ما هي العواقب النفسية والجسدية للعنف المنزلي على الأسرة؟

العنف المنزلي
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

أن يحيا المرء في بيئة آمنة هو حق من حقوقه التي يجب أن يحصل عليها دون مساومات أو تنازلات؛ لكن انتشار وباء العنف المنزلي الذي تشير الإحصائيات إلى ارتفاع معدلاته بين النساء والأطفال، ينتهك هذا الحق الأصيل بقوة؛ حيث يستخدمه المعتدي كحق له، ويُرهب الضحية للسكوت؛ ما يزيد من العواقب السلبية على الصحة النفسية والجسدية.

ما هو العنف المنزلي؟

العنف المنزلي هو أحد أنماط السلوك في أي علاقة؛ والذي يُستخدم لاكتساب أو الحفاظ على السلطة والسيطرة على الضحية. قد يتخذ هذا العنف شكلاً جسدياً أو جنسياً أو عاطفياً أو اقتصادياً أو نفسياً.

يتضمن ذلك أيضاً أي سلوكيات ترهيب أو تلاعب أو إيذاء أو إهانة أو لوم أو جرح، ويمكن أن يحدث بين الأزواج، أو يُمارس على الأطفال أو أي من أفراد الأسرة، وهو يؤثر في الناس من جميع الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية ومستويات التعليم؛ أي أنه يمكن لأي شخص أن يكون ضحيةً للعنف المنزلي.

كذلك، فهو عادة ما يتصاعد من حيث التكرار والخطورة، وقد تبلغ حالات العنف المنزلي ذروتها بإصابة جسدية خطيرة أو الوفاة.

تأثير العنف المنزلي في المرأة

تشير التقديرات التي نشرتها منظمة الصحة العالمية عام 2018، لتحليل بيانات انتشار العنف المنزلي من عام 2000 إلى 2018 عبر 161 دولة، إلى أن نحو 1 من كل 3 من النساء اللاتي تتراوح أعمارهن بين 15-49 حول العالم، قد تعرضن للعنف الجسدي أو الجنسي من الشريك، أو العنف الجنسي من شخص آخر غير الشريك في حياتهن.

تتراوح التقديرات لانتشار هذا النوع من العنف لتصل إلى 22% في البلدان ذات الدخل المرتفع وأوروبا، و25% في الأميركتين، و33% في المنطقة الأفريقية، و33% في منطقة جنوب شرق آسيا.

علاوةً على ذلك، فقد ازداد الأمر سوءاً خلال عمليات الإغلاق في أثناء جائحة “كوفيد-19″، وازدادت معدلات العنف ضد النساء، مع الحد من القدرة على الوصول إلى الخدمات أو تلقي الدعم؛ ما أدى لتفاقم المشكلة.

اقرأ أيضاً: ما هو العنف العادي بين الزوجين؟

العواقب الصحية للعنف المنزلي

يتسبب العنف المنزلي في مشاكل صحية جسدية وعقلية وجنسية وإنجابية خطيرة، قصيرة وطويلة الأمد للمرأة، كما أنه يؤثر في صحة الأطفال ورفاههم.

قد يؤدي ذلك العنف إلى إصابات بالغة؛ حيث أبلغت 42% من النساء اللاتي تعرضن لعنف الشريك عن إصابة نتيجة لهذا العنف. كما أنه قد يؤدي إلى الحمل غير المرغوب فيه وخاصة في حالة العنف الجنسي، والإجهاض القسري، وانتشار الأمراض المنقولة جنسياً؛ بما في ذلك فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز).

وجدت دراسة لمنظمة الصحة العالمية لعام 2013 حول العبء الصحي المرتبط بالعنف ضد المرأة، أن النساء اللائي تعرضن للاعتداء الجسدي أو الجنسي، كنّ أكثر عرضة بمعدل 1.5 مرة للإصابة بعدوى تنتقل عن طريق الاتصال الجنسي، مقارنةً بأولئك اللواتي لم يتعرضن لعنف الشريك.

بالإضافة إلى ذلك؛ يمكن لذلك العنف خلال فترة الحمل أن يزيد من احتمالية الإجهاض، وولادة جنين ميت، والولادة المبكرة، وانخفاض وزن الأطفال عند الولادة. كما أظهرت الدراسة ذاتها أن النساء اللواتي تعرضن لعنف الشريك الحميم كنّ أكثر عرضة للإجهاض بنسبة 16%، وأكثر عرضة للولادة المبكرة بنسبة 41%.

جدير بالذكر أن هذه الأشكال من العنف يمكن أن تؤدي إلى الاكتئاب وكرب ما بعد الصدمة واضطرابات القلق وصعوبات النوم، بالإضافة إلى اضطرابات الأكل وارتفاع محاولات الانتحار.

اقرأ أيضاً: كيف تحد شبكات التواصل الاجتماعي من قدرة النساء على التعبير عن العنف الأسري؟

آثار العنف المنزلي في الأطفال

في كثير من الأحيان؛ يطول العنف المنزلي الأطفال بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. تتمثل آثار العنف المنزلي على المدى القصير، في شعور الأطفال في المنازل التي يتعرض فيها أحد الوالدين للإيذاء بالخوف والقلق؛ قد يكونون دائماً على أهبة الاستعداد خائفين من تكرار هذا الحدث العنيف. وتختلف هذه الآثار حسب عمر الطفل:

1. الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة

قد يبدأ الأطفال الصغار الذين يشهدون هذا العنف المنزلي في القيام بأشياء اعتادوا القيام بها عندما كانوا أصغر سناً؛ مثل التبول في الفراش، ومص الإبهام، وزيادة البكاء، والأنين. قد يصابون أيضاً بصعوبة في النوم أو البقاء نائمين لفترات طويلة. كما قد تظهر عليهم علامات الرعب؛ مثل التلعثم أو الاختباء، وعلامات القلق الشديد.

2. الأطفال في سن المدرسة

قد يشعر الأطفال في هذه الفئة العمرية بالذنب تجاه الإساءة، ويلومون أنفسهم عليها؛ حيث يؤدي العنف المنزلي وسوء المعاملة لتزعزع احترام الأطفال لذواتهم، وقد يدفعهم إلى العزلة وعدم المشاركة في الأنشطة المدرسية؛ ما يؤثر سلباً في قدرتهم على تكوين صداقات، وقد يحصلون على درجات سيئة، ويشعرون في كثير من الأحيان بالصداع الشديد وآلام المعدة.

اقرأ أيضا:

3. المراهقون

قد يتصرف المراهقون الذين يشهدون الإساءة بطرق سلبية؛ مثل الشجار مع أفراد الأسرة بعنف. كما أنهم قد ينخرطون في سلوكيات محفوفة بالمخاطر، أو يعانون من تدني احترام الذات، ويواجهون صعوبة في تكوين الصداقات.

كذلك؛ قد يبدؤون المشاجرات، أو يتنمرون على الآخرين، ويكونون أكثر عرضة للوقوع في مشاكل مع القانون. هذا النوع من السلوك أكثر شيوعاً عند الفتيان المراهقين الذين يتعرضون للإيذاء في مرحلة الطفولة، مقارنة بالفتيات المراهقات اللاتي يكنّ أكثر عرضة للانسحاب والعزلة والمعاناة من الاكتئاب.

بينما تشمل الآثار طويلة المدى للعنف المنزلي على الأطفال إساءة معاملة الشريك في العلاقات المستقبلية، فالصبي الذي يرى والدته تتعرض لسوء المعاملة أكثر عرضة للإساءة لشريكته كشخص بالغ بـ 10 مرات، والفتاة التي تكبر في منزل يعتدي فيه والدها على والدتها ستكون أكثر عرضة للإيذاء الجنسي من الفتاة التي تكبر في منزل غير مسيء بمقدار 6 مرات.

بالإضافة إلى ذلك، فالأطفال الذين يشهدون أو يقعون ضحايا للاعتداء العاطفي أو الجسدي أو الجنسي، هم أكثر عرضة للإصابة بالمشاكل الصحية كبالغين. يمكن أن يشمل ذلك حالات الاضطرابات النفسية والاكتئاب، والقلق، وضعف الثقة بالنفس، والإصابة بأمراض كالسكري، والسمنة، وأمراض القلب، ومشكلات أخرى.

اقرأ أيضا:

عوامل الخطر للعنف المنزلي

قد تؤدي بعض عوامل الخطر الفردية غير المباشرة إلى العنف؛ مثل تدني احترام الذات، وتعاطي المواد المخدرة، ونقص مهارات حل المشكلات الاجتماعية دون عنف، وسمات الشخصية المعادية للمجتمع ومشاكل السلوك، بالإضافة إلى ضعف السيطرة السلوكية والاندفاع، ووجود تاريخ من التعرض للإيذاء الجسدي أو العاطفي، مع وجود عدد قليل من الأصدقاء والعزلة عن الآخرين.

كذلك؛ تؤجج الرغبة في السلطة والسيطرة في العلاقات، والعداء تجاه المرأة، وصراعات العلاقات؛ بما في ذلك الغيرة أو التملك، وحب الهيمنة في العلاقة والتحكم فيها من قبل أحد الشريكين على الآخر، هذا العنف.

كما أن للعوامل الاجتماعية دوراً حيوياً؛ التواجد في محيط مجتمعي لا يعرف فيه الجيران أو يهتمون ببعضهم بعضاً وتنخفض فيه المشاركة المجتمعية بين السكان، مع عدم وجود عقوبات صارمة ضد العنف المنزلي، يزيد من احتمالية ارتفاع معدلات هذا العنف في تلك البيئة.

كيفية التعافي من العنف المنزلي

يمكن منع العنف ضد المرأة بدايةً من توعيتها بأن البقاء في بيئة تتعرض فيها للعنف هو انتهاك غير مقبول لحقوقها. كذلك؛ يؤدي قطاع الصحة دوراً مهماً في توفير الرعاية الصحية الشاملة للنساء اللائي يتعرضن للعنف، وإحالتهن إلى خدمات الدعم الأخرى -النفسية والاجتماعية- التي قد يحتجن إليها.

أما بالنسبة للأطفال، فكل طفل يستجيب بشكل مختلف لسوء المعاملة والصدمة؛ بعض الأطفال يكونون أكثر مرونة وبعضهم أكثر حساسية. يتوقف مدى نجاح الطفل في التعافي من سوء المعاملة أو الصدمة على عدة أشياء؛ مثل وجود نظام دعم جيد، أو علاقات جيدة مع بالغين موثوق بهم، والشعور باحترام الذات العالي، ووجود صداقات صحية.

وكلما تمكّن الطفل من الحصول على المساعدة، زادت فرصته في أن يصبح بالغاً سليماً عقلياً وجسدياً. يمكن أن يتحقق ذلك بمساعدة الأم أو الأقارب عبر منح الطفل الشعور بالأمان، والتحدث معه عن العلاقات الصحية باتخاذ تلك العلاقة المسيئة فرصة لتوضيح كيف تبدو العلاقات الصحية الخالية من العنف، ويساعده ذلك على معرفة ما هو صحي عندما يبدأ علاقاته الخاصة. بالإضافة إلى أهمية مساعدة الطفل على العثور على نظام دعم موثوق؛ مثل معالج نفسي أو شخص بالغ موثوق به يمكنه تقديم الدعم المستمر.

إن توعية الأفراد الذين يتعرضون للعنف المنزلي بأن ذلك ليس خطأهم، وأنهم يستحقون بيئة آمنة يعيشون فيها دون الشعور بالخوف الدائم، لهو حجر الزاوية، والبداية الحقيقية في دخولهم مرحلة التعافي التي تحتاج إلى دعم قوي من الدوائر الاجتماعية المحيطة، بالإضافة إلى الدعم النفسي من المختصين.