لماذا نميل إلى كشف أسرارنا للغرباء؟ وهل ذلك مفيد لصحتنا النفسية؟

3 دقيقة
الغرباء
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: هل فكرت من قبل أن تتحدث إلى أحد الغرباء في وسيلة مواصلات؟ ربما تكون قد ترددت كثيراً في أخذ تلك الخطوة وظننت أنها ستقابل من الشخص الآخر بالإعراض؛ لكن دعني أخبرك بأن تلك الفكرة غالباً ما تكون في عقلك فقط وفقاً لآراء المختصين، فالحديث مع الغرباء يمكن أن يمنحك العديد من الفوائد التي نستعرضها لك بالتفصيل في مقالنا.

تبقى تجربة الحديث مع الغرباء واستكشاف الغير؛ تبقى قصة الإنسان هي الأساس لجمال هذه الحياة، تكتشف عالماً مختلفاً عبر هذا الاتصال البشري، تتغير نظرتك للحياة وتتأمل فيها كثيراً عبر الإنسان، تزداد المرونة لديك بازدياد العلاقات، يخف حنق الاختلاف في يومك عبرها وتتواضع كثيراً”. مقدم بودكاست وجدان، أسامة بن نجيفان

ما زلت حتى اليوم أذكر جيداً واحدة من رحلاتي منذ عدة سنوات التي ركبت خلالها في القطار من مدينة الإسكندرية عائداً إلى مقر إقامتي في القاهرة؛ إذ جاور مقعدي مقعد رجل خمسيني لم يصمت طوال الرحلة تقريباً، وأخبرني بكل شيء عن حياته: شريكة حياته ومشكلاته معها، طموحاته المستقبلية، أبنائه، بلده الذي رحل عنه، وكان حديثه مليئاً بالتفاصيل التي جعلتني أتعجب للغاية من عدم تحفظه؛ لكن بعد تكرار هذا الموقف في وسائل مواصلات مختلفة بدأت أبحث وراء الدوافع الحقيقية التي تجعل البشر يُفضون عما في داخل كل منهم من أسرار إلى الغرباء.

وعلى صفحات مجلة علم النفس التجريبي (Journal of Experimental Psychology) وجدت بداية الخيط، فقد نشرت المجلة دراسة علمية ضمت عينتين بحثيتين؛ الأولى لأشخاص ركبوا في الحافلة أو القطار ولم يجروا أي أحاديث مع الركاب الآخرين؛ بينما كانت العينة الثانية لركاب تجاذبوا الأحاديث مع بعضهم البعض، وكانت النتيجة أن الأشخاص في العينة الثانية أكدوا أنهم عاشوا تجارب أكثر إيجابية، وفي هذا المقال سنسحب بقية الخيط لنتعرف إلى ما يدور في الأذهان عن غموض الحديث مع الغرباء.

لماذا قد نخبر الغرباء بأسرارنا؟

يؤكد عالم الاجتماع بجامعة هارفارد الأميركية ماريو سمول (Mario Small) أننا نثق في الغرباء أكثر من الآخرين، فوفقاً لدراسة علمية أجراها سأل المشاركين عمن وثقوا بهم في الفترة الأخيرة، وكانت الإجابات غير متوقعة فأهل الثقة كانوا: نادل في مطعم، أو حلاق، أو أحد ركاب المواصلات العامة!

يفسر سمول النتيجة السابقة بأن تلك المساحة المفتوحة المتوفرة في العلاقة مع الغرباء تقف وراء إخبارهم بكل شيء، فبكل بساطة لا توجد مصالح مشتركة أو متعارضة بيننا وبينهم، وهم في الوقت نفسه لا يعرفون أشخاص مشتركين سيفشون سرنا لهم، كذلك لن نهتم برأي هؤلاء الغرباء فينا.

كيف يمكن للحديث مع الغرباء أن يفيد صحتك النفسية؟

تشير باحثة الدكتوراة في السلوك التنظيمي بجامعة هارفارد (Harvard University) هان كولينز (Hanne Collins) إلى أن تنوع العلاقات يؤثر إيجاباً في الصحة النفسية والجسدية، وتضرب مثالاً على ذلك بشخص لديه ثماني محادثات يومية فإذا كان ستة منها مع زملاء العمل واثنتان مع شريك حياته فهذا يعكس انخفاضاً في تنوعها، بينما إذا كانت محادثتين منها مع زميلي عمل ومحادثتين مع صديقين، وواحدة مع أحد الجيران وواحدة مع نادل المقهى وواحدة مع شريكه وواحدة مع والده، فهذا يدل على امتلاك علاقات متنوعة، وهو ما يشير ضمنياً إلى أهمية الحديث مع الغرباء كونه يعزز هذا التنوع.

من ناحية أخرى تعد أحاديث الغرباء واحدة من أهم الوسائل الفعالة لمواجهة الوحدة التي أثبت العلم أنها واحدة من أهم مسببات الوفاة المبكرة إلى درجة مقارنتها بالتدخين والسمنة، ورغم تخوف البعض من عدم تقبل الآخرين لمبادرتهم في الحديث إلا أن هذه المخاوف غالباً ما تكون غير واقعية وتنهار بمجرد أخذ زمام المبادرة، ليكتشفوا حينها أنهم يحجبون عنهم سعادة مجانية يومية يمكن لمحادثات الغرباء أن تمدهم بها.

وأحياناً قد تتحول الأحاديث العفوية مع الغرباء إلى صداقات دائمة، وهي في الوقت نفسه تؤدي دوراً مهماً في تعزيز ثقة الشخص بنفسه وتنمية مهاراته الاجتماعية وتقليل خوفه من الإقدام على خوض غمار التحديات الحياتية بشكل عام، كما أنها تمنحه رؤية مستنيرة للكيفية التي يرى بها الآخرون عالمهم فيجعله ذلك يفكر بعقلية أكثر إنفتاحاً.

4 نصائح عليك اتباعها عندما تقرر التحدث مع الغرباء

حسناً، إذا اقتنعت بجدوى الحديث مع الغرباء ورغبت في ممارستها ربما ستجد نفسك متخبطاً بعض الشيء وتتساءل: من أن تبدأ؟ لذا إليك بعض النصائح العملية:

  1. حاول قدر الإمكان ألا تقتحم المساحة الشخصية للآخر، وفي الوقت نفسه حافظ على خصوصياتك التي تود عدم الإفصاح عنها.
  2. إذا أخبرك شخص ما بأسرار عن حياته فلا تدع ذلك يجرفك إلى الشعور بالإلتزام أنك لا بد أن تبادله بأسرار عن حياتك، فقط استمع له وتفاعل معه بإتزان.
  3. ليس من الضروري إذا أردت محادثة أحد الغرباء أن تندمج معه في محادثة طويلة، فالمحادثات القصيرة أو حتى إلقاء التحية على المارة يمكن أن تحدث تأثيراً إيجابياً في صحتك النفسية.
  4. ابحث عن الأمور المشتركة بينك وبين الغريب الذي تحادثه فهذا سيجعل محادثتكما ثرية ومفيدة.

المحتوى محمي !!