كيف يختار الأطفال أصدقاءهم؟

استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

تكون عادات الأطفال العاطفية والودية بعيدةً كل البعد عن الديمقراطية، تماماً مثل عادات البالغين. يجد الفتية والفتيات صعوبةً بالغةً في إدراك أنهم يستطيعون “تكوين صداقات” أو حتى “أن يصبحوا أصدقاء مقربين” مع الجميع، بغض النظر عن العمر أو الجنس أو الأنشطة الترفيهية المفضلة أو المظهر.

نُدرة الصداقات المختلطة

مقال نُشر في موقع “ذا كَنفيرزيشِن” (The Conversation) كتبه “كيفن ديتر”؛ طالب في مرحلة ما بعد الدكتوراة ورئيس قسم “الطفولة والرفاه والأبوة والأمومة” في كلية الدراسات العليا في الصحة العامة (EHESP).

في الحب، كما في الصداقة، تظهر شخصية الذات الثانية بسرعة كبيرة من تحليل النزعة الاجتماعية في مرحلة الطفولة. يشكل غالبية الأطفال روابط مع أطفال يشبهونهم في سماتهم الرئيسية؛ أي في تلك السمات التي تميز الأطفال في ساحة اللعب بوضوح وتمنحهم الأولوية، وهي بالتحديد الجنس والعمر.

يبدو أن التماثل في العمر والجنس هما الشرطان الأساسيان الضروريان لتكوين روابط عاطفية في مرحلة الطفولة، فإذا لم يتحقق أحدهما لن تتكون صداقة، أو بالأحرى لن تتكون أفضل صداقة ممكنة. هما يمثلان الأساليب الأولى التي يتبعها الأطفال في انتقاء واختيار رفاقهم أو “أصدقائهم المفضلين” وفق معايير تقييم وحكم مختلفة.

بصرف النظر عن أعمار الأطفال؛ يذكر الأطفال غالباً مصادقة أطفال من نفس جنسهم. ينطبق ذلك على 6 فتيات من أصل 10 تقريباً (في المدارس والمراكز اللامدرسية التي خضعت للدراسة) و7 فتيان من أصل 10. وتزداد النسبة لكلا الجنسين إلى 80% بالنسبة لأصدقائهم المقربين.

والأكثر إثارةً للدهشة، أنه لم يشِر إلا 20% من الأطفال إلى أنهم كونوا صداقات مختلطة، بمعنى أنهم صرحوا أن لديهم مجموعة أصدقاء يتساوى فيها عدد الرفاق من الجنس الآخر مع عدد الرفاق من نفس الجنس، و10% منهم فقط لديهم أصدقاء منها يعدونهم أصدقاءَ مقربين.

كيف نفسر هذا التوجه القوي لدى الأطفال نحو مصادقة أقرانهم من نفس الجنس؟ تبرز إجابتان رئيسيتان مستمدتان من تعليقات الأطفال. تشير أولهما، والأكثر تكراراً، إلى أسباب مبتذلة، وبصورة أعم إلى آلية تكوين الصداقات في مرحلة الطفولة.

يصعب أن يصبح طفل (أفضل) صديق لطفل آخر عندما لا يشاركه نفس الذوق والألعاب والأنشطة التي يفضلها، وعندما لا يتوفر أساس مواتٍ لبناء علاقة يحافظان عليها حتى عن بُعد ومع مرور الوقت. لكن يتفق الأولاد والبنات على أن الطرف الآخر “يلعب ألعاباً مملةً جداً” و”غير مضحكة”، ويقولون “نملّ دائماً (عندما نكون) برفقتهم، كما أنهم يزعجوننا”.

أما الإجابة الثانية التي تعد مجرد أقوال لكنها لا تقل أهميةً عن الأولى، هي تعرض أفراد المجموعة للمجازفة بالبقاء بسلام دون إظهار أي ملل أو إحراج في مجموعة صغيرة يغلب على أفرادها أطفال من الجنس الآخر، لا سيما أن يقال عن أحدهم أنه “مغرم” أو حتى “مغرم بشخص سيئ”، وهذا ما ذكرته “ماريون” (الصف الثالث، من الطبقة العليا)؛ إذ قالت: “مسبقاً، وبمجرد أن لعبنا مع صبي كان يقول بعضهم: “إذاً أنت مغرمة”. نعم، فمثلاً إيمان التي تؤدي دور أنثى طائر الباشق، كانت تؤدي دور قطة مع همام وهناك كانت ليلى وسلوى موجودتان على ما أعتقد، وقد بدأتا تقولان: “إذاً أنت مغرمة”، لأنهما كانتا التاليتين. وبمجرد أن يكون لديك حبيب، يقولون لك: “ياللعار !”.

عبء المرحلة الدراسية والعمر

إضافةً إلى مسألة التوافق بين الجنسين، تتسم الصداقات في مرحلة الطفولة بالميل لتكوينها مع من هم في العمر المماثل أو ما يُعرَف بالـ “هوموفيليا” العمر، وبصورة أدق المرحلة الدراسية المماثلة. يقول حوالي 90% من الفتيان والفتيات أن معظم أصدقائهم أو صديقاتهم من نفس فصلهم الدراسي. في المقابل، فلم يذكر سوى قلة منهم تكوين صداقات مع أطفال في مراحل دراسية أعلى من مرحلتهم (نسبتهم 29%) وحتى عدد أقل كوّن صداقات مع أطفال في مراحل دراسية أدنى (نسبتهم 19%).

عند سؤال الأطفال عن هذه الظاهرة، أشاروا إلى أن سببها “أن الأطفال الأكبر لا يسمحون لنا أبداً باللعب معهم، إلا عندما ينقصهم أحد للعب كرة القدم أو الدردشة، وإلا فهم يلعبون فقط مع الكبار. هم لا يريدون اللعب معنا لأننا صغار جداً ولا نعرف كيف نلعب كرة القدم أو لعبة الجري والالتقاط (تُعرف باسم tag)”، هذا ما قاله كريم (الصف الثالث، من الطبقة الوسطى).

لاحظنا أيضاً هذا الربط المتمثل بأن الطفل الصغير يكون غير ماهر أو قوي بما يكفي “لينال الحق” في اللعب مع الأطفال الأكبر سناً منه؛ وبالتالي في أن يصبح صديقاً لهم، بين كلمات مازن (الصف الأول، من الطبقة العاملة)، الذي يوضح أنه لا يستطيع أن يصادق “الأكبر سناً” منه “لأنهم يلعبون ألعاباً معقدةً جداً”.

بتعبير آخر؛ إذا كان يصعب كثيراً على الأطفال أن يصبحوا أصدقاء، بل وأصدقاء مقربين، لأطفال ليسوا في سنهم أو يختلفون عن جنسهم، فذلك لأنهم يجازفون عندها بسمعتهم ومكانتهم في ساحة اللعب.

فهم عندما يلعبون مع الأطفال الأصغر سناً أو الأصدقاء من الجنس الآخر، لا يجازفون فقط بالتعرض للسخرية أو أن يُطلَق عليهم  صفة “الشخص الطفولي”؛ وإنما وقبل كل شيء المجازفة بأن يُستخف بهم لأنهم مرتبطون بالشخصيات المنفرة للأطفال والأولاد وخاصة الفتيات.

لذلك فإن هذه العقوبات الرمزية التي تكون حاضرة بقوة خلال وقت اللعب، تذكّر الأطفال بقواعد مشاعر الأصدقاء، وضرورة احترام سنهم وجنسهم. لكنهم لا يفرضون أنفسهم بنفس القدر من القوة على الجميع.

إن الفتيان والأطفال الأكبر سناً بالتحديد، بصفتهم “ملوك ساحة اللعب” (كما ورد)، هم أكبر الخاسرين لأن نعتهم بالفتيات والأطفال يسيء إليهم ويهينهم. وهذا بالنسبة فقط للفتيان والأطفال الأكبر سناً؛ ما يؤكد الوجود المبكر للتراتبية والتفاوتات في العمر والجنس.

الدور الضمني للبالغين

لا تستند طرق اختيار المرء لأصدقائه على الأطفال أو اختيارهم أو ثقافات الأطفال فحسب؛ بل هي مرتبطة بعالم البالغين من ثلاث نواحٍ على الأقل. أولاً؛ إذا كان احتمال أن يصادق الفتيان والفتيات أقرانهم من نفس العمر والجنس هو المرجّح، فذلك لأن المختصين في التعليم يميلون إلى تصنيفهم حسب الجنس والمستوى التعليمي، وهذا يشمل فترة الأنشطة الإضافية أو الأنشطة خارج المناهج الدراسية.

يمضي الأطفال من نفس العمر والجنس وقتاً أطول معاً، لذا تُتاح لهم الفرصة للالتقاء والدردشة وتشكيل روابط قوية مع بعضهم البعض.

ثانياً؛ السبب هو أن البالغين يساهمون، غالباً غير مدركين، في تعزيز مبادئ الجنس والعمر التي تميز بين الأطفال وتمنح الأولوية لبعضهم على الآخر؛ مثلاً من خلال التفرقة في الألعاب أو الأنشطة بين البالغين والأطفال والفتيات والفتيان حسب مستوى صعوبتها أو ما تتطلبه من مشاركة بدنية، ويصعّبون خلط وسائل الترفيه، أو حتى يشجعون الأطفال على تمييز أنفسهم من أجل الولاء لعمرهم أو جنسهم.

أخيراً؛ يلعب الكبار على الاختيارات العاطفية للأطفال طالما تؤدي أحكامهم وملاحظاتهم دور المؤشرات الحقيقية على القيم المتأصلة في الأطفال. فإنهم بتصنيفهم بعض الأطفال بأنهم أذكياء أو جميلون أو مضحكون، وأطفال آخرين بأنهم متسخون أو مزعجون أو مشاغبون أو مشتتون، يؤثرون إلى حد كبير في سمعة الأطفال وترتيبهم في ساحة اللعب؛ وبالتالي يوجهون سوق الصداقة.