع مستشفى “نيشن وايد تشيلدرينز” (Nationwide Children’s’ Hospital)؛ يتطور لدى العديد من الأطفال المصابين بمتلازمة أسبرجر هوس بموضوع أو شيء واحد، وقد يستخدمون مفردات عالية المستوى أو معقَّدة في المحادثة.

كما أنهم قد يعانون من تأخُّر في المهارات الحركية؛ وبالتالي يمكن أن يظهروا غير منسَّقين في حركتهم مقارنة بأقرانهم.

وتشمل السمات الأخرى لمتلازمة أسبرجر صعوبة التفاعل مع الأقران، السلوك الاجتماعي أو العاطفي غير المناسب والانخراط في أعمال روتينية متكررة.

كذلك؛ يتعرَّض كل من الأطفال والبالغين المصابين بتلك المتلازمة لخطر متزايد للإصابة بالاكتئاب، اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD) واضطرابات المزاج، بالإضافة إلى القلق.

ولا يزال سبب الإصابة بها، مثل معظم اضطرابات طيف التوحد، غير مفهوم تماماً؛ لكن هناك أساساً وراثياً قوياً، بالإضافة إلى العوامل البيئية التي قد تشارك في تطور المتلازمة.

كيف يتم علاج متلازمة أسبرجر؟

يعتمد علاج متلازمة أسبرجر على عمر واحتياجات كل شخص، ويأتي بنجاح أفضل كلما كان تشخيص الحالة مبكِّراً؛ حيث يمكن للعديد من الأشخاص المصابين بمتلازمة أسبرجر تعلُّم استراتيجيات للتحكم في أعراضهم.

يتمثَّل العلاج المثالي لتلك المتلازمة في علاج الأعراض الأساسية الثلاثة للاضطراب؛ وهي:

  • مهارات الاتصال الضعيفة.
  • الهوس والروتين.
  • الحركة غير المنسَّقة.

كما يعتمد برنامج العلاج الفعَّال على اهتمامات الطفل، ويشرك انتباهه في أنشطة منظَّمة للغاية، ويوفِّر تعزيزاً منتظماً للسلوكيات الاجتماعية.

تقاطع التوحد والابتكار

على الرغم من مواجهة المصابين باضطرابات طيف التوحد من صعوبات في التفاعلات الاجتماعية؛ إلا أن هناك الكثير من الأشخاص الناجحين؛ بل والأكثر نجاحاً، في مجال التكنولوجيا الذين يعيشون ويعملون مع هذا الاضطراب ويستفيدون منه.

يقول المستثمر التكنولوجي “بيتر ثيل” (Peter Thiel) في مقابلة عام 2015 مع الخبير الاقتصادي “تايلر كوين” (Tyler Cowen): “في وادي السيليكون، أشرت إلى أن العديد من رواد الأعمال الأكثر نجاحاً يبدو أنهم يعانون من شكل معتدل من متلازمة أسبرجر”. وأضاف: “إنها ميزة إضافية للابتكار وإنشاء شركات عظيمة”.

لذلك عندما قال ماسك في برنامج SNL: “انظروا. أعلم أنني أحياناً أقول أو أنشر أشياءً غريبةً؛ ولكن هذه هي الطريقة التي يعمل بها عقلي. إلى أي شخص تعرض للإهانة، أريد فقط أن أقول أنني قد أعدت اختراع سيارات كهربائية، وأرسل أشخاصاً إلى المريخ على متن سفينة صاروخية. ظننتم أنني سأكون شخصاً هادئاً ومتواضعاً؟”، لم يكن نوعاً من السخرية من نفسه أو من الآخرين؛ إن قوله إشارة لكيفية تولُّد الإبداع والعبقرية من رحم المعاناة.