ما هو العنف “العادي” بين الزوجين؟

العنف العادي
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

من إلقاء اللوم المتكرر إلى أوجه الإزعاج الأخرى، يمكن أن تنطوي الحياة المشتركة على عنف غير مرئي يمكن تسميته بـ “العنف العادي”. نوضح لكم فيما يلي أهمية عدم تجاوز الخطوط الحمراء في العلاقة الزوجية.

  • “هي تلومني طوال الوقت”
  • “لا أعرف”
  • “هو يحط من قيمتي”
  • “هي تصرخ في وجهي”
  • نماذج الارتباط الثلاثة

يقول المختص في علاج العلاقات الزوجية ومختص العلاج بتقنية الغشطالت، جان بول سوزيد: “العنف موجود في جميع العلاقات الزوجية”، ولا نتحدث هنا عن ممارسات العنف المنزلي مثل الضرب أو العنف الجنسي أو التعدي الأخلاقي التي تقع ضحية لها 200,000 امرأة في فرنسا كل عام؛ إنما نتحدث عن العنف اليومي الضئيل الذي نخضع له أحياناً دون أن ندرك ذلك، فهي سلوكيات بالكاد يمكن ملاحظتها، وتصبح لا تطاق في نهاية الأمر بعد تكرارها مرات عديدة. وكمثال على ذلك؛ عندما أقوم بدفع شريكي الذي ينظف أسنانه لأستخدم المغسلة، أو عندما أبدأ بتناول طعامي قبل أن يجلس إلى المائدة.

ويؤكد جان بول سوزيد أن هذه السلوكيات على الرغم من أنها مزعجة، فإنها لن تكون خطيرة إذا أشرنا إليها عند حدوثها، وأوضحنا للشريك الأذى الذي تسببه لنا؛ لكن الشرك الذي قد ينصبه لنا في هذه الحالة هو محاولة أن تكون له الكلمة العليا والفوز بالنقاش. ويجب البحث هنا عما قد تشير إليه هذه المعطيات بشأن العلاقة التي نعيشها؛ مثل المعاناة أو انعدام الأمن أو الافتقار إلى الحميمية أو الالتزام”، وذلك لأن أي علاقة سليمة تُبنى على توزيع القوة بين الطرفين.

يقول جان بول سوزيد في كتابه الذي شاركته في تأليفه المعالجة آن سوزيد لاغارد؛ “بين الحضن والعواصف، نحو زواج دائم”: “تعتمد حيوية العلاقة الزوجية على قبول هذا الواقع الذي سيُعزز تبادلاً دائماً للقوة بين الزوجين، وتوازناً في العلاقة. ويعد هذا الاختلال صحياً إذا كانت هذه القوة تنتقل بين الطرفين، أو إذا كانت موزعة بطريقة تكاملية بينهما”. لكن الكاتبين يوضحان أيضاً أن “هذه المشكلات الهرمية ضمن العلاقة هي أيضاً المصدر الرئيسي للنزاعات الزوجية”. إذاً كيف تميز المعارك الصغيرة الضئيلة عن الممارسات التي تؤلم بالفعل؟ يجيب جان بول سوزيد: “عندما يكون أحد الطرفين هو نفسه من يتولى السلطة على الآخر دائماً”.

ترى إيفان وير؛ باحثة علم النفس ومؤلفة كتاب “العنف العادي الصغير”، أنه: “لا يوجد عنف غير ضار، فكل عنف جسدي بدأ بالعنف النفسي”. وعلى الرغم من أنه ليس بالضرورة أن تتحول هذه السلوكيات إلى عنف جسدي، فإن اعتبارها سلوكيات عادية من قِبل من يمارسها هو بحد ذاته وجه من أوجه العنف. ولتحديد ما إذا كان الشريك يمارس هذا العنف النفسي طوعاً؛ “انظر إلى ما يقوله عندما يعبر الطرف الآخر عن انزعاجه من ممارساته، فإذا أكد عليها أو أنكرها؛ هذا يعني أنه يمارس عنفه عن عمد”، بينما يختلف الحال فيما لو أبدى أسفه حول ذلك.

وتحذر إيفان وير من مغبة الاستسلام التام إلى تسمية الآخر بالمنحرف النرجسي بسبب تصرفاته، فهذا يعني أننا نتجنب نصيبنا من المسؤولية في قبول هذا العنف الذي يقع علينا. لأنه سواء كنا ضحيةً للعنف أو ممارسين له، فنحن نكرر أنماط العلاقات التي مررنا بها في طفولتنا، فإذا اعتاد آباؤنا أن يقللوا من قيمتنا؛ يترسخ في أذهاننا أنه من الطبيعي أن يتحدث الناس إلينا بهذه الطريقة، ثم نكرر هذا النمط في علاقتنا دون أن ندرك أنه نوع من أنواع العنف”.

وتضيف أنه إذا تمكن الطرفان من إدراك أن المرء محاصر في ماضيه، فهذا يعني أنهما قطعا شوطاً كبيراً في علاقتهما. فيما يلي بعض سلوكيات العنف العادي أو غير المرئي التي تخل بالعلاقة، ويؤدي وضع حدٍ لها إلى عودة الألفة والوئام مجدداً بين الزوجين.

“هي تلومني طوال الوقت”

قد يرى الشريك الذي يمارس العنف النفسي أن لا شيء يسير على ما يرام، وأن ذلك يعود إلى نقص أداء الآخر، وهو لا يخجل من الإشارة إلى ذلك حتى لو كان سيشعره بالذنب. وكمثال على ذلك؛ الزوجة التي تقول لزوجها: “إذا توقفت عن مناقضتي، فلن يكون الأطفال وقحين جداً”، أو “إذا ساعدتني أكثر في المنزل؛ سأتمكن من التقدم في وظيفتي”.

يقول جان بول سوزيد: “نحن هنا في صراع هرمي خالص، فعندما يقول أحد الطرفين أنه وحده يعرف ما هو جيد بالنسبة لهما، فهو لا يتجنب رؤية أخطائه فحسب؛ بل يتحكم في العلاقة أيضاً”. وليعود التوازن إلى العلاقة في هذه الحالة؛ يحب أن ينظر الزوجان إلى قيمهما، وإلى ما يتقن كل منهما القيام به؛ من خلال قبول انتقال السلطة من أحدهما إلى الآخر.

“لا أعرف”

تقول جوى؛ 36 عاماً، عن زوجها: “تركته يقوم بكل الأعمال المنزلية دائماً دون أن أشكره، فأنا بصراحة لا ألاحظ متى يقوم بالتنظيف أو التسوق”، ويعبر هذا السلوك عن إنكار وجود الآخر. وبنفس اللامبالاة؛ لم يسأل جورج؛ 65 عاماً، هبة في أي مرة عما إذا كان يومها جيداً.

يقول جان بول سوزيد:”تعبر هذه السلوكيات عن نظرة الآخر إلى وجودي في حياته، هل تنبع أهميتي لديه مما أنا عليه أم مما أقوم به؟ هل أنا مجرد حلية أو أداة أو دفتر شيكات بالنسبة له؟ للتغلب على هذه المشكلة؛ يمكن للشركاء إعادة التمايز بينهم”. “على سبيل المثال؛ قم بأشياء من أجل نفسك فقط، وليس لخدمة الحياة الزوجية أو الأسرة، فتجاهل المرء لنفسه في مواجهة العلاقة الزوجية يُعتبر إحدى الطرق التي يشارك من خلالها في العنف الواقع عليه”.

وهناك طريقة أخرى تتمثل في “توضيح مسألة الحدود من خلال نظر الشريكين معاً إلى المساحات الحميمة المخصصة لكل منهما”؛ إذ يجب دعم الحدود بين الذات والآخر، مثل الحدود الفردية التي تميزنا.

“هو يحط من قيمتي”

يقول جان بول سوزيد: “هو أو هي توبخ الآخر لأنه ليس ذكياً، أو منظماً، أو حريصاً بما فيه الكفاية، وبدلاً عن إحداث أثر إيجابي وبنّاء في نفسه “أنا معجب به لأنه يعرف كل شيء”؛ سيؤدي به الحط من قيمته بهذه الطريقة إلى التفكير عكس ذلك: “إنه يعرف كل شيء وأنا لا أعرف أي شيء”، ويشعره ذلك بالعجز”.

توضح إيفان وير أنه كما هو الحال مع جميع أعمال العنف، إذا حدثت الاعتداءات في الأماكن العامة: “هذا يعني أن المعتدي لم يعد يشعر بالضغط الاجتماعي، وهو دليل على التصعيد”، خاصةً أنه بالنسبة للضحايا الذين يتأثرون بنظرات الآخرين، فإن الخزي يضاف إلى ألم الكلمات الجارحة.

“هي تصرخ في وجهي”

يقول جان بول سوزيد أن الحوار بين بعض الأزواج يتسم بالشدة، فقد يكون الصراخ والبكاء وسيلةً للتواصل بينهم؛ لكن هذا السلوك يصبح مصدراً للعنف إذا كان يُمارس من طرف واحد فقط بهدف تحطيم الآخر.

ويشير المعالج إلى أنه: “ليس بالضرورة أن يكون من يصرخ بصوت أعلى هو المتحكم بزمام الأمور؛ إذ قد يكون الصمت في بعض الأحيان أكثر عنفاً من الصراخ. وفي التواصل كما في الحياة الجنسية؛ يمكن أن يكون الأذى كبيراً أو صغيراً”. وينشأ الخطر عندما يعمي الغضب المرء لدرجة عدم رؤية الآخر، لذا ولتجنب الانتقال إلى العنف الجسدي؛ “لا تتردد في اتخاذ الإجراءات المناسبة، فيمكنك الاستعانة بوسيط طرف ثالث، وتوفير أطرٍ للنقاش، وتنظيم مساحات معيشة منفصلة، أو حتى مغادرة المنزل، عندما تشعر أنك في خطر”.

نماذج الارتباط الثلاثة

في الخمسينيات من القرن الماضي، حدد الطبيب والمختص بالتحليل النفسي الإنجليزي جون بولبي، ثلاثة أنماط من الارتباط في مرحلة الطفولة؛ وهي أنماط ينسحب تأثيرها إلى علاقات الشخص في مرحلة الرشد. وتوضح إيفا واير أنه يمكن للشخص تطوير نموذج ارتباط آمن، شريطة أن يكون على دراية بأسلوب الارتباط الذي طوره خلال مرحلة الطفولة.

يُعتبر وضع الارتباط “الآمن” هو الأمثل، وهو يعني أن البيئة المحيطة بالطفل قد استجابت لاحتياجاته بطريقة ملائمة، وساعدته على بناء ثقة بنفسه وبالآخر، لذا يتمكن عندما يصبح بالغاً من التعبير عن مشاعره ومعاناته، وفي مواجهة العنف، يعرف كيف يضع حدوداً للآخر أو يغادر العلاقة.

في حالة الارتباط المتجنب “غير الآمن”؛ يكون الشخص في مرحلة الطفولة قد تعرض لكثير من العدوان أو اللامبالاة استجابة لطلباته، لذا يشعر دائماً بالحاجة إلى الدفاع عن نفسه. وفي سن الرشد يعزل نفسه عن الآخر، ويتجنب الاتصال. إنه مستقل لدرجة أنه يدعم بشدة عنف اللامبالاة أو التقليل من قيمة الشخص، لأنه “مقتنع بأنه لا يمكنه الاعتماد على الآخرين، وأن حاجته للارتباط لن تُشبع”.

وفقاً للنمط الثالث؛ وهو الارتباط “غير الآمن” المتناقض، فقد عانى الشخص في مرحلة الطفولة من ردود أفعال الوالدين غير المتوقعة، فأحياناً تكون مريحة، وأحياناً أخرى تتميز بالرفض والغضب، دون أن يفهم الطفل السبب، وللتأكد من حصوله على رد فعل، بالغ في مطالبه وشعوره بالضيق. وتبرز سلوكيات الغيرة أو المضايقة أو الشعور بالذنب  عند هؤلاء الأشخاص في سن الرشد. وتضيف إيفان وير: “إنهم دائماً في حالة شك في أن شريكهم لن يرضيهم، أو أنه سيتخلى عنهم، ويكاد يكون من المستحيل طمأنتهم”.