ما الفرق بين السوداوية والاكتئاب؟ وكيف تنجو منهما معاً؟

السوداوية
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: بين الاكتئاب والسوداوية قاسم مشترك هو الإحباط والحزن؛ ولكن ما الاختلافات بينهما؟

ها أنت ذا، تقف مرة أخرى مطلاً على العالم من وراء نافذتك، تتأمل حياتك وموسيقا الجاز المفضلة لديك خلفك، دون أي رغبة بالخروج. هذه حال السوداوية؛ حزن رصين، ومزاج معتدل. ولكن بينما تعيش هذه الحالة، يشخص لك بعض الأصدقاء حالتك بالاكتئاب.

في الواقع، غالباً ما يُستخدم مصطلحا الاكتئاب والسوداوية بالتبادل؛ بل إن البعض يضع إحداهما في الآخر مثل دمية ماتريوشكا. إن تحديد العلاقة بين الاكتئاب والسوداوية أمر معقد إلى حد ما، فما الفرق بينهما؟

تاريخ السوداوية وأصل الكلمة

اشتُقَّ مصطلح “السوداوية” (Melancholy) من الكلمة اليونانية (Melancholia) التي تتألف من مقطعين؛ (Melas) وتعني “الأسود” و(choli) وتعني “الصفراء”، نسبةً إلى نظرية الأخلاط الأربعة للفيلسوف اليوناني أبقراط.

فمنذ 400 قبل الميلاد تقريباً، افترض أبقراط أن جسم الإنسان يحتوي على 4 سوائل رئيسة تحدد صحته ومزاجه بحيث يُصاب بالأمراض والاضطرابات إذا اختل توازنها؛ وهي:

  • الدم.
  • البلغم.
  • عصارة المرارة أو الصفراء.
  • عصارة المرارة السوداء.

فإذا زادت السوائل الصفراء والسوداء، يُصاب الفرد باليأس والخوف. وخلال عصر النهضة، رُبطت السوداوية بالعبقرية الإبداعية؛ حيث اعتبر الأوروبيون الفنان المعذَّب والسوداوي هو الأكثر إبداعاً بالفن التعبيري، ليأتي سيغموند فرويد في القرن العشرين ويضع الملامح الرئيسة لمفهوم السوداوية في كتابه “الحداد والسوداوية” (Mourning and Melancholia).

في العصر الحديث، وُصف بأنه “اكتئاب داخلي”، وهو بذلك يختلف عن الاكتئاب الناجم عن الضغوط الخارجية.

اقرأ أيضاً: 7 خطوات بسيطة للتكيّف مع عالم الاكتئاب السوداوي الموحش

الاكتئاب

هو اضطراب مزاجي وأحد أكثر الاضطرابات النفسية شيوعاً، تتداخل فيه مشاعر مثل الحزن والفراغ والغضب والإحباط. إنه مختلف عن تقلبات الحالة المزاجية التي يمر بها الناس بانتظام كجزء من الحياة، أو الاستجابة المؤقتة لبعض مواقف الحياة الصعبة، فهو يستمر لعدة أسابيع أو شهور أو حتى سنوات. ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية (WHO)؛ يُعد الاكتئاب السبب الرئيس للشعور بالعجز حول العالم.

اقرأ أيضاً: كل ما تريد معرفته عن الاكتئاب

تشخيص الاكتئاب وعلاماته

يمكن أن يشتمل الاكتئاب على أعراض نفسية وجسدية في آنٍ واحد، فإذا عانيت 5 أو أكثر من الأعراض التالية، وطوال أسبوعين من الزمن، فأنت مصاب بالاكتئاب:

  • فقدان الاهتمام أو القدرة على الاستمتاع بالأنشطة الترفيهية والهوايات.
  • تغيرات الوزن.
  • الحركة وردود الأفعال البطيئين بشكل غير عادي.
  • انخفاض الطاقة أو الشعور بالتعب.
  • صعوبة النوم أو كثرة النوم.
  • صعوبة التركيز والقدرة على التفكير بعقلانية لاتخاذ القرارات.
  • الشعور بعدم القيمة أو الذنب المفرط أو الوهمي.
  • التفكير بالموت أو محاولة الانتحار.

اقرأ أيضاً: ما هو الاكتئاب السريري، وكيف يمكن علاجه؟

أسباب الاكتئاب

لم يتمكن الباحثون من تحديد أسباب اضطراب الاكتئاب تماماً؛ إلا أنها غالباً ما تكون نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل بعضها مع بعض؛ وهي:

  • العوامل الوراثية: يُعد الأقارب من الدرجة الأولى للأفراد المصابين بالاكتئاب أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب بنحو 3 أضعاف من بقية الناس. ومع ذلك، قد يُصاب الأفراد الذين لا يمتلكون تاريخاً عائلياً من الاكتئاب.
  • العوامل البيولوجية: مثل تغير مستويات النواقل العصبية في الدماغ، أو الإصابة ببعض الأمراض التنكسية العصبية مثل آلزهايمر وداء باركنسون والسكتة الدماغية.
  • العوامل البيئية والاجتماعية: مثل التعرض للصدمات أو نقص الدعم الاجتماعي. على سبيل المثال؛ فقدان أحد الأحبة، أو المشكلات المالية، وغيرها من الضغوط الخارجية التي قد تسبب الاكتئاب.

أنواع الاكتئاب

حدد المعهد الوطني للصحة العقلية (National Institute of Mental Health) أنواع الاكتئاب كما يلي:

  • الاضطراب الاكتئابي الشديد (Major Depressive Disorder): وفيه يعاني مريض الاكتئاب من حالة حزن وسوداوية مستمرة، ويفقد الاهتمام بالأنشطة الممتعة بالنسبة إليه.
  • الاضطراب الاكتئابي المستمر (Dysthymia or Persistant Depressive Disorder): قد يصفه البعض بعسر المزاج، وتستمر أعراضه نحو عامين من الزمن؛ إلا أن أعراضه أقل حدة من الاكتئاب الشديد.
  • اكتئاب الفترة المحيطة بالولادة (Perinatal Depression): هو اكتئاب يحدث في أثناء الحمل أو بعد الولادة، ويمكن أن يستمر لأشهر أو حتى سنوات.
  • الاضطراب العاطفي الموسمي (Seasonal Affective Disorder): هو الاكتئاب الذي يترافق مع التغيرات الفصلية غالباً؛ حيث يستمر خلال الخريف والشتاء عندما يقل سطوع الشمس.
  • الاكتئاب المصحوب بأعراض الذهان (Psychotic Depression or Major Depression with Psychotic Features): في هذا النوع، يعاني مريض الاكتئاب من أعراض الذهان؛ مثل الأوهام أو الهلوسة (سماع أشياء لا يسمعها الآخرون أو رؤية ما لا يرونه).

السوداوية

اختلف المجتمع العلمي في تحديد السوداوية، فتنقلت بين عدة تصنيفات:

  • أحد أعراض الاضطراب الاكتئابي الشديد (MDD) وفقاً للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية.
  • حالة ضمن الاضطرابات المزاجية؛ حيث لا تشخَّص السوداوية كاضطراب؛ بل يشخَّص الاضطراب المصاحب لها مثل اضطراب الاكتئاب الشديد مع السمات السوداوية، أو اضطراب ثنائي القطب مع السوداوية.

كيف تشخَّص السوداوية؟

على الرغم من أن السوداوية لم تصنَّف بوصفها اضطراباً نفسياً؛ فإن لها معاييرَ تشخيصية يمكن اعتمادها؛ حيث يظهر على السوداوي واحد على الأقل من العرَضَين التاليَين:

  • فقدان القدرة على الاستمتاع بأي نشاط.
  • الاستجابة المنخفضة أو المعدومة للأحداث الممتعة.

أو ما لا يقل عن 3 من الأعراض التالية:

  • اليأس والإحباط على الرغم من عدم وجود مسبب خارجي مثل الخسارة أو الألم.
  • فقدان الوزن أو زيادته.
  • التغيرات الحركية؛ مثل التململ والحركات البطيئة.
  • تباين المزاج النهاري الذي يكون في أدنى حالاته صباحاً.
  • الاستيقاظ المبكر.
  • الشعور بالذنب المفرط.

الفروقات بين الاكتئاب والسوداوية

ثمة بعض الاختلافات التي تساعد على التمييز بين الإصابة بالاكتئاب بصفته اضطراباً عقلياً، والسوداوية كإحدى سمات الاضطراب؛ ومنها:

الأسباب

من الناحية البيولوجية، يمكن الاتفاق على أن الاكتئاب بأنواعه وسماته كافةً، يرتبط بتغييرات في مستويات النواقل العصبية في الدماغ. ومع ذلك، فإنه يرتبط بمحفزات خارجية مثل وفاة أحد أفراد الأسرة، أو الطلاق، أو التعرض لصدمة. في المقابل، تُعد السوداوية كآبة داخلية ترتبط ارتباطاً رئيساً بالوراثة؛ أي لا حاجة إلى تعرُّض الفرد لصدمة خارجية حتى يُصاب السوداوية.

ولكن، وبالرغم من كونه ذو أصل داخلي إلا أن ذلك لا يلغي تأثير العوامل البيئية المحيطة، مثل الفقر وغيره من العوامل الاجتماعية، وإن لم يكن بقدر تأثيرها على الاكتئاب.

الاستجابة للعلاج

وفقاً للدراسة المنشورة في “المجلة الأميركية لعلم النفس” (American Journal of Psychology)؛ لم يستجب مرضى الاكتئاب الذين يعانون من السوداوية للعلاج الوهمي، في حين أبدى مرضى الاكتئاب  استجابة كبيرة له.

كما أظهرت الدراسة أن السوداويين كانوا أقل استجابة للعلاج النفسي والاستشارة والتدخلات النفسية والاجتماعية، بينما كانت هذه العلاجات أكثر فعالية في علاج الاكتئاب غير السوداوي.

ومع ذلك، استجاب السوداويون للعلاج بالأدوية المضادة للاكتئاب التي تؤثر في عدد كبير من النواقل العصبية بدلاً من واحد فقط، بالإضافة إلى العلاج بالصدمات الكهربائية.

اقرأ أيضاً: هل لمضادات الاكتئاب تأثير الدواء الوهمي؟

بنية الدماغ: الأصول البيولوجية

بيّن تصوير الأعصاب في الدراسة السابقة وجود علامة فارقة “توقيع”، فقط في الأشخاص السوداويين مقارنةً بالمصابين بالاكتئاب غير السوداوي. وأظهر التصوير انخفاض عدد الخلايا العصبية في المنطقة المسؤولة عن الانتباه أو “الإنسولا” (Insula) إلى النصف في الأشخاص السوداويون؛ كما انخفضت أيضاً الاتصالات من الإنسولا إلى مركز التحكم التنفيذي في الدماغ.

إذاً، قد يكون من الواجب الاعتراف بالسوداوية كحالة نفسية منفصلة، لتحسين الوعي المجتمعي بها كحالة نفسية بحاجة إلى العلاج؛ لكن إلى ذلك الحين، لا تهمل مشاعرك، وحاول التحدث إلى طبيب نفسي عندما يخيّم الحزن والإحباط عليك.