لماذا نعي أحياناً أننا نحلم؟ وماذا يعني ذلك؟

حلم اليقظة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

هل سبق وشعرتَ فيما أنت نائم أنك تملكُ زمامَ الحلم الذي تراه وتُسيطر على مجرياته وتتمتع بمطلق الحرية في تغيير الصور والأحداث المتعاقبة؟ إن كان جوابك نعم، فإن ما خُضْتَه يُطلق عليه اسم “الحلم الواعي”، وفي هذا المقال سنسبر أغوار هذه الظاهرة الساحرة!

ما هُو الحلم؟ فضاءٌ مُعقد يستثير فضولنا، ذلك أنه يستعمل اللاوعيَ مادّةً لبناء حبكاتٍ وقصصٍ داخل أرواحنا، ويستعرض أمامنا صوراً وأحداثَ وشخصيات دون إرادتنا أو رغبة منا. في المقابل ثمة نوع آخر من هذه الرؤى اصطُلح على تسميته “الحلم الواعي”، و يصفه المحلل النفسي والاختصاصي في لغة الأحلام تريستون موار (Tristan Moir) على اعتباره “حالة تيقّظ للوعي في أثناء الحلم حيثُ يأخذ الحالِم مسافةً مما يراه وينظر إليه بعين المشاهد الواعي ويراقبه بموضوعيّة و حسّ نقدي مُتقِّد”.

يُرى الحلم الواعي في “نومِ حركة العين السّريعة” وهي المرحلة الأخيرة من مراحل النوم؛ إذ لا تفصل بينها وبين الاستيقاظ سوى هنيهات قليلة وهو ما يصعّب التمييز بين الحلم والحقيقة في هذه المرحلة. يوضح المحلل النفسي: “تُعَد نهاية دورة النوم المرحلةَ الأكثر أهمية في الحلم، وفيها نرى الأحلام التي تبقى عالقة في أذهاننا ونتذكرها في صحونا”.

يظهر الحلم الواعي في مُعظم الأحيان بشكلٍ تلقائي لكنه يختلف من شخصٍ إلى آخر. تعتبر إيناس البالغة من العمر 20 سنة والطالبة في التواصل أن الحلم الواعي مَلَكةٌ فِطرية؛ إذ تقول: “أرى الأحلام الواعية منذ طفولتي إلا أني لم أعرف حقيقةَ ما تكون إلا حين كبرت وبدأت أبحث لأفهمها”. أما ليلى طالبة الحقوق البالغة من العمر 22 سنة، فقد تمتعت دائماً بقدرتها على تمييز أنها تحلم بينما هي نائمة. أما ما يؤثر في الطريقة التي تحلم بها فهي حالتها النفسية قبل النوم؛ إذ تقول: “لاحظت أني أختبر الأحلام الواعية في أوقات التوتر ذلك أن نومي يكون خفيفاً حينها”.

مسببات الحلم الواعي

كيف يفطن هؤلاء النّائمون كلّهم إلى حقيقةِ وجودهم داخل حلم؟ حسب تريستون موار فإن “محتوى الحلم” و “تكراره إذا كان مُزعجاً” هو ما يلفت الانتباه، وتدرك طالبة الإعلام البالغة من العمر 22 سنة، كوثر أنها داخل حلم حين يبدو التناقض بين حياتها وما تراه في الحلم سافراً، وتوضح ذلك بقولها: “إذا كنتُ أعيش ظروفاً سيئة في صَحْوي لكن كلّ شيء يسير على أفضل ما يرام في ما أراه، أنتبه إلى أنه رائع لدرجة يستحيل معها أن يكون حقيقياً”، ويكون ذاك مؤشّرها إلى أن الأمر يتعلق بحُلم.

لا يتعطل الحسّ النقدي للمرء حين يكون داخل حلم واعٍ، فإيناس على سبيل المثال، تدرك أنها تحلم حين تقلب نظرها في ما يحيط بها وتتمعن فيه جيداً، وتوضح ذلك بقولها: “يسترعي انتباهي أن خللاً ما أصاب الطريقة التي أرى بها الناس والصّور من حولي”. تُسهب في وصف الطريقة التي كانت تنتهجُها وهي طفلة لتتأكد أنها تحلم: “وأنا طفلة، كنتُ أقرصني داخل الحلم، وحين لا أشعرُ بأيّ شيء أدرك على الفور أنه حُلم”.

مُحفزات الحلم الواعي

يحدث الحلم الواعي بشكل طبيعي عند مُعظم الأشخاص إلا أن البعض يمكن أن يحفّزه بالاعتماد على تقنياتٍ معينة مثل “الحثّ” قبل النوم، وهو مفهوم أثارَهُ كارلوس كاستانيدا (Carlos Castaneda) في كتابه “فن الحلم: الأبواب الأربعة لإدراك الكون” (L’art de rêver: les quatre portes de la perception de l’univers). وتتمثل هذه التقنية في مَدّ الدماغ بالصّور التي نريد، فإذا أردت رؤية شخص محدد في المنام يُفضل أن “تستحضر وجهه لا أن تستدعيَ اسمه فحسب” كما يوضّح تريستون موار. ومن الجدير بالذكر أن مدة ممارسة هذا التمرين يجب أن تتراوح بين الأسبوع والأسبوعين قبل بداية رؤية نتائج فعليه؛ كما يُفضل أن يُعزَّز بـ”تنفسّ عميق يُصَفِّي الذهن” يسبق الخلود إلى النوم.

من الممكن الدخول والخروج في الحلم الواعي، فوفقاً لتحليل مؤسس معهد مركز بحوث النوم بجامعة ستافورد؛ لوسيدتي (Lucidity)، ستيفن لابيرج (Stephen LaBerge): “بالإمكان العودة إلى نوم حركة العين السّريعة بعد يقظةٍ وجيزة”. وهكذا، لرؤية حلمٍ واع يكفي أن يعمد المرء إلى إيقاظ نفسه بمساعدة مُنبِّه، ثم العودة لنوم حركة العين السريعة.

إلى جانب ذلك يُعد ّ”ترسيخ شيء في الذاكرة قبل الخلود إلى النوم لتجده في الحلم” و”التمعن في اليدين” فور أن تنغمس في النوم من التقنيات الناجعة. يلجأ البعض إلى الحلم الواعي لتغذية استيهاماته سواء كانت ذات طبيعةٍ إيروتيكية أو حتى مهنية. يؤكد تريستون موار ذلك بقوله إن الحلم الواعي صارَ “ممارسة رائجة” في أيامنا هذه لكنه في عُمقه “هروب من الواقع”.

وعي مُستسلم ووعيٌ فعّال

يبقى المرء إلى حدّ ما مستسلماً أمام المَشاهد التي يراها حين يدرك وجوده داخل الحلم؛ إذ يأخذ في بعض الأحيان وضعية المراقب للصور التي تتعاقب أمامه دون أن يحاول التدخل لتغيير مجرياتها. وفي هذا الصدد تشرح مريم البالغة من العمر 21 سنة: “في حال راقني ما يحصل أترك الأحداث تتطور كما تشاء”. لكن في حالاتٍ أخرى لا يكون ثمة مفرٌّ من “التحكم” في الحلم؛ إذ تشرح الشابة: “ما إن يأخذ الحلم منحىً مزعجاً حتى أتدخّل لأعدِّل المَشاهد كي تناسب ما يريحني”.

يجد المُتمرّسون في “الحلم الواعي” التحكّم مسألة طبيعية، فالحالمُ لا يأخذ قراراً بتغيير مجرياته بعد تفكير وتمحيص بل يفعل ذلك بالسّليقة. تحكي مرام: “حين أرغب في شيء بشدّة فإنه يتمثل أمامي في الحلم، ويُشعرني ذلك بأني مسيطرة على نفسي وبوسعي القيام بما أريد”. كما توضح: “صحيح أن بإمكاني أن أقرأ الأفكار وأنا في حلم واعٍ؛ إلا أني لا أستطيع ابتكار أحداثٍ غير واقعية إلا نادراً، فلا بد أن تكون قابلة للتحقيق”.

الشعور بأن بوسع المرء تحقيق ما يريده بسهولة أو تفكير في العواقب هو السبب الذي يجعل الأشخاص يُعجبون بجزئية الوعي التي تسمُ هذا الحلم. كانت إيناس في طفولتها طالبةً مثالية، لم تتجاوز الحدود أبداً. ولذلك وجدَت في الحلم الواعي الواقع البديل الذي يُمكِّنها من التحرر من كل القيود التي تكبلها، وتعبر عن ذلك بقولها: “ما زلت أتذكر ذلك الحلم بوضوح. أكون في مدرستي الابتدائية حين أنهض وأغادر الفصل وأبدأ بالتصرف بشقاوة أتمادى فيها، دون أن أخاف من العقوبة التي ستنزلها المدرسة عليّ، كل ذلك وأنا واعية تماماً بأني نائمة ومُستلقية على سريري”.

سواء كان فِطرياً أو مُحفّزاً من خلال التدريب، يبقى الحلم الواعي في متناول الجميع كما يمكنه أن يجعلنا ننتقل من أحداث إلى أخرى حسب رغباتنا بالإضافة إلى أنه يخول لنا فهم أنفسنا بعمق واكتشاف خباياها؛ حيث تقدم لنا الأحلام نوعاً من الاستبطان عند تحليلها على ضوء ما وَرَدَ في كتب تفسير الأحلام الموثوقة.

بعد هذا المقال، ما رأيك؟ هل أنت على أهبة الاستعداد لتحلمَ فيما أنت واعٍ؟