“صاحب الأثرياء لتكن منهم”: كيف أثبت العلم صحة هذه المقولة؟

5 دقيقة
صاحب الأثرياء
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: محمد محمود)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: أجرت مجموعة من الباحثين في عام 2022 دراسة كبيرة حول الصداقة، وكيف تؤثّر في مقدار الأموال التي يجنيها الناس. حيث حلّلوا بيانات 72 مليون مستخدم لمنصتي إنستغرام وفيسبوك، لمعرفة مدى قوة دوائرهم الاجتماعية. اقرأ المقال لمعرفة باقي التفاصيل.

صاحب الأثرياء، تصبح ثرياً؛ هذه ليست واحدة من تلك العبارات المخصّصة للتنمية والتطوير الذاتي، إنها حقيقة علمية أثبتها دراسة واسعة النطاق، توصّلت أبرز نتائجها إلى أن الصداقات بين الأغنياء والفقراء هي المفتاح للحد من عدم المساواة الاقتصادية للأفراد. حيث تعتبر الصداقات بين الأغنياء والفقراء مقياساً ذا أهمية إلى جانب عوامل أخرى مثل وجود آباء أثرياء أو حضور مدارس عالية الجودة في زيادة دخل الأفراد الذين نشؤوا مع أصدقاء أثرياء في طفولتهم بنسبة 20%.

وربما تكون هذه الدراسة أكدت صحة حكمة قديمة كان يوصي بها الأجداد؛ فإن صاحبت فصاحب من هم قادمون من بيئة ناجحة أو تربوا في ظروف أفضل. فالمعلومات والفرص التي تأتي عن طريق روابط اجتماعية كهاته تكون هائلة.

كيف تؤثّر صداقاتك في حياتك المالية؟

هل سمعت يوماً مقولة “أرني أصدقائك، وسأريك مستقبلك”؟ أو “قل لي من تصاحب أقول لك من أنت”؛ لقد تبيّن بالفعل أن ثمّة حقيقة في هذه المقولات أكثر مما قد ندرك، وبخاصة عندما يتعلق الأمر بشؤوننا المالية. فمن نحيط أنفسنا بهم يمكن أن يؤثّروا على نحوٍ كبيرٍ في عاداتنا المالية التي تشكل في نهاية المطاف مستقبلنا المالي. يمكن بناء الثروة مع الأصدقاء إذا كنت تشترك معهم في نفس القيم والمبادئ بخصوص المال. إذ يمكنكم الادخار أو الاستثمار معاً. فالأمر كله يتعلق بدعم بعضكم البعض نحو مستقبل مالي أفضل. باختصار يمكن أن يؤثّر أصدقائك في حياتك المالية بأشكالٍ عدّة، نذكر منها الآتي:

  • يمكن لمواقف أصدقائك تجاه المال أن تؤثّر في عقليتك المالية؛ فإذا كان تركيزهم كله هو الإنفاق، فقد تختبر الضغط المالي لأنك تضطر لمواكبتهم في ذلك.
  • وجود أصدقاء مسؤولين مالياً يمكن أن يحفزّك على القيام بعملٍ أفضل. إذ قد يشجعونك على الادخار والاستثمار واتخاذ خيارات مالية أكثر ذكاءً.
  • يمكن أن يؤثر ضغط الأقران في عاداتك المالية، مثل التوّرط في مخططات محفوفة بالمخاطر. فإحاطة نفسك بالأصدقاء الذين يُقدرون الاستقرار المالي يمكن أن يساعدك على البقاء على المسار الصحيح.

اقرأ أيضاً: كيف تكشف ربطة عنق الفراشة الكثير عن علاقاتنا

الصداقات بين الطبقات الاجتماعية المختلفة تعزّز زيادة الدخل

أجرت مجموعة أبورتيونيتي إنسايتس (Opportunity Insights) في جامعة هارفارد في عام 2022 أبحاثاً واسعة النطاق باستخدام بيانات مستخدمي منصات ميتا (Meta)، لمعرفة مدى ارتباط الروابط الاجتماعية بالحركة الاقتصادية. تعاون الخبير الاقتصادي الأميركي، راج شيتي (Raj Chetty) وفريقه مع شركة ميتا للتكنولوجيا المالكة لمنصة ميتا للتواصل الاجتماعي التي ساعدت الباحثين من خلال مشاركة بيانات 72.2 مليون مستخدم للمنصة، تتراوح أعمارهم بين 25 إلى 44 عاماً بوساطة برنامج “داتا فور غوود” (Data for Good) الخاص بها. ما نتج عنه نشر ورقتين بحثيتين في مجلة نيتشر (Nature)، وأطلس رأس المال الاجتماعي (Social Capital Atlas).

تمكن الباحثون في فريق شيتي، وباحثون آخرون من جامعات هارفارد ونيويورك وستانفورد من تحليل بيانات مستخدمي ميتا وإنستغرام في أميركا مع مراعاة خصوصية المستخدمين. فتوصلوا إلى أن وجود روابط اجتماعية قوية يمكن أن يساعد الناس على الارتقاء اقتصادياً، وبخاصة في المناطق السكنية التي يتواصل فيها الأشخاص من مستويات الدخل المختلفة على نحوٍ أكبر. ما يؤكد أن الروابط بين طبقات مختلفة الاجتماعية ضرورية للحراك الاقتصادي.

ما العلاقة بين زيادة فرصك المالية وتنوع صداقاتك؟

ومن بين النتائج أيضاً التي توصل إليها الباحثون في الأبحاث السالفة الذكر؛ إن الأطفال من الأسر الفقيرة الذين لديهم أصدقاء من مستويات دخل مختلفة لديهم فرص أكثر لكسب المزيد من المال عندما يكبرون، بنسبة 20% أكثر في المتوسط. وكان ذلك صحيحاً حتى في المناطق السكنية ذات مستويات الثروة المختلفة.

ويوضّح الباحثون إن هذه الصداقات بين الطبقات مهمة للغاية للارتقاء اقتصادياً، حتى أكثر من عوامل أخرى مثل مدى جودة المدارس أو فرص العمل. وعلى الرغم من أن هذه النتائج تدل على أن مجرّد العيش في حي فقير لا يعيق فرص الأفراد في الكسب الجيّد. تكمن المشكلة في أن الأطفال الذين ينتمون إلى بيئاتٍ ذات دخلٍ منخفض لا تُتاح لهم الفرص الكثيرة لتكوين صداقات مع ذوي الدخل المرتفع.

ويعود السبب غالباً إلى المكان الذي يلتقون فيه. على سبيل المثال، يميل الأطفال الأثرياء إلى تكوين صداقاتٍ في الكلية، وهو أمر لا يعد خياراً متاحاً للجميع. بالإضافة إلى ذلك، حتى في الكلية، من غير المرجح أن يكوّن الطلاب الفقراء صداقاتٍ مع الطلاب الأثرياء، وهو نمط يسمى “تحيز الصداقة” (Friending Bias). ويتأثر هذا التحيز بعوامل مثل الأماكن التي يتفاعل فيها الناس، كالمدارس أو المؤسسات الدينية، والتي يمكنها إما سد الفوارق الطبقية أو تعزيزها.

ولمعالجة هذه المشكلة، قد تعيد المدارس التفكير في كيفية تجميع الطلاب في مجموعات، أو حتى تغيير التصميم الفيزيائي لتشجيع التفاعل بين المجموعات المختلفة. ولكن من المهم أيضاً أن نتذكر البرامج التقليدية، مثل التدريب الوظيفي، الذي يربط بين الأشخاص ويبني شبكات اجتماعية، والتي يمكن أن تساعد أيضاً في قابلية الانتقال التصاعدي (Upward Mobility)؛ ويُقصد به المعدل الذي يتقدم به الموظفون إلى أدوارٍ جديدة، وفرصٍ إضافية. لذا، فالأمر لا يتعلق فقط بتغيير المؤسسات؛ يتعلق كذلك ببناء روابط أفضل بين الناس من مختلف الطبقات الاجتماعية.

المرونة والدعم في الصداقة؛ وارن بافيت وبيل غيتس كنموذج

يمكن لأصدقائك المقربين أن يؤدوا دوراً كبيراً في نجاحك. فقد وجدت دراسة نشرت نتائجها في عام 2016، أشرفت عليها المحاضرة في علم النفس في جامعة برايتون الإنجليزية، ريبيكا غرابر (Rebecca Graber)، إن وجود أعز صديق في حياتك يساعدك على التعافي من الأزمات والأوقات الصعبة، وهو أمر مهم لتحقيق النجاح. في هذه الدراسة؛ تم تقييم 75 شخصاً بناءً على مرونتهم، ومهارات التأقلم لديهم، واحترام الذات، وعلاقتهم مع أعز أصدقائهم. وبعد مرور عامٍ واحد، أظهر أولئك الذين لديهم صداقات أفضل مرونة أعلى.

ولن نذهب أبعد من الثنائي الشهير، المليارديرين ورجلا الأعمال الأميركيين، وارن بافيت (Warren Buffett) وبيل غيتس (Bill Gates) لنعطي مثالاً حياً على أثر الصداقة في النجاح. لقد حافظا على صداقتهما لعقودٍ من الزمن، يتشاركون أفكار الأعمال ويناقشون ترندات النشاط الصناعي.

يؤكد بافيت على أهمية اختيار الأصدقاء بحكمة في محادثة له مع غيتس في جامعة كولومبيا. أما غيتس، فيقول في محاضرةٍ له أمام طلاب جامعة نبراسكا في كلية لينكولن لإدارة الأعمال في عام 2005: “أستطيع أن أقول أنه على الرغم من أننا أتينا من اتجاهات مختلفة، فإن أنواع الأشياء التي أذهلتنا والتي اعتقدنا أنها مهمة كانت متشابهة إلى حدّ كبير”، ويُضيف، إن بعض الأصدقاء يُبرزون أفضل ما لديك، لذلك؛ إن الأمر يستحق الاستثمار في تلك الصداقات.

ما معايير اختيار الأصدقاء الداعمين؟ 

يستهلّ الاستشاري النفسي، أحمد هارون، مداخلة تلفزيونية له حول الأصدقاء بقوله: “من لم يعد صديقك لم يكن أصلاً صديقك”، موضّحاً إن افتراض أن أحدهم هو صديقك من دون أن يُبرهن لك على ذلك مع مرور الوقت هو تشوه معرفي تعاني منه.

ويُضيف إن تراكم نوعية المواقف والتجارب التي يدعمك فيها صديقك ويُساندك وتبادله الدعم والسند هو المعيار الذي تقرّر من خلاله ما إذا كانت تلك الصداقة جيّدة وحقيقية. ويشدّد هارون على ضرورة معرفة الفرق بين المعارف والزملاء والأصدقاء.

هذا يتركنا بفكرةٍ أكيدة مفادها أن ما يهم في الصداقات هو الجودة، وليس الكم. فعدد أصدقائنا لا يهم بقدر ما يهم ما يضيفه هؤلاء لحيواتنا، وما نستطيع نحن أيضاً أن نجلبه لهم. لذا، بدلاً من التركيز على صداقاتٍ السطحية، اختر علاقاتك بناءً على قيمٍ ستستثمر فيها. ولمزيدٍ من النصائح القيّمة والعملية لاختيار الأصدقاء الداعمين، نقترح عليك الآتي:

  • حدد ما تعنيه الصداقة الجيدة بالنسبة لك: هل تعتقد أن الصديق الجيد هو من يكون متاحاً في الوقت الذي تحتاجه؟ أم من يستطيع أن يكون مستمعاً جيداً عندما تتحدّث إليه؟ من المهم أن تعرف السمات التي تسعى إلى تجسيدها في صداقتك.
  • اسعى وراء أصدقاءٍ يشاركونك القيم التي تؤمن بها: لا تحتاج بالضرورة إلى أن تكون لديك نفس اهتمامات أصدقائك، ولكنكم بحاجةٍ إلى قيم متناغمة. فلا يمكن لقيم أصدقائك أن تتعارض مع قيمك أو تُعيقها.
  • خصص وقتاً لأهم أصدقائك: إذا لم يكن لديك ولدى صديقك القدرة على التواصل بانتظام، وقضاء وقتٍ جيد، فقد لا تكونان مناسبين لبعضكما.

اقرأ أيضاً: نصائح الخبراء لتُميّز الصداقات الحقيقية وتحافظ عليها

وفي الأخير، ربما تظهر بعض الصداقات في النصف الأول من حياة كلّ واحدٍ منا بشكلٍ عفوي. فثمّة أصدقاء الحي، والمدرسة. هم أشخاص لا نختارهم بوعي أو ننتقيهم بمعايير محددة، بل تفرضهم دروب الحياة. لكن كلما تقدم بنا العمر نعلم أن من نحيط أنفسنا بهم يؤثرون بشكل واضح في مستقبلنا ومن ضمنه مستقبلنا المالي.

المحتوى محمي !!