ما هو قلق السعي إلى المكانة؟ وكيف تتعامل معه؟

7 دقيقة
قلق السعي إلى المكانة
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: تستيقظ صباحاً لتتناول قهوتك الساخنة ثم تذهب إلى عملك، وبعد أن تنتهي، تأتيك رسالة من أصدقائك القدامى تخبرك بأن هناك تجمّعاً من أجل لم الشمل. تذهب وأنت تشعر بالفرحة العارمة، وهناك تتعرف على أخبار الأصدقاء لتعود إلى منزلك وأنت مُحمَّل بخيبة الأمل والحزن الشديد؛ حيث حقق أصدقاؤك نجاحات كبرى تفوق ما حققته. ينتابك التوتر ولا تستطيع النوم بسبب قلق السعي إلى المكانة الذي سنتعرف إليه من خلال هذا المقال.

ذات مساء كثيف الضباب في مدينة باريس، ذهب بطل رواية “البحث عن الزمن المفقود” (In Search of Lost Time) إلى مطعم فاخر من أجل تناول العشاء مع صديقه الأرستقراطي. وصل الراوي مبكراً وتأخر صديقه ذو المكانة الاجتماعية المرموقة؛ ولهذا فقد حكم العاملون على الراوي بأنه ليس إلا نكرة، وتعاملوا معه بتعالٍ شديد.

ولكن فور أن وصل صديقه، تغيرت المعاملة جداً؛ حيث قدّم له العاملون أنفسهم انحناءة عميقة وعرضوا عليه أفضل الأطباق المميزة للمطعم مع ابتسامة واسعة ومعاملة راقية! هذا كله حدث بسبب المكانة الاجتماعية؛ ولهذا السبب تحديداً يسعى إليها الكثير من الناس على نحو محموم، فما قصة قلق السعي إلى المكانة؟ الإجابة من خلال هذا المقال.

ما هي المكانة؟

المكانة هي موقع الفرد في المجتمع، وعادة ما تمنح المجتمعات المختلفة المكانة لمجموعة متنوعة من الأشخاص. منذ سنوات بعيدة للغاية، كانت المكانة الاجتماعية تُمنح للصيادين والمحاربين، ثم بعد ذلك أضحت تُمنح للعائلات العريقة والكَهَنة والفرسان والمرأة الوَلود، وفي العصر الحديث، صارت المكانة من نصيب الأفراد الذين يملكون أكبر قدر ممكن من المال.

ما هو قلق السعي إلى المكانة؟

صاغ أستاذ علم الفلسفة، آلان دو بوتون (Alain de Botton)، مصطلح “قلق السعي إلى المكانة” للمرة الأولى خلال عام 2004، وذلك عبر كتابه الشهير “قلق السعي إلى المكانة” (Status Anxiety). وأكد دو بوتون إن هذا القلق قادر على إفساد مساحات كبيرة من حيواتنا، وعادة ما يحدث حين نشعر بالخوف من الفشل في مجاراة قيم النجاح التي وضعها المجتمع؛ لأن ذلك الفشل سوف يُتبع بالتجريد من شرف المنزلة والاعتبار؛ ومن ثم يعيش الأفراد حالة من الرعب لأنهم متواضعون وفي درجة أدنى بالنسبة إلى باقي المجتمع! ومن أهم مثيرات قلق السعي إلى المكانة:

  1. عدم المساواة الاقتصادية.
  2. حركة الترقيات داخل العمل.
  3. الحديث مع الأصدقاء في المجال نفسه.
  4. مقالات الصحف والتلفزيون التي تقدم الأشخاص البارزين والأكثر نجاحاً.
  5. مشاهدة حيوات الآخرين عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وعلى غرار الحسد، قد يُعد الكشف عن هذا القلق طيشاً اجتماعياً؛ ولهذا فمن النادر أن تظهر أي أعراض على الأشخاص الذين يشعرون به، وغالباً ما تبقى الحسرة داخل قلوبهم، وتقتصر أحاسيسهم على نظرة مهمومة أو ابتسامة هشة أو التوقف عن الحديث بعد معرفة إنجاز كبير حققه شخص ما.

ويضيف دو بوتون إن تحقيق المكانة الاجتماعية مهمة صعبة، والاحتفاظ بها على مدار وقت طويل أشد صعوبة! وعلى الرغم من أن قلق السعي إلى المكانة قادر على توليد المهانة والأسف والحسرة، فإنه قد يحمل بعض الفوائد؛ حيث يشجع الأشخاص على التفوق وإبراز أفضل ما لديهم من مواهب. ومع ذلك، فإن الإفراط فيه قد يكون مضراً للغاية.

اقرأ أيضاً: ما لاتعرفه عن القلق التوقعي

أسباب قلق السعي إلى المكانة

توضح أستاذة علم النفس بجامعة ميموريال في نيوفاوندلاند (Memorial University of Newfoundland)، آنا كيشابيان (Anna Keshabyan)، إن القلق الذي يتفاقم بشأن المكانة يؤثر سلباً في إحساس الأفراد بالرفاهية، وعادة ما يحدث هذا القلق للأسباب التالية:

  1. افتقاد الحب: يشرح دو بوتون أسباب قلق السعي إلى المكانة ويؤكد إنه من أهم تلك الأسباب رغبتنا في أن نكون تحت أنظار الآخرين وموضع عنايتهم، ففي الكثير من الأحيان، قد لا نسعى إلى المكانة بسبب حيازة المال أو السلطة؛ ولكن بسبب مقدار الحب والاهتمام الذي نتلقاه بسبب المكانة العالية؛ أن نشعر بأننا محط انشغال وعناية، حضورنا ملاحَظ، وآراؤنا يُنصت إليها، وعيوبنا تُقابَل بالتساهل، وحاجاتنا مُلبّاة، وفي ظل كلٍ من الحب والعناية، ننتعش ونزدهر.

ويضيف دو بوتون إن اهتمام الآخرين يُعد مهماً لأننا بحكم طبيعتنا نشعر بعدم اليقين تجاه قيمنا الخاصة. ونتيجة لهذا؛ فإننا نسمح لتقييمات الآخرين أن تلعب دوراً حاسماً في كيفية رؤيتنا لأنفسنا؛ حيث إن إحساسنا بالهوية يقع في دائرة أحكام المجتمع، ونظراً إلى عدم ثبات صورنا الذاتية؛ نشعر بالقلق المستمر إزاء الموضع الذي نشغله في هذا العالم.

  1. معايير المجتمع الحديث: إن قلق السعي إلى المكانة مدفوع جزئياً بمعتقداتنا الثقافية حول معايير النجاح في المجتمع الحديث، والحقيقة أن تلك المعايير تتغير بتغير المجتمعات؛ ولكن في الوقت الحالي، نعتقد غالباً أن المال يساوي السعادة ولهذا نحن نميل إلى النظر إلى الأشخاص الآخرين في الطبقات الاجتماعية العليا على أنهم أكثر ثقة مقارنة بمن لديهم ثروة أقل. وعلى الرغم من أن بعض الأشخاص يستخدمون تلك المعايير الحديثة لتحفيز أنفسهم بطريقة صحية والسعي إلى تحقيق النجاح التعليمي والمهني دون التضحية بالأولويات الأخرى في حيواتهم، ففي حالات أخرى، نستنفذ أنفسنا جسدياً وعاطفياً لمحاولة مواكبة أقراننا؛ ولكن يبدو أننا لا نصل أبداً إلى المكان الذي نريد أن نكون فيه، وهنا يأتي دور الحقيقة الصادمة وهي أن قلق السعي إلى المكانة لا يختفي أبداً حتى لو تمكنا من الارتقاء في السلم الاجتماعي والاقتصادي؛ ولهذا السبب تحديداً ينتهي بنا الأمر إلى الشعور بأننا نفتقر إلى الأشياء على الرغم من أننا أفضل حالاً بكثير مما كان عليه الناس في الماضي.
  2. التطلع: على الرغم من أن العصر الحالي وفّر زيادة استثنائية في الثروة والمؤن الغذائية والمعرفة العلمية وتوفر السلع الاستهلاكية، بالإضافة إلى الأمان المادي ومتوسط العمر، فإن تلك التطورات قد تزامنت مع ارتفاع مستويات قلق المكانة بين الناس وذلك بسبب التطلع؛ إنه الشعور بأننا يجب أن نكون شيئاً آخر غير ما نحن عليه الآن، وهو إحساس يزرعه فينا التعرض إلى منجزات أعلى حققها الآخرون.

وبقدر ما توفر المجتمعات الحديثة دخولاً مرتفعة لأفرادها على نحو غير مسبوق، فإنها في حقيقة الأمر تؤدي إلى إفقارنا لما تعززه في داخل كلٍ منا من تطلعات غير محدودة؛ وهو ما يؤدي إلى وجود فجوة دائمة بين ما نريد وما نستطيع دفع ثمنه؛ بين ما نريد أن نكون عليه وما نحن عليه في الحقيقة! تخلّف تلك التفاوتات في داخل كلٍ منا شعوراً بالحرمان، والثمن الذي ندفعه مقابل التطلع هو القلق المتواصل الذي ينبع من أننا أبعد ما يكون عن تحقيق ما نريد.

مكتسبات المكانة الاجتماعية

يعتقد أستاذ العلوم السلوكية والاجتماعية ومقدم برنامج “بودكاست آدم” عبر منصة ثمانية، محمد الحاجي، إن المكانة الاجتماعية توفر لأصحابها عدداً كبيراً من المكتسبات؛ وذلك مثل:

  1. الحرية: تمنح المكانة أصحابها قدراً كبيراً من الحرية إلى درجة أنها تسمح لهم بكسر الأعراف والتقاليد الاجتماعية دون عواقب. الأشخاص ذوو المكانة يلبسون كما يشاؤون ويتحدثون كما يريدون من دون خوف. على سبيل المثال؛ حضر الملياردير الأميركي إيلون ماسك مباراة النهائي في كأس العالم بقطر عام 2022 بين الملوك ورؤساء الدول وهو يرتدي تيشرتاً بسيطاً للغاية وجاء بشعر غير مصفف.
  2. جودة حياة أفضل: على مر الزمان، كانت المكانة تمنح أصحابها جودة حياة أفضل. على سبيل المثال؛ في العصر الحجري، كان الذكور ذوو المكانة يتناولون الطعام الأفضل وينتزعون الإناث الأكثر جاذبية والأكثر خصوبة. ومع ذلك، حتى لو استبعدنا هذه الفوائد التطورية النظرية، فإن نظرة سريعة إلى المجتمع الحديث تؤكد أن أصحاب المكانة يتمتعون بنفوذ وقوة أكبر من أولئك الذين هم أقل على السلم الاجتماعي، ويحصلون على مكافآت وامتيازات معينة لا يحصل عليها الآخرون.
  3. مشاعر التقدير والتكريم: يضيف الحاجي إن المكانة الاجتماعية تزوّد أصحابها بمشاعر التقدير والحب والتكريم وقبول الآخرين إلى درجة أن صاحب المكانة يُحتفى به حتى في الأمور التافهة، وتصير تعليقاته البسيطة محط إعجاب الآخرين؛ وهذا ما نراه جلياً على مواقع التواصل الاجتماعي.

والعكس صحيح؛ المحرومون من المكانة لديهم ما يُعرف باسم “متلازمة المكانة” التي تأتي مع عدة أعراض مثل الكآبة والحزن المزمن والغضب بسبب قلة الاحترام والتقدير التي تصل أحياناً إلى حد الإقصاء والتهميش. ومن هنا يأتي الشعور بالعجز المكتسب، ويبدأ الشخص المُهان بالبحث عن ذاته إما عن طريق الهجرة وإما بالانتماء إلى مجتمع آخر يبحث من خلاله عن المكانة على نحو محموم، حتى لو كان هذا المجتمع مخالفاً للقوانين، وهنا يتجسد المَثَل القائل: “الطفل الذي لا تحتضنه القبيلة، سيحرقها كاملة حتى يشعر بالدفء”!

اقرأ أيضاً: 7 عادات لاستخدام هاتفك الذكي تؤكد إصابتك بالقلق

هل أنت شخص يبحث عن المكانة؟

وضعت أستاذة علم النفس في جامعة ديكين (Deakin University)، بياتريس ألبا (Beatrice Alba)، مع زملائها مقياساً يمكنه تحديد مواقف الأشخاص تجاه المكانة؛ وذلك من أجل قياس مدى ارتباطها باحترام الذات والمقارنة الاجتماعية والقدرة التنافسية. ومن أجل معرفة المكان الذي تقع فيه، جرّب هذا الاختبار البسيط، وأجب هذه الأسئلة برقم بين 1 و7؛ حيث يشير الرقم 1 إلى عدم الموافقة والرقم 7 إلى الموافقة بشدة:

  1. لا يهمني أين أقف في النظام الاجتماعي.
  2. أنا لست مهتماً بمحاولة إقناع الناس.
  3. لا أقضي الكثير من الوقت بالتفكير فيما إذا كنت جيداً بما يكفي مقارنة بالآخرين.
  4. إذا لم يرانِ الآخرون شخصاً مميزاً، فهذا ليس بالأمر الكبير.
  5. أنا لا أقارن نفسي بالآخرين.
  6. عندما أنجح في شيء ما، أحب أن أخبر الناس عنه.
  7. عندما أحقق شيئاً ما، فإنني أميل إلى التزام الصمت بشأنه.
  8. حين تكون لديّ أخبار جيدة، لا أحتاج إلى إخبار الجميع.

وبالطبع، تشير الدرجة المنخفضة إلى أنك قلق بشدة تجاه المكانة. وفي حين أن هذا القلق يبدأ من مقارنة أنفسنا بالآخرين؛ إلا أنه ينتهي على نحو غير صحي حيث يشعر الشخص بالعار وتدني احترام الذات. ففي كتابهما “أفلوينزا: عندما لا يكفي الكثير أبداً” (Affluenza: When Too Much is Never Enough)، يربط المؤلفان كلايف هاملتون (Clive Hamilton) وريتشارد دينيس (Richard Denniss)، بين قلق المكانة والإفراط في الاستهلاك وحمى الشراء والعمل الزائد؛ ما يؤدي في نهاية المطاف إلى الإصابة بالاضطرابات النفسية والضيق والاغتراب. ولذلك؛ فإن الإحساس بالعار الذي يكمن في قلب قلق السعي إلى المكانة له تأثير طويل المدى في الصحة النفسية.

كيف يمكن التعامل مع قلق السعي إلى المكانة؟

عندما يدفعك قلق المكانة إلى إنفاق الكثير من المال أو مقارنة نفسك مع الأشخاص على وسائل التواصل الاجتماعي بقلق شديد، يمكنك اتخاذ بعض الخطوات لتقليل هذه السلوكيات؛ مثل:

  1. فكر فيما يعنيه النجاح بالنسبة إليك: لا تحاول تحقيق النجاح من منظور الآخرين مثل العائلة والأصدقاء والمجتمع ككل. تخلّص من أي توقعات خارجية، وفكر كيف تحدد النجاح لنفسك في جوانب مختلفة من حياتك، وما الخطوات التي عليك اتخاذها للوصول إلى هناك. أعِد التركيز على نفسك، وحاول تقليل الضوضاء الصادرة عن الآخرين وتوقعاتهم المتحيزة، وتذكَّر أن قلق السعي إلى المكانة يحدث عندما نعتقد أننا لا نلبي معايير المجتمع للنجاح مقارنة بأقراننا.
  2. تَحرّر من لعبة المكانة الاجتماعية: وذلك من خلال استبدال بدائل صحية بالسلوكيات غير العقلانية التي تسعى إلى المكانة، فالقيمة موجودة في الفعل نفسه وليس في المعيار الظاهري الذي يحدده المجتمع.
  3. فكر في الأنماط التي تحدد دوافعك: إذا لاحظت أنك تنجذب غريزياً إلى الإجراءات بناءً على احتمالية زيادة المكانة، فدوّن ذلك في دفتر يومياتك. خذ وقتاً للتفكير فيما إذا كان الهدف أو الدافع يتوافق حقاً مع قيمك، أو إذا كان المجتمع دفعك إلى ذلك. لنفرض أنك ترغب في التسوق عبر الإنترنت، أضف العناصر التي تريدها إلى سلة التسوق الخاصة بك ولكن اتركها هناك طوال الليل. بعد قضاء ليلة والتفكير في الأمر بتمعن، ألقِ نظرة على عربة التسوق الخاصة واسأل نفسك ما إذا كنت ما تزال تريد التسوق.
  4. أحِط نفسك بأصدقاء يشبهونك في التفكير: إذا كان زملاؤك أو أصدقاؤك أو كانت عائلتك مدفوعة بقلق السعي إلى المكانة، فمن الصعب عدم الانجرار إلى السعي وراء علامات النجاح الخارجية، والأسوأ من ذلك أنك قد تجد نفسك تلعب لعبة المزايدة في حلقة مفرغة من محاولة الظهور أفضل من أقرانك. ولتجنب هذا الفخ، ابحث عن أصدقاء متحررين من لعبة المكانة، وسيساعد ذلك على تجنب الشعور بالنقص والرغبة في مواكبة الآخرين.
  5. تعلَّم مهارات جديدة: عوضاً عن السعي الحثيث وراء معايير المجتمع والقواعد التي يضعها للنجاح، ركز على تعلم مهارات جديدة تفيدك في تطوير نفسك كفرد وتزيد ثقتك بنفسك وتعزز إمكانياتك، وتذكر دائماً أن هناك فرقاً بين تحقيق الأهداف التي تتماشى مع قيمنا وتجعلنا نشعر بالرضا حقاً وبين الأهداف التي نسعى إليها فقط أملاً في كسب المكانة.

المحتوى محمي !!