ما لا تعرفه عن القلق التوقّعي

القلق التوقّعي
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

من طبيعتنا البشرية أن يميل البعض منّا إلى التفكير في المستقبل والتساؤل عمّا يمكن أن تؤول إليه بعض الأمور العالقة حتى إشعار آخر أو المتوقع حدوثها بعد مدة؛ إلا أن البعض الآخر قد يميل إلى تطوير مشاعر وعواطف يسودها القلق حول تلك الأحداث أو المواقف المستقبلية.

بوجهٍ عام؛ تشير التقديرات الأخيرة إلى أن حالات القلق زادت بنحو 25.6% بحسب ورقة علمية نشرتها مجلة “ذا لانسيت” (The Lancet) في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2021.

وفي حين قد تُمثِّل هذه المشاعر والعواطف المصحوبة بهلع وخوف مستمر بعضاً من أعراض أنواع عديدة من اضطرابات القلق؛ يمكن التفريق بينها حسب السياق الذي يتضمّنها.

فالقلق المفرط بشأن المستقبل يمكن تسميته بـ “القلق الاستباقي” أو “القلق التوقعي” (Anticipatory Anxiety) بحيث يمكن أن تؤثر المستويات العليا منه في حياة الإنسان اليومية وأدائه للوظائف المتوقعة منه.

ما هو القلق التوقعي؟ وما أسبابه؟ وما علاماته المرضية؟ وكيف يمكن التأقلم معه أو التغلّب عليه؟

القلق التوقعي

يصف هذا الاضطراب نوبات الخوف والهلع بشأن حدث أو موقف مستقبلي وذلك نتيجة توقّع حدوث نتيجة سلبية مُحتمَلة مثل سوء الحظ أو الأحكام المعاكسة من قِبَل الآخرين حسب تعريف الجمعية الأميركية لعلم النفس (APA).

كما يمكن أن يكون هذا القلق أو التخوّف في أغلب الأحيان مصحوباً بأعراض جسدية تتسق مع ما نشاهده من علامات مرضية خلال التعرض لنوبات اضطراب الهلع.

لذا يبدو القلق التوقعي سمة شائعة لنوبات اضطراب الهلع؛ حيث يكون ذلك التخوّف حول توقّع حدوث أو حتى احتمال التعرّض لنوبات هلع في المستقبل محفزاً له بصفة مستمرة.

ما أسباب القلق من المستقبل؟

يُمثِّل القلق التوقعي تجربة بشرية طبيعية ورد فعل للتوتر؛ إلّا أن بداية مشكلاته قد تحدث عندما يُصبِح محفزاً للخوف المفرط أو القلق الذي يؤثر في رفاهية الشخص وصحته الجسدية والنفسية والعقلية.

فقد يتضمّن هذا الاضطراب مستوىً مفرطاً أو منهِكاً من القلق يميل إلى التركيز على النتائج السلبية وتضخيمها؛ والذي يمكن أن يمتد لساعات أو أيام أو أسابيع أو شهور قبل الحدث المُنتظر.

وعلى الرغم من عدم الفهم الكامل لأسباب اضطرابات القلق التي قد تصاحب القلق التوقعي أو تسبقه، فمن الممكن الإشارة إلى بعض المسببات المُحتمَلة ومنها:

  • تعاطي المخدرات أو الكحول.
  • تجارب الحياة السلبية كالأحداث الصادمة.
  • وجود تاريخ عائلي لاضطرابات القلق.
  • الحالات الصحية التي يمكن أن تساهم في القلق.

بالإضافة إلى ما سبق؛ قد يعاني الناس من القلق التوقعي قبل اجتماعات العمل أو تقديم العروض أمام الزملاء، أو المقابلات الوظيفية، أو تقديم العروض الموسيقية أو الرياضية، أو حتى قبل حدث اجتماعي عائلي أو اجتماعي.

كما يمكن أن يظهر لدى بعض الأفراد ويتعلّق ببعض الأحداث المستقبلية المُحتمَلة مثل عاصفة مطرية أو إعصار أو أي كارثة طبيعية أخرى، أو وفاة أحد الأقارب، أو انهيار علاقة عاطفية.

ما أعراض الخوف من المستقبل؟

يتسبب القلق التوقعي في شعور الناس بالتوتر أو القلق أو الخوف بشأن المستقبل؛ ما قد يعني قضاء هؤلاء الأشخاص وقتاً مطوّلاً في التفكير في أسوأ ما يمكن حدوثه خلال تلك المواقف المستقبلية.

كما يمكن أن يعاني المصابون بالقلق التوقعي من أعراض مرضية جسدية ونفسية وعقلية تختلف في حِدتها ومدتها من شخص لآخر، وقد تشمل أيّاً من الآتي:

  • التوتر المستمر.
  • التخوّف أو الرهبة.
  • الصداع والتعب والأرق.
  • الغضب السريع المفاجئ.
  • توقع الأسوأ بصورة مستمرة.
  • التعرق والرعاش والتشنجات.
  • يقظة ملحوظة نتيجة الأخطار المحيطة.
  • اضطراب في المعدة أو كثرة التبول أو الإسهال.
  • الخفقان أو تسارع ضربات القلب وضيق التنفس.

ما علاج الخوف من المستقبل؟

من المهم البدء بالبحث عن مساعدة مختص نفسي يساهم في تقييم هذا الاضطراب وما إذا كان مسبوقاً أو مصحوباً بحالات قلق أو هلع أخرى قد تزيد حالته سوءاً.

وبناءً على ما سبق يمكن الاستفادة من بعض الاستراتيجيات التي تساعد على التأقلم مع القلق التوقعي أو حتى التغلّب عليه، مع أهمية الاهتمام بما يحدده المختص النفسي في الخطة العلاجية. ومن تلك الاستراتيجيات ما يلي:

  • تلبية الاحتياجات الأساسية للجسد والنفس: من المهم تقليل مصادر التوتر قدر الإمكان واتباع نظام غذائي متوازن مع التقليل من الكافيين والسكر وممارسة النشاط البدني بانتظام.
  • ممارسة الاسترخاء والتأريض: فقد تقلل تقنيات الاسترخاء من القلق وتحسن جودة النوم إما بالتنفس العميق أو التخيّل الموجه أو تقنيات التأريض.
  • ممارسة التدوين: فقد تساعد كتابة المذكرات الشخصية تحت إشراف مختص نفسي على استكشاف الخوف ومحفزاته ومنع اجترار الأفكار السلبية.
  • ممارسة التراحم مع الذات: حيث يعامل المرء نفسه بلطف وتعاطف في المواقف السلبية ما قد يقلل من القلق التوقعي.
  • تحدي الأفكار السلبية: يجب أن يبدأ الإنسان في تحديد مصادر القلق والأفكار السلبية واكتشاف مدى واقعية ما تؤدي إليه من تكهنات وأفكار؛ ما يُشجِّع على تحدي الأفكار السلبية وقد يقلل من تكرارها.
  • تولّي زمام الأمور: فقد يكون من المفيد تولي مسؤولية التحكم بدورك في المواقف المستقبلية. على سبيل المثال؛ إذا كان مصدر القلق مقابلة عمل فمن المفيد أن يتدرب الشخص على ذلك مع صديق أو أحد أفراد الأسرة.

ختاماً؛ يجب أن يصب الإنسان كل تركيزه في اللحظة الحالية، ويتذكر أن مشاعر القلق التوقعي وعواطفه قد لا تكون الحل الأنسب في تجاوز ما يخافه؛ وإنما من الأفضل أن يسعى إلى مواجهته بأسلوب جدّي يساهم في التأقلم معه أو حتى التغلّب عليه.

كما تجب علينا المبادرة في مساعدة من نلاحظ معاناته مع هذا الاضطراب منعاً لما قد يحمله من أضرار جسدية ونفسية وعقلية قد تُقلِّل من مستوى صحة الإنسان ورفاهيته وجودة حياته.