ما الذي يجب أن تعرفه عن الصحة النفسية؟

هل تساءلت يوماً عن معنى الصحة؟ أو ما المقصود بالصحة النفسية؟
https://www.shutterstock.com/
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

هل تساءلت يوماً عن معنى الصحة؟ أو ما المقصود بالصحة النفسية؟ في هذا المقال سوف نطرح نظرة شمولية عن الصحة والصحة النفسية.

الصحة هي حالة من اكتمال السلامة بدنياً وعقلياً واجتماعياً، وليس مجرّد انعدام المرض أو العجز.” بالنظر إلى مفهوم الصحة؛ نستطيع فَهم أمرين: الأول أن الصحة لا تكتمل بدون سلامة الصحة النفسية، والثاني أن الصحة النفسية لا تعني فقط انعدام المرض النفسي.

ماهية الصحة النفسية

تعرّف الصحة النفسية على أنها حالة من اكتمال السلامة النفسية والعقلية؛ والتي يمكن من خلالها للفرد أن يفكر تفكيراً سليماً بشكل متوازن وإيجابي، يضمن اتخاذ قرارات سليمة، والقدرة على التعامل مع الاضطرابات النفسية؛ ما يعزز القدرة على إدارتها أو التعافي منها، والقدرة على إنتاج العواطف بشكل متزن يضمن له الحصول على روابطَ اجتماعية قوية وإيجابية،ومن هنا نفهم أن الصحة النفسية تتضمن عافية وسلامة الفرد من حيث الحالة العقلية، والعاطفية، والنفسية، والاجتماعية. أيضاً؛ يمكن الاستنتاج أن عافية وسلامة الصحة النفسية تحدد صحة كل من الجسد والروح، وقوة الروابط الأسرية والاجتماعية، والتعامل مع الاضطرابات النفسية- إن وُجدت لدى الفرد بالطبع. ومن المهم التنويه على أن انعدام المرض النفسي ليس دليلاً كافياً على عافية وسلامة الصحة النفسية.

كيف تتأثر صحتنا النفسية؟

تتغير حالة صحتنا النفسية باستمرار؛ حيث تساهم بعض العوامل في ازدياد خطر ظهوراضطرابات نفسية؛ مثل التجارب السلبية المتعلقة بالصدمات النفسية أو إساءة المعاملة، والتجارب المتعلقة بالأمراض المزمنة؛ مثل السرطان والسكري، واستخدام المخدرات والكحول، والشعور بالعزلة أو الوحدة. ومن الممكن ملاحظة تأثّر صحتنا النفسية عند الشعور بالإحباط، أو حدوث تقلبات شديدة في المزاج، أو الانعزال عن الأهل والأصدقاء أو حتى النشاطات، أو حدوث مشاكلَ في النوم، أو الشعور بنوبات غضب أو عنف غير مبرر، أو التفكير في الموت أو الانتحار، لذا فإن الصحة النفسية جزء لا يمكن معاملته بمعزل عن بقية جوانب الصحة الأخرى -البدنية والاجتماعية-. وكما يتردد بين أوساط المهتمين بالصحة النفسية ونراه واقعاً يجب التسليم به، فالحقيقة الواضحة أنه “لا صحة بدون صحة نفسية“؛ وهذا يعني بالضرورة أن التكامل بين سلامة وعافية الفرد البدنية والاجتماعية والعقلية -والنفسية- ووجوب تكاملهم مع بعضهم البعض، يحتّم مقدرة كُلٍّ منهم على التأثير في بعضهم البعض. 

وفي دراسة حديثة تقدّم مخططاً لتحسين الصحة النفسية لدى الشباب، وتتقصى أدوار الطب النفسي الوقائي، وجد الباحثون أن ما يقرب من نصف حالات الاضطرابات النفسية تبدأ في سن الرابعة عشر من العمر. بالإضافة إلى أن الأرقام الصادرة عن تحليل منظمة الصحة العالمية لعبء المرض العالمي، تجد أن ما يقرب من مليار إنسان قد يعانون من اضطراب نفسي يزعزع صحتهم النفسية.

محددات الصحة الاجتماعية والبدنية المؤثرة على الصحة النفسية

تتوجه جهود الصحة العامة الوقائية إلى تفنيد الدور الذي تؤديه محددات الصحة، حتى تستطيع جميع الأطراف المعنية العمل بشكل متسق وتكاملي لتحييد الخطر، وبناء استراتيجيات وبرامج محلية ووطنية وعالمية تهدف للتعامل مع أصل المشكلة وتحييد خطر جذورها المتفرعة. وعند إلقاء نظرة شمولية على الصحة النفسية، نجد أن الصحة النفسية تؤثر على الحالة الصحية بطريقتين؛ حيث من الممكن أن تحسّن الحالة الصحية أو تفاقم المشاكل الصحية التي تتعلق بالصحة البدنية والاجتماعية.

في البداية؛ المحددات الاجتماعية هي”الظروف التي يولد فيها الناس ويترعرعون ويعيشون ويعملون ويشيخون فيها”، وتؤثر على الصحة بشكل عام، والصحة النفسية بشكل خاص. ويمكن تقسيم المحددات الاجتماعية لمجالات واسعة تتضمن الاستقرار المادي، والتعليم، والتغذية، والبيئة المادية المحيطة، والسياق المجتمعي، والسياق الاجتماعي، ونظام الرعاية الصحية، وهذا التأثير على الصحة يمكن تمثيله في صورة نتائج سلبية أو إيجابية تتعلق بتغيرات في نسب الوفيات، ونسب الأمراض، والعمر المتوقع، ومصاريف الرعاية الصحية، وبعض النقاط المهمة الأخرى، والحقيقة أن لكل مجال من المجالات السابقة، مواضيع يمكن من خلالها فهم سبب تأثيرها على الصحة النفسية.

يمكن بدء الحديث عن المحددات مع دور نظام الرعاية الصحية؛ والذي يضم التغطية الصحية، أيتحمّل التكاليف المالية سواءً من خلال شركات التأمين أو ضمن منظومة الصحة المجانية-، ومدى توفر مزودي الرعاية الصحية، وملاءمة الخدمات الصحية للغة والثقافة، وجودة الرعاية الصحية. وللأسف، فالبيانات الصادرة من منظمة الصحة العالمية عن المنطقة العربية، توضّح لنا ندرة البيانات التي يتم تسجيلها في مجال الرعاية الصحية النفسية، بالإضافة إلى قلّة العاملين في مجال الرعاية الصحية النفسية -بطبيعة الحال في الدول التي تتوفر فيها بيانات فقط-. عدد الأطباء النفسيين لكل مائة ألف نسمة في كثير من الدول العربية أقل من المعدل العالمي المتدني أساساً بحوالي فقط 1.3 طبيب نفسي لكل مائة ألف نسمة. على سبيل المثال، يصل عدد الأطباء النفسيين في المغرب إلى 0.8 طبيب نفسي لكل مائة ألف نسمة، وفي السودان إلى 0.1 طبيب نفسي لكل مائة ألف نسمة مقارنةً مع 64.3 طبيب نفسي لكل مائة ألف نسمة في الدول مرتفعة الدخل. بالإضافة لما سبق، هناك إرتفاع ملاحظ في تكاليف العلاج النفسي قد يصل إلى 6 تريليونات في عام 2030 وأيضاً مشكلات اختلاف شروط التغطية الصحية من بلد إلى آخر.

ثانياً؛ الاستقرار المادي يضم حالة الفرد الوظيفية، والدخل، والمصاريف، والدَين، والفواتير الطبية، والدعم المالي – سواءً كان حكومياً أو خاصاً. وفي هذا المجال على وجه التحديد؛ تشير إحدى الدراسات إلى استمرار العلاقة الوثيقة بين حالة الفرد الوظيفية وزيادة حالات الاضطرابات العقلية والنفسية لدى الأفراد والمجتمعات. وقد ذكرت هذه الدراسة وجود ارتباط بين الأشخاص ذوي الدخل المادي المتدني، أو الأشخاص الذين يعانون من الأعباء المالية، وتدهور حالة الصحة النفسية.

ثالثاً؛ مجال السياق المجتمعي والسياق الاجتماعي الذي يضم الاندماج المجتمعي -أو الترابط الاجتماعي-، وأنظمة الدعم الاجتماعي، والمشاركة المجتمعية، والتمييز أيّاً كان نوعه. وكمثال على هذا المجال؛ وجدت الدراسات أن التمييز -سواءً المبني على العرق أو الإثْنيّة، أو حالة الهجرة، أو الحالة المهنية- في أميركا وكندا يرتبط بصورة متكررة مع حالة صحية نفسية سلبية، بالإضافة أن العلاقات الاجتماعية -وعلى وجه الخصوص العائلية- سواءً أكانت إيجابية أم سلبية، فهي ترتبط بتأثير قوي على الصحة النفسية. 

وأخيراً؛ يجدر بنا أن نتطرق إلى مجال البيئة المادية أو الفيزيائية المحيطة (Physical Environment) الذي يضم عوامل رئيسيةً؛ مثل السكن، والنقل، والأمن، والحدائق، وساحات اللعب المخصصة للأطفال، ومدى مواءمة البيئة للمشاة. والحقيقة أن مجال البيئة الفيزيائية المحيطة، يجمع بين محددات الصحة الاجتماعية ومحددات الصحة البدنية؛ التي يمتد تأثيرها إلى الصحة والصحة النفسية، فالناس يحصلون على صحة أفضل ويكونون أكثر نشاطاً في الأحياء التي تتمتع بكفاءة عالية من حيث سلامة البيئة الفيزيائية المحيطة -بشكل خاص الأمن ومواءمة البيئة للمشاة-، وهذا ليس بالأمر الغريب؛ حيث أسهبت العديد من الدراسات في إثبات العلاقة بين صحة الأفراد المرتفعة والنشاط البدني، و إمكانية تتبع امتداد هذا التأثير ليصل إلى تحسين الصحة النفسية؛ حيث وجدت دراسة حديثة أن نسب المشاركة العالية في الأنشطة البدنية ارتبط مع نتائجَ إيجابية مرتفعة فيما يخص مؤشرات الصحة النفسية، وانخفاضٍ ملحوظ في مؤشرات الاضطرابات النفسية. 

الآن؛ تسعى الكثير من المدن الحضرية (Urban Cities) حول العالم بشكل جاد لتبنّي مساحات خضراء في قلب المدينة وبين الأحياء، وتخصيص أماكنَ لتحفيز الرياضة المجتمعية، وخلق أماكنَ تعزّز الاندماج المجتمعي والترابط الاجتماعي، وإيجاد طرق عملية للوصول إلى مدن آمنة تخلو من الجريمة والازدحام المروري. 

ماذا تعلمنا عن الصحة النفسية؟

علينا البدء مع أهم شيء والذي لا يجب علينا نسيانه؛ وهو أن “الصحة هي حالة من اكتمال السلامة بدنياً وعقلياً واجتماعياً، لا مجرّد انعدام المرض أو العجز” و أنه “لا صحة بدون صحة نفسية”. ومن خلال فهم ذلك؛ نعي جميعاً أن الصحة ككل لا تكتمل بدون سلامة الصحة النفسية، وأن الصحة النفسية لا تعني فقط انعدام المرض النفسي؛ وإنما هي حالة من اكتمال السلامة النفسية والعقلية التي تؤول بنا إلى اتزان في التفكير والعواطف والتعامل مع الاضطرابات النفسية. ومن المهم تذكّر أن حالة صحتنا النفسية تتغير باستمرار وتتأثر بعواملَ متعددة. ومن خلال التعرّف على جهود الصحة العامة الوقائية ومحددات الصحة الاجتماعية والبدنية المؤثرة على الصحة النفسية، قد نكون نحن إحدى الأطراف المعنية في مجتمعاتنا التي يمكنها العمل بشكل متسق وتكاملي لتحسين صحتنا وصحة مجتمعنا النفسية.