خوف الطفل من النوم ليلاً: الأسباب والحلول

خوف الطفل من النوم
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

يعاني جميع الأطفال تقريباً ما يسمى “اضطرابات النوم البسيطة” التي تتمثل في عدم القدرة على الاستغراق في النوم بسرعة أو الخوف من الظلام أو الكوابيس التي توقظهم من نومهم، وليس ثمة ما يثير القلق حول هذه الاضطرابات طالما أنها عَرَضية ولكن تكرارها المستمر قد يشير إلى مشكلة نفسية خفية يعاني منها الطفل وهي “خوف الطفل من النوم” وتؤدي إلى اضطراب ليالي الأسرة بأكملها.

تستيقظ لبنى ذات الأربع سنوات كل ليلة وهي تبكي خوفاً بسبب الكوابيس، وتتساءل والدتها التي سيطر عليها التعب وأقضَّ مضجعها متى سينتهي ذلك! كانت طفلتها تتساءل عن الموت كثيراً مؤخراً ويبدو أن هذه الأسئلة تدور في ذهنها حتى في أثناء نومها. وعن ذلك تقول مختصة علم النفس ليليان نيميت بيير (Lyliane Nemet-Pier): “على الرغم من الحماية كلها التي نحاول أن نحيط الطفل بها، فإنه بحاجة إلى فهم ما يمر أو يشعر به خلال اليوم، ولا سيما عندما يجد نفسه وحده ليلاً في مواجهة مع ذاته”. بالنسبة إلى لبنى فمن الطبيعي أن تنتهي حالات الاستيقاظ الليلي من تلقاء نفسها قريباً؛ كما هو الحال مع جميع الأطفال الذين يقضون عدة ليالٍ صعبة بعد يوم حافل، أو في الفترات الصعبة من حياتهم كالانتقال إلى سكن جديد أو دخول المدرسة أو حالة الحداد التي تعيشها الأسرة وغيرها. وتقول المختصة: “لكن تكرار الأمر بصورة مستمرة يشير إلى مشكلة لدى الطفل؛ مثل قلة اهتمام والديه به خلال اليوم أو مواجهة صعوبة في الانفصال عنهما في وقت النوم أو التغلب على مخاوفه”. نوضح فيما يلي بعض السبل لمساعدتك على فهم أسباب خوف الطفل من النوم وعدم قدرته على النوم ليلاً وكيفية التغلب عليها.

طفلي يرفض الذهاب إلى سريره

في كثير من الأحيان يشير رفض الطفل الذهاب إلى الفراش ليلاً إلى خوف الانفصال وذلك لأنه لم يجلس مع والديه بما يكفي خلال اليوم. ولمعرفة إذا كان هذا هو السبب وراء محاولة الطفل تأجيل موعد النوم، فكل ما على الوالدين فعله مراجعةُ أحداث يومه والتساؤل: هل قضينا وقتاً فعلياً معه خلال اليوم؟ وهل كنا حاضرين لأجله؟ وتؤكد ليليان نيميت بيير إن الطفل بحاجة إلى وقت يخصَّص له وحده فقط، وعلى الوالدين خلال ذلك الابتعاد عن كل ما يشغلهما عنه كالتلفاز والهاتف المحمول والتركيز على التواصل والحوار معه.

قد يرفض الطفل الذهاب إلى الفراش في مرحلة عقدة أوديب؛ أي بين سنَّي 3-5 سنوات وذلك بدافع غيرته من الوالد الذي يوافقه في الجنس لأنه يبدأ في هذه المرحلة بالتساؤل عن الحياة الجنسية وعما يحدث بين والديه ومن ثم فهو لا يريد تركهما وحدهما. وتوضح المختصة قائلةً: “يرفض الطفل النوم في هذه الحالة ليحاول تأكيد قوته ومعرفة ما يحدث خلال هذا الوقت من اليوم، فيعبر عن رفضه ليرى إلى أي مدىً يمكنه استغلال الوضع، فيقول لوالدته مثلاً: “أعطني قبلةً أخرى” أو “احكي لي حكايةً أخرى” أو “أحضري لي كوباً من الماء” أو “خذيني إلى الحمام”، وهكذا. وتنصح المختصة في هذه الحالة بتطبيق عادات صارمة للنوم لها وقتا بداية ونهاية محددان والالتزام بذلك، وتقول: “عندما لا نضع حدوداً واضحةً لوقت الذهاب إلى النوم فإن الطفل سيحاول التلاعب به”.

من جهة أخرى فإن الوالدين قد يعانيان بدورهما من مشكلة الانفصال عن الطفل في وقت النوم ما يؤثر سلباً فيه، ووفقاً للمختصة فإن الانفصال عن الأطفال ليلاً يسبّب ألماً لبعض الآباء لا سيما أولئك الذين يشعرون بالذنب لعدم تخصيص وقت كافٍ للطفل؛ كما أنهم يستعيدون آلام الانفصال الذي قد يكونون عانوه في طفولتهم ولذلك يمكن أن يُكلّف الوالد الذي لا تنتابه هذه المشاعر بمهمة أخذ الطفل إلى السرير.

طفلي يخاف الظلام

يظهر الخوف من الظلام لدى الطفل في سن الثانية تقريباً مع تطور بنيته النفسية ومخيلته، وفي هذه السن أيضاً يدرك الطفل أنه قد يشعر بمشاعرَ إيجابية وسلبية تجاه الشخص ذاته: “أحب أمي لكنني أكرهها عندما توبخني”. وتوضح المختصة إنه عندما يجد نفسه وحيداً في الظلام في مواجهة مع نفسه وأفكاره فإنه يدخل في حوار داخلي ما يؤدي لإخافته بسبب قوة مشاعر الحب أو الكراهية التي يشعر بها خلال ذلك، ومن ثم فإن تربية الطفل لا تتمحور حول منع هذا السلوك الغريزي لأن ذلك مستحيل؛ بل حول توجيهه كي لا يسيطر عليه. وبمرور الوقت وخلال تعلم الطفل التحكم بدوافعه وعواطفه، فإن الخوف من الظلام قد يتحول إلى خوف من العقاب. مثلاً عندما يشعر بالغصب الشديد فقد يشعر بالذنب ويتخيل أن وحوشاً ستأتي لالتهامه، فيسيطر عليه الخوف من الظلام أكثر إلى درجة أنه قد تنشأ لديه مشاعر عدائية تجاه نفسه والآخرين.

هل يجب إجبار الطفل الذي يخاف الظلام على النوم في الظلام الدامس؟ تقول المختصة: “يتمحور دور الأبوين حول مساعدة الطفل على تسليح نفسه لمواجهة مخاوفه وحده، وإلى حين تمكنه من ذلك يمكن الاستعانة بمصباح ليلي صغير وإزالة الملابس من على المشجب إذا كان شكلها يخيفه لأن الظلام يجعل المألوف غير مألوف”. وتتابع: “يتمكن معظم الأطفال من تجاوز مخاوفهم من الليل والظلام بمفردهم وذلك على الرغم من أن هذه المخاوف قد تستمر أحياناً حتى سن البلوغ”.

طفلي يعاني الكوابيس

يستيقظ طفلك في منتصف الليل باكياً مضطرباً ويبدأ وهو شبه نائم بالحديث عن الذئب الذي كان يطارده أو الساحرة التي أرادت الإمساك به، لا شك في أنه قد رأى كابوساً لتوه كما يحدث معنا جميعاً. وتوضح المختصة كيفية التعامل مع هذا الوضع قائلةً: “عندما يواجه طفلك كابوساً ما لا تحاول التهويل من الموقف ولا التقليل من شأنه. قبل كل شيء عليك تهدئة الطفل وطمأنته، ومنحه الوقت الكافي للكلام فكلما صغرت سنه زاد خلطه بين الواقع والخيال وقد يجد صعوبةً في التخلص من هذه الخيالات التي تجتاحه، ولا يمكنك أن تطلب منه العودة إلى النوم قبل أن يتخلص من صورة هذا الحلم السيئ”.

من جهة أخرى إذا لاحظت أن الطفل قد اعتاد مناداتك ليلاً بسبب رؤيته كابوساً دون أن يتمكن من سرد أي شيء عن ما رآه فيجب أن تنتبه لأن الطفل يفهم سريعاً أن “كابوس” هي كلمة سحرية يمكنه استخدامها لاستقدام والديه إلى جانبه؛ كما لو أنه يقول فقط: “أنا بحاجة إليكما”.

ماذا لو كانت الكوابيس متكررة؟ تنصح المختصة في هذه الحالة بالبحث بطريقة أعمق والتحدث مع الطفل للتأكد من أنه ليس منزعجاً بسبب موقف ما لم يتمكن من فهمه مثلاً كما يمكن اصطحابه إلى مختص نفسي إذا استلزم الأمر.

طفلي يلجأ إلى سريرنا كل ليلة

تقول ليليان نيميت بيير: “عندما يتسلل الطفل كل ليلة أو معظم الليالي إلى سرير والديه فثمة عدة أسباب محتمَلة لذلك بعضها يتعلق بالطفل ذاته؛ مثل خوفه من البقاء وحده في غرفته أو من الظلام أو أنه قد يكون حزيناً ويبحث عن المواساة. من جهة أخرى قد يكون لسلوك الطفل هذا علاقة بالوالدين فقد يتساءل مثلاً: ما الذي يفعلانه عندما لا أكون معهما؟ هل هما بخير؟ هل هما مرتاحان معاً في السرير ذاته؟ وفي كلتا الحالتين قد تكون المشكلة ناجمة عن عدم إحساس الطفل بالأمان سواء تجاه والديه أو تجاه نفسه، لذلك من المفيد التحدث إلى الطفل لمحاولة فهم ما يُقلقه ويدفعه لإنهاء ليلته في سرير والديه. ولكن مهما كان سبب سلوكه فإن المختصة تؤكد أهمية الصرامة في التعامل معه حتى لا يتحول الأمر إلى عادة، وتختتم قائلةً: “يجب أن تشرح للطفل أنه لا يمكن الاختلاط بهذه الطريقة وأن الأطفال ينامون في غرفهم وأسرّتهم، والوالدَين ينامان في غرفة الوالدَين وسرير الوالدَين”.