كيف أعالج ابنتي من الاكتئاب؟

5 دقيقة
الاكتئاب لدى الأطفال
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

هل تتذكر تلك الكلمة المهينة التي وجهها إليك معلمك أو زميلك في المدرسة، وأثّرت فيك سلباً وشعرت حينها بحزن شديد؟

ربما تتذكر جيداً ذلك الصراع الذي كان قائماً في المنزل ووقفت أمامه عاجزاً، وظلت هذه الذكرى عالقة في ذهنك لسنوات طِوال مصحوبة بمشاعر اليأس.

وعلى الرغم من استمرار هذه المشاعر بداخلك؛ فإنك ربما لم تُلقِ بالاً لمعرفة مدى تأثيرها الحقيقي فيك، لتستمر في طريقك دون إعادة فتح الجرح الذي لم يُشفَ تماماً.

تمتص عقولنا في مرحلة الطفولة والمراهقة كل الأحداث والتجارب التي نتعرّض لها كالإسفنج وتختزنها في مكان آمن، فلا نكون حينها قد استطعنا تمييز ما يخصنا وما لا يخصنا؛ أي ما نحن مسؤولون أو غير مسؤولين عنه؛ الأمر الذي يحمّلنا ضغوطاً كثيرة تؤثر سلباً في صحتنا النفسية، بالإضافة إلى التغيرات البيولوجية العديدة التي تأتي بالكثير من التغييرات النفسية أيضاً.

الاضطرابات العاطفية والسلوكية في مرحلة المراهقة

وفقاً لمنظمة الصحة العالمية؛ تشيع الاضطرابات العاطفية والسلوكية بين المراهقين، وتعد اضطرابات القلق، التي قد تنطوي على الذعر أو القلق المفرط، الأكثر انتشاراً في هذه المرحلة العمرية، خاصةً بين المراهقين الأكبر سناً مقارنة بمن هم أصغر سناً.

وتشير التقديرات إلى أن 3.6% من المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 10-14 عاماً و 4.6% ممن تتراوح أعمارهم بين 15-19 عاماً يعانون من اضطرابات القلق. كما تبلغ نسبة انتشار الاكتئاب 1.1% بين المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 10-14 سنة، و2.8% لمن تتراوح أعمارهم بين 15-19 عاماً.

ويشترك هذان الاضطرابان النفسيان في بعض الأعراض؛ بما في ذلك التغيرات السريعة وغير المتوقعة في المزاج، ويمكن أن يؤثرا بدرجة كبيرة في التحصيل الدراسي والحياة الشخصية؛ كما يمكن أن يؤدي الانسحاب الاجتماعي الناتج منهما إلى تفاقم العزلة والشعور بالوحدة.

على الجانب الآخر؛ تظهر الاضطرابات السلوكية في هذه الفئة العمرية في اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه (ADHD) بنسبة 3.1% بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 10-14 عاماً و2.4% بين الذين تتراوح أعمارهم بين 15-19 عاماً.

وتحدث اضطرابات السلوك الأخرى التي تتضمن السلوك التخريبي أو غير الاجتماعي بنسبة 3.6% من الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 10-14 عاماً، و 2.4% ممن تتراوح أعمارهم بين 15-19 عاماً، وتؤثر هذه الاضطرابات بدورها في التعليم والحياة الاجتماعية للمراهقين.

اقرأ أيضا:

صعوبة تشخيص الاكتئاب لدى الأطفال

قد يصعب في بعض الأحيان تشخيص الاكتئاب لدى الأطفال والمراهقين؛ حيث يُنظر إلى التغيرات السلوكية على أنها تقلبات مزاجية طبيعية في أثناء الانتقال من مرحلة عمرية لأخرى.

ووفقاً للطبيب النفساني الإكلينيكي والأستاذ المساعد في علم النفس في جامعة بيبرداين الأميركية (Pepperdine University)، إيرلانغر تورنر (Erlanger Turner) ففي حالة إصابة الأطفال بالاكتئاب في مراحل عمرية مبكرة غالباً ما يستمر ذلك الاضطراب خلال مرحلة المراهقة ويؤثر في سلوكهم لاحقاً؛ كما تزداد احتمالية إصابتهم بأمراض أخرى أكثر حدةً في مرحلة البلوغ ما يشير إلى أهمية التشخيص الجيد والمبكر للاكتئاب لدى الأطفال وعدم الاستهانة بأعراضه.

أسباب وعوامل خطر اكتئاب الأطفال

يمكن أن تكون سنوات المراهقة صعبة للغاية؛ كما قد يؤثر الاكتئاب في المراهقين أكثر بكثير مما يدركه الوالدان. تشير التقديرات إلى أن 1 من كل 5 مراهقين سيعاني من الاكتئاب في مرحلة ما خلال سنوات المراهقة. ومع ذلك، في حين يمكن علاج الاكتئاب إلى حد كبير، فإن معظم المراهقين المصابين به لا يتلقون المساعدة.

لذلك من المهم للوالدين ومقدمي الرعاية فهم عوامل خطر الاكتئاب عند الأطفال التي يمكن أن تشمل: القلق، والتاريخ العائلي للاضطرابات العقلية، والتغيرات الهرمونية في سن البلوغ، بالإضافة إلى ضغوط الحياة.

في هذا السياق؛ تشير مديرة الأبحاث في مركز خدمة علم النفس العصبي لصحة الأطفال والأستاذة المساعد في جامعة يو تي ساوث وسترن (UT Southwestern)، أليس هولاند (Alice Holland) إلى أن القلق المزمن غير المشخّص هو أحد عوامل الخطر الأكثر شيوعاً للاكتئاب عند الأطفال، فهو يرهقهم عاطفياً بمرور الوقت إذا لم يتم علاجه.

كما تتمثل ضغوط الحياة التي قد تسبب الاكتئاب لدى الأطفال في:

  • الالتحاق بالمدرسة واتباع نظام جديد.
  • الانتقال من مدرسة إلى أخرى.
  • الصراعات في المنزل.
  • التعرض للتنمر.
  • المعاناة من حالة مرضية مزمنة.
  • انفصال الوالدين أو الطلاق.

بالإضافة إلى ذلك؛ قد تؤدي العوامل التالية إلى اكتئاب المراهقين:

  • الإجهاد الأكاديمي، وخاصة فيما يتعلق بالالتحاق بالجامعة.
  • ضغط الأداء الرياضي.
  • الحرمان من النوم.

اقرأ أيضا:

كيف أعرف أن ابنتي تعاني من الاكتئاب؟

ربما ليست مجرد تقلبات مزاجية بل إن طفلك حقاً يعاني من الاكتئاب. لذلك من المهم توخي الحذر في التعامل مع التغيرات العاطفية للأطفال، وعدم الاستهانة بهذه التغيرات التي قد تنم عن أضطرابات أكثر عمقاً وتحتاج إلى التدخل والعلاج في أقرب وقت حتى لا تتحول إلى مشكلة طويلة الأمد.

تشمل علامات الاكتئاب عند الأطفال ما يلي:

  • الحزن أو المزاج السيئ لفترة طويلة.
  • العصبية والشعور بالغضب طوال الوقت.
  • عدم الاهتمام بالأشياء التي كانوا يستمتعون بها من قبل.
  • الشعور بالتعب والإرهاق كثيراً.
  • مواجهة صعوبة في النوم أو النوم أكثر من المعتاد.
  • فقدان القدرة على التركيز.
  • قلة التفاعل مع الأصدقاء والعائلة.
  • عدم القدرة على اتخاذ القرارات.
  • تدني الثقة بالنفس واحترام الذات.
  • تناول كميات طعام أقل من المعتاد أو تناول وجبات دسمة.
  • تغيرات كبيرة في الوزن.
  • عدم القدرة على الاسترخاء أو الخمول أكثر من المعتاد.
  • الشعور بالذنب أو انعدام القيمة.
  • الشعور بالفراغ الداخلي أو عدم القدرة على الشعور بالمشاعر المختلفة، فيما يُعرف بالخدر العاطفي.
  • التفكير في الانتحار أو إيذاء النفس.

قد تتمثل أيضاً أعراض الاكتئاب في:

  • أعراض جسدية مثل الصداع وآلام المعدة.
  • التحصيل الدراسي الضعيف.
  • السلوك المشاغب.

كيف أتعامل مع ابنتي المكتئبة؟

إذا كنت تعتقد أن طفلتك مصابة بالاكتئاب، فمن المهم في البداية التحدث إليها لمعرفة ما يزعجها وكيف تشعر، بالإضافة إلى ما يلي:

  • مهما كان سبب المشكلة التي تزعج طفلتك خذها على محمل الجد. قد لا تبدو مشكلة كبيرة بالنسبة إليك ولكنها قد تكون مهمة جداً إليها.
  • إذا كانت طفلتك لا تريد التحدث إليك، فأخبرها بأنك قلق بشأنها وموجود لأجلها دائماً.
  • إذا لم ترغب في التحدث إليك فشجعها على التحدث إلى شخص آخر تثق به؛ مثل فرد آخر من العائلة أو صديق مقرب أو معلمها في المدرسة.
  • قد يكون من المفيد التحدث إلى أشخاص آخرين يعرفون طفلتك مثل زوجتك أو صديقتها المقربة أو معلمها.
  • يمكنك أيضاً الاتصال بمدرستها للسؤال عما إذا كان لدى المعلمين أي مخاوف حول سلوكها مؤخراً.

بالإضافة إلى ما سبق؛ تقدم اختصاصية علم النفس السريري ستيفاني دو (Stephanie Dowd) النصائح التالية:

  • كن مسانداً واعمل على تقوية علاقتكما ببناء التفاهم من خلال وضع نفسك في مكانها. قد تشعر بالإحباط في البداية لانغلاقها على نفسها أو لأنها محبطة وعصبية.
  • حاول أن تتحقق من مشاعرها وليس سلوكها غير الصحي. على سبيل المثال يمكنك أن تقول: “يبدو أنك محبَطة مؤخراً. هل هذا صحيح؟”.
  • كن فضولياً مع إظهار التعاطف، واطرح عليها أسئلة حول مزاجها وما تشعر به بلطف. لا تؤدي دور الحكم أو القاضي، أو تحاول حل مشاكلها وفقاً لما تراه صحيحاً، حتى لو كنت لا توافق على وجهة نظرها.
  • تأكد من منحها الإيجابية، واسأل نفسك كم عدد الأشياء الإيجابية التي قلتها لها أو أشرت إليها في سلوكها اليوم، أو ما عدد الأشياء السلبية التي قلتها، ويجب أن يفوق الإيجابي منها السلبي.

كيف أعالج ابنتي من الاكتئاب؟

يتمثل علاج الاكتئاب لدى الأطفال في العلاج المعرفي السلوكي (CBT) لمساعدتهم على التحدث عما يفكرون ويشعرون به.

قد يستخدم المعالجون القصص أو اللعب أو كراس التمارين. يمكن أن تساعد هذه الأدوات الأطفال على الشعور بالراحة والاستفادة القصوى من العلاج المعرفي السلوكي، ويمكن أن يشارك الوالدان الأطفال في هذه الجلسات.

إذا تعرض الطفلة لخسارة أو صدمة أو غيرها من الأحداث الصعبة، فإن هذا العلاج سيتضمن أشياء تساعدها على الشفاء منها أيضاً. وإذا كان أحد الوالدين يعاني من الاكتئاب أو خسارة خاصة به في عمله أو حياته الشخصية، فيمكن لمعالج الطفلة مساعدته ودعمه.

كيف يمكنني وقاية ابنتي من الاكتئاب؟

يمكن أن ينتج الاكتئاب عن مواقف معينة في الحياة أو يكون له سبب بيولوجي؛ ما يعني أنه لا يمكن التحكم به في بعض الأحيان. لكن بالطبع يمكن المساعدة في تحسين الصحة النفسية لابنك أو ابنتك من خلال:

  • تشجيع ممارسة الأنشطة الرياضية بشكل يومي.
  • توفير بيئة آمنة وداعمة في المنزل والمدرسة.
  • خلق نظام للنوم يمكّنه من الحصول على قسطٍ كافٍ من الراحة.
  • الحفاظ على نظام غذائي متوازن له.

يختلف الأطفال كثيراً في احتياجاتهم وتطلعاتهم وأهدافهم، لذلك قد يكون من السهل على البعض التغلب على الاكتئاب أو القلق بالحصول على دعم مكثّف لفترة معينة، بينما قد يحتاج آخرون إلى إدارة هذه الظروف والأعراض لبقية حياتهم.

يبدأ الأمر بالانتباه إلى حالة طفلتك العاطفية والسلوكية، وإذا ظهر تغيير يثير القلق فتجب استشارة الطبيب فوراً لتشخيص حالة طفلتك جيداً، ومعرفة الطرق الأمثل لعلاجها وإدارة حالتها.

اقرأ أيضا: