ماذا تعرف عن الطب النفسي الجسدي؟

الطب النفسي الجسدي
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

يتطلب فهم أسباب بعض الأعراض الجسدية أن نكسر حواجز اللاوعي ونخوض فيه بمساعدة مختصي الأمراض النفسية الجسدية.

قد ترجع الإصابة بالتهاب القولون أو التهابات الخميرة المهبلية أو الحساسية، أو حتى الإصابة بمرض خطير كالشلل الجزئي دون سبب عصبي، إلى عوامل خفية لا يمكن الكشف عنها دون أن نأخذ النفس واللاوعي في الاعتبار، وكان أول من فهم هذه المسألة الطبيب ومختص التحليل النفسي جورج غروديك (Georg Groddeck) في عشرينيات القرن الماضي؛ إذ رأى إنه لا يمكن فصل نفس الإنسان عن جسده، وبالفعل فما يصيب الجسد من أمراض أو كسور يؤثر في النفس ومن ثم تنعكس الحالة المزاجية التي يسببها ذلك على الجسد.

دور الشعور الداخلي أو الحدس في تحديد الأمراض النفسية الجسدية

ترتبط الأمراض النفسية الجسدية بالظواهر النفسية على الرغم من أن هذه الظواهر ليست المحفز الوحيد لها، ومن أمثلتها: الحساسية، والصدفية، والربو، وداء الثعلبة، وقرحة المعدة والأمعاء، والتهاب القولون التقرحي النزفي وغيرها.

لذا لا ترتبط استشارة مختص في الأمراض النفسية الجسدية بالاسم العلمي للمرض؛ بل بشعور المريض الداخلي بأن ثمة سبباً غير مفهوم للمرض الذي يعانيه وأن إدراك هذا السبب يمكن أن يساعده على الشفاء.

نهج يجمع بين العلاج الطبي والنفسي

يشمل مجال علم النفس الجسدي مختصي الطب والتحليل النفسي وعلم النفس؛ كما يتدرب الكثير من الأطباء العامين على هذا النهج ليتمكنوا من فهم مشاعر المريض ومخاوفه بعد إجراء الفحص السريري، ولذلك يقترن هذا التدريب الذي يعرّفهم إلى تقنيات العلاج النفسي كالاسترخاء والتنويم المغناطيسي بالعمل على الناحية النفسية للمريض، وتوضح مختصة أمراض النساء النفسية الجسدية سيلفان ميمون (Sylvain Mimoun): “لكي يكون العلاج فعالاً فإنه على المختص فهم مشاعر المريض والخوض في لا وعيه أيضاً”.

وبإمكان أي مختص في التحليل أو العلاج النفسي أن يؤدي هذا الدور طالما أنه يبدي اهتماماً كافياً بمشكلة المريض. تتزايد خدمات الاستشارات النفسية الجسدية في المستشفيات أكثر فأكثر حيث يعمل المعالجون النفسيون مباشرة وجنباً إلى جنب مع الفرق الطبية، ويقول جان بينجامين ستورا (Jean-Benjamin Stora) الذي افتتح وحدةً استشاريةً متخصصةً في الأمراض النفسية الجسدية في قسم الغدد الصماء بمستشفى بيتي سالبترير (Pitié-Salpêtrière) الجامعي بباريس: “يُجري المختصون التحاليل اللازمة للتشخيص (كالأشعة، وأخذ المسحات والعينات) ثم يقترح الأطباء علاجات طبية في حين يتحدث مختص الطب النفسي الجسدي النفسي مع المريض لتحري العوامل النفسية الجسدية لديه وانعكاساتها على المرض، وقد أصبحت هذه الممارسة منتشرةً على نطاق واسع فيما يخص الأمراض الجلدية وأمراض الجهاز الهضمي وأمراض النساء والتوليد وطب الرضوح. وجدير بالذكر إنه لا يمكن تسمية هذا النهج بـ “الطب النفسي الجسدي” بالمعنى الدقيق للكلمة لأنه ثمرة تعاون بين المعرفة النفسية والعلوم الطبية.

نهج يعتمد على فهم المرض

ما النهج النفسي المتبع لعلاج الأمراض الجسدية؟ من حيث المبدأ ليس هنالك نهج محدد وهذا بديهي لأن العلاج يتوقف على حالة كل مريض. لذلك يتبع المختصون نهج العلاج النفسي “الكلاسيكي”؛ إذ يتحدث المريض عن نفسه ليحاول المختص فهم الأسباب النفسية للمرض أو الألم الجسدي الذي يعانيه، ويوضح بنجامين ستورا قائلاً: “بالنسبة إلى المرضى الذين يجدون صعوبةً في التحدث فإن المعالج يقدم لهم جلسة استرخاء مبنية على التحليل النفسي قبل إجراء مقابلة وجهاً لوجه”؛ كما يساعد المختص الأشخاص الذين يعانون قلقاً مفرطاً على التفكير وتحديد مشاعرهم. وعلى الرغم من ذلك فإنه لا يمكن الاستغناء عن العلاجات الدوائية التي يجب أن يتناولها المريض طالما اقتضت الحاجة ذلك.

يهدف نهج العلاج النفسي الجسدي إلى ربط العلاج بكيان المريض وظروفه الشخصية ولذلك فقد يقترح المعالج عليه رسم شجرته العائلية ومن خلال إيجاد مكانه الفريد ضمن الأجيال المتعاقبة يدرك أن جسده يخصه فقط؛ إذ إنه من المألوف أن يحاول الإنسان دون وعي منه

الاقتراب أكثر من أحد أفراد عائلته عندما يتعرض لحادث أو يصاب بمرض، ويستحضر المختص حالة شاب كان مصاباً بمرض الصدفية في رقبته واكتشف من خلال اتباع نهج علم الأنساب النفسي أن جده كان قد مات مشنوقاً وبعد هذا الاكتشاف تراجع المرض لديه وخف ألمه لأنه تمكن من إيجاد معنىً له.

من جهته يؤكد المحلل النفسي المختص في المشكلات النفسية الجسدية، جان غيير جان (Jean Guir) فعالية نهج تحليل الأحلام التي قد تُنتج العوامل النفسية المحفزة لظهور مرض ما في المستقبل.

وعلى الرغم من كل ما سبق ذكره فإن الفرضيات في هذا المجال ما زالت أكثر من الحقائق لأن المرض يبقى لغزاً محيراً حتى بالنسبة لمختصي علم النفس الجسدي.