ما هو العلاج بالطبخ وكيف يساعد على تجاوز الصعوبات النفسية؟

العلاج بالطبخ
العلاج بالطبخ
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

مثل الرسم والموسيقى وباقي الفنون؛ يمكن للطبخ أن يساعد المرء على تجاوز الصعوبات النفسية، فيما يسمى “العلاج بالطبخ”. تمثل ورش الطبخ الإبداعي كالتي تديرها المعالجة إيمانويل توركيه، طريقةً مبتكرةً تحفز “شهيتنا” للبوح بما يجول في خواطرنا.

لكلّ منّا أسلوبه

حبّتا تين على لوح التقطيع مقطعتان إلى أرباع، حمراوان، تماماً كلون “الحب”، تستلقي إحداهما على شريحة من جبن البارميزان والأخرى على بعض الطماطم والفراولة. تقدم الطبق الأول، وهو فوضوي قليلاً، باتريشيا، أما الطبق الآخر فقد أعده زوجها الذي سيتقاعد قريباً. 

“لكل منا أسلوبه، وأنا أسعى إلى التعبير عن أسلوبي الخاص”. هذا ما تقوله المرأة الباريسية ذات الـ 61 عاماً في أثناء “تصميم” طبقها أمام مختصة العلاج بالفن والبرمجة اللغوية العصبية (NLP) والتحليل التفاعلي “في المطبخ”، إيمانويل توركيه. 

تقول إيمانويل توركيه التي كانت تقدم طوال العام الماضي ورشاً متاحةً للجميع للعلاج بالطبخ: “لقد سمحت هذه الجلسات الفردية لباتريشيا بمواجهة القلق الذي تشعر به بسبب اقتراب تقاعد زوجها. فمن خلال إعداد هذه الأطباق، أدركت أنه كان عليها أن تعبر عن نفسها بطريقة أكثر هدوءاً وتستمع أكثر إلى الرجل الذي يشاركها حياتها لتجنب التوترات في علاقتهما”.

العلاج بالطبخ

قد لا يثير الطبخ إعجاب المبتدئين كما تفعل فنون الرسم والمسرح والموسيقى. حتى إذا كنا لا نتحدث عن إعداد طبق “كوردون بلو” فإننا جميعاً قد جربنا إعداد الطعام بشكل أو بآخر، فلا بد أنك قد خبزت كعكةً في الفرن من قبل، كما أنك تعرف بالتأكيد كيفية تقشير التفاح. 

أصبحت هذه الممارسة اللطيفة والمحببة تُستخدم في المستشفيات جنباً إلى جنب مع علاج الإدمان والاكتئاب ومرض ألزهايمر أو اضطرابات الأكل كفقدان الشهية والبدانة وغيرها، وهي تسمى “العلاج بالطبخ”. 

تقول مختصة التغذية والمدربة في مركز”إيرفا ايفولوشن” (Irfa Évolution)، هيلين شوفالييه: “كنا في الماضي نشجع المرضى على صنع الفطائر. ومع ظهور مصطلح “العلاج بالطبخ” في التسعينيات أصبحت ورش الطبخ أكثر تنظيماً، وهي تدار اليوم كمجموعة مناقشة نمارس فيها الطبخ في الوقت ذاته”.

ممارسة الطبخ تحسن الصورة الذاتية

تدار ورش “العلاج بالطبخ” تحت إشراف اختصاصي تغذية أو ممرضة، أو مساعد شخصي، أو مختص في الاختبارات النفسية (السيكومترية) أو ميسِّر، ويشاركهم في بعض الأحيان معلّم أو مختص في علم النفس.

يساهم المشاركون في جميع مراحل تحضير الوجبات أو بعضها، وتشمل هذه المراحل اختيار قائمة الطعام والتسوق والطهو وإعداد المائدة والتذوق. وتقدم لنا ممارسة الطبخ دعماً علاجياً غنياً يتجسد فيما يلي:

  1. ممارسة المهارات الحركية عبر استخدام أدوات المطبخ.
  2. تنمية القدرات الذهنية عبر عملية حساب مقادير المواد.
  3. تطوير الملكات المعرفية من خلال إدارة الوقت والتركيز.
  4. تحفيز الحواس والذاكرة وعمليات التواصل من خلال تبادل الوصفات بين المشاركين.

العلاج بالطبخ لاستعادة الثقة بالنفس

من جهة أخرى، فإن ممارسة الطبخ تسمح للمرضى “المهمشين” بسبب أمراضهم باستعادة ثقتهم بأنفسهم في جو مفعم بالسرور والسلوكيات الإيجابية، وتشعرهم بأنهم يفعلون شيئاً مفيداً. ويحفز هذا النشاط لدى الفرد الرغبة في الإنجاز الذي يؤدي بدوره إلى تعزيز الصورة الذاتية.

تعتمد طريقة العلاج بالطبخ بالنسبة لإيمانويل توركيه على استكشاف المشاعر التي تعبر عن مشكلة شخصية، سواء كان هذا التعبير واعياً أو لا. ولا يتلخص نهجها هذا في مجرد ممارسة الطبخ، فهو يتضمن عدة قواعد أهمها التحرر من وصفات الطعام الجاهزة، و”الإملاءات الغذائية” التي تولد لدينا الشعور بالذنب، أو أسلوب الطهو الاستعراضي الذي نراه على شاشات التلفاز ويجعلنا نشعر بالنقص. 

عبّر عن مشاعرك باستخدام العلاج بالطبخ

توضح إيمانويل توركيه قائلةً: “تتيح لنا ممارسة الطبخ بطريقة مختلفة إطلاق العنان لأنفسنا وإعادة الاتصال مع ذواتنا، ووفقاً للطريقة المتبعة هنا فإن كل شيء مسموح. ولكن رغم ذلك فإن الطريق نحو الإبداع ليس سهلاً دائماً.

أتذكر على سبيل المثال أن إحدى المشاركات كانت تتسم بالتحفظ، كما أتذكر كيف كانت تقف عاقدةً ذراعيها. وبينما كنا نجمع آراء المشاركين حول الجلسة الأولى التي كانت بعنوان “الجزرة المتنقلة”، قالت لي: “ليس ثمة ما يستحق الكلام عنه”. بعد ذلك دعوتها لتعبر عن مشاعرها عبر تجربة وصفة ثانية، وبالفعل فقد تمكنت من تحرير غضبها عبر تحضير وصفة البطاطا المهروسة الحلوة والمالحة”.

أطلق العنان لنفسك

نعلم جميعاً أن طريقتنا في الطبخ تعبر عنا، فهي تمثل أذواقنا وثقافاتنا. وتكشف ممارسة الطبخ ضمن مجموعة عن استراتيجيات التعاون المتبادل لدينا، ومهاراتنا القيادية والتنظيمية وروح المبادرة والابتكار التي نتمتع بها. 

لكن ما يحفز إبداعنا هنا، هي تلك القصص التي نرتجلها خلال الورش؛ مثل قصة “الكوسا العاشقة”، أو “الكمثرى التي تعتبر نفسها نجمةً عالميةً”، وذلك بعيداً عن النظرة التقليدية لمتجر البقالة الصغير. وهكذا، فإن أول ما على المشاركين تقبله هو عدم وجود جدول محدد مسبقاً لورشة الطبخ. 

يبدأ كل فصل من فصول الطبخ بمرحلة من الاسترخاء أو التذوق اليقظ لإراحة الذهن. تقول إيمانويل توركيه: “لمّا كان هدفي الرئيسي هو دعم الناس في رحلتهم هذه فأنا لا أحدد محتوى الورشة مسبقاً؛ بل أفسح المجال للمشاركين للتعبير عن أنفسهم بطريقة عفوية. وهكذا يخرج بعض الأشخاص وقد أصبحوا أكثر ثقةً بأنفسهم، بينما يتعرف آخرون إلى مشاعرهم الدفينة، أو يصبحون أكثر إدراكاً للأفكار التي تضرهم”. 

في هذا الجو الإبداعي والمتحرر، لا يقتصر دور الطبخ على إتاحة المجال للمرء ليعبر عن مزاجه وطبعه وطريقة تواصله مع الآخرين فقط؛ إذ إنه يفتح “شهيته” للتعبير عن ما يجول في خاطره أيضاً، كما أنه قد يكون محفزاً حقيقياً للتطور الشخصي. وهكذا فإن العلاج بالطبخ يقدم متعةً فوريةً وفائدةً على المدى الطويل في آنٍ معاً.

تمارين في المطبخ

1. استعد للطهو

“كما يغرق اللحم في الحساء”، تعد هذه العبارة كنايةً عن الشخص “الغارق” في مأزق ما. سواء كنا نستخدم هذه التعبيرات كثيراً، أو لنعبر عن مزاجنا في لحظة معينة فإنها يمكن أن تساعدنا على تطوير أنفسنا. اختر تعبيراً يرتبط بالطعام وفكر فيه واسأل نفسك عما يعنيه بالنسبة لك، ثم دوّن أفكارك حول ذلك. مارست كل من كارولين وسيلين وأنابيل هذا التمرين خلال إحدى الورش، وحاولن اكتشاف ما يشعرن به في المطبخ بعد التقشير والطهو وإضافة التوابل وخلط المكونات بحرية تامة. إذاً كيف تشعرين الآن؟

2. “أشعر أنني لينة كالعجين”

يشير هذا التعبير إلى شخص لين الطباع ومتعاون ولطيف. وماذا أيضاً؟ إضافةً إلى مرونة الشخصية، فقد يشير هذا التعبير أيضاً إلى شخص خاضع ويمكن التأثير فيه بسهولة.

هل تتبعين وصفات الطبخ حرفياً؟ هل تختارين دائماً تحضير الأطباق ذاتها خوفاً من الإخفاق أو حرصاً على عدم تخييب ظن ضيوفك؟

تتحدث كارولين ذات الـ 47 عاماً عن تجربتها قائلةً: “في الحقيقة فكرت في البداية بتشبيه نفسي “بالكمثرى” لكنني وجدته تشبيهاً بغيضاً نوعا ما. لقد جذبتني صورة العجين الأبيض وقد اخترته لأنه يتوافق مع شخصيتي، إضافةً إلى الصلة بين العجين ووظيفتي السابقة، فقد كنت أعمل طاهية معجنات. في الحقيقة أنا أميل إلى قول كلمة “نعم” للآخرين بغية الاندماج معهم وتقديم العون إليهم، ويخبرني زوجي دائماً أنني أقدم لمن حولي أكثر من اللازم. صنعت في الورشة فطيرة “كرامبل التفاح” عبر حشو تفاحة مجوفة بالعجين، وأضفت لها بعض الفلفل بناءً على رغبة أحد المشاركين، أنا أحب جداً أن أطبخ من أجل الآخرين. لقد كان عجن العجين متعةً علاجيةً بالفعل وساعدني على التخلص من التوتر. تساءلت عما إذا كان شعوري بأنني “لينة كالعجين” يعد أمراً إيجابياً أو لا، لكن هذا التمرين سمح لي بالتصالح مع نفسي، فهذه السمة الشخصية هي من أثمن ما لدي، وهي محط تقدير لدى من حولي”.

3. “أنا ممتلئة بالبطاطس”

يشير هذا التعبير إلى الشعور بالتعاسة أو خيبة الأمل أو الحقد والاستياء، ويعبر المرء عن هذه المشاعر بالحزن أو الاكتئاب أو فرط الحساسية.

في المطبخ: هل تضعفك الحساسية المفرطة إلى درجة أن تنفد منكِ أفكار الوصفات أو على العكس من ذلك، تفرض عليكِ إعداد طبقك المفضل؟

تقول سيلين ذات الـ 40 عاماً: “كان هذا التعبير ذا مغزىً كبير بالنسبة إليّ في نهاية عام 2015. لقد عشت فترةً كابوسيةً آنذاك، فقدت خلالها إحدى صديقاتي وعانيت من اكتئاب ما بعد الولادة؛ كما شابت علاقتي بوالدي الكثير من النزاعات، ثم دخلنا في فترة الحجر الصحي بسبب جائحة كوفيد-19. في إحدى المرات وفي غمرة استيائي فكرت بهذه الجملة “أنا ممتلئة بالبطاطس”، وقررت أن أتوقف عن استخدامها. لقد تخيلت حبة بطاطس مشوهة بوجه عابس، ورأسها يغرق في كتفيها وتضيع في الضباب، ثم هرست البطاطس مع قطع الجزر، وجمعتها في كومة و”صفعتها”. في الحقيقة ساعدني الجو شبه التأملي لورش الطبخ على التوقف عن البكاء، لقد كنت مهزوزةً وحزينة على الرغم من أنني إنسانة متفائلة وإيجابية بطبعي. خلال جلسة جمع الآراء شعرت بأنني يجب أن أتوقف عن مقاومة الأمر فقد كان استخدام تعبير “أنا ممتلئة بالبطاطس” مصدر ارتياح لي بالفعل، دفعني إلى زيارة طبيب نفسي وقبول استخدام العلاج الدوائي. وحتى ذلك الحين كنت أفكر في إنجاب طفلي الرابع؛ لكنني أدركت ضرورة تأجيل ذلك لأن الأمر سيسبب معاناةً لعائلتي، وأنا الآن أعيد ترتيب أولوياتي”.

4. “أنا مشتتة بين الفرن والمطحنة”

يشير هذا التعبير إلى العجز عن أداء عدة مهام في وقت واحد. ويولد هذا الشعور بالتشتت انطباعاً لديك بأنك مرهق أو غير قادر على اتخاذ القرار الصحيح، و من ثم فهو يشل حركتك ويشتت طاقتك.

في المطبخ: هل توافقين على عدم القيام بأي شيء بينما يحمر البصل في المقلاة؟ هل تطبخين كل الأطباق في الوقت ذاته؟ هل تتحملين الإحباطات التي تواجهك في المطبخ؟ (على سبيل المثال الطعام مطهو أكثر أو أقل من اللازم).

تقول أنابيل ذات الـ 37 عاماً: “كنت أحاول أن أعمل من المنزل وكان ابني يلومني على ذلك. لقد جعلني شغفي بعملي أجري بلا توقف لتحقيق أهدافي المهنية، مع رغبتي في أن أكون أماً في الوقت ذاته، ما جعلني أشعر بالتشتت وهو شعور متعب جداً. تؤدي الرغبة في إنجاز كل الأشياء معاً إلى عدم إنجاز أي منها على أكمل وجه. لذلك قررت أن أصنع وصفةً مالحةً ترمز إلى العمل (سلطة كوسا مع الهندباء والطماطم والجبن) وأخرى حلوة ترمز إلى المنزل (التفاح مع العسل والبندق). وبطيبعة الحال فأنا لم أخلط الوصفتين معاً، وهكذا فهمت أن السر يكمن في فصل الحياة المهنية عن الشخصية. لقد اخترت هذا التعبير”أنا مشتتة بين الفرن والمطحنة” بطريقة لا شعورية وقد أجبرني على إعادة التركيز على نفسي. لم تسمح لي ورشة الطبخ بأن أكون أكثر إبداعاً في المطبخ فقط؛ بل ساعدتني أيضاً على تنظيم حياتي، فقد أصبحت الآن أترك العمل مبكراً لأكرس مزيداً من الوقت لابني في الفترة التي يكون فيها ضمن حضانتي”.

اقرأ أيضاً: هل يمكن معالجة المشاكل النفسية عن طريق الفن؟