هل يجب أن تحب عملك لتكون سعيداً؟

حب العمل للوصول إلى السعادة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

يُعد النجاح المهني مصدرَ طموح كبيراً للكثير منا؛ لكن العمل في وظيفة غير مناسبة لك، أو حتى العمل في وظيفة مناسبة لكن ضمن ظروف سيئة، هي أمور قد تحول دون تحقيق هذا النجاح. إن حب العمل للوصول إلى السعادة هو أحد خطوات النجاح على الصعيدين المهني والشخصي.

  • لا تختزل نفسك في عملك!
  • الشعور بأنك مفيد للآخرين
  • ابتعد عن عملك قليلاً لتتضح الرؤية
  • ابحث عن السعادة في مكان آخر

ما هي الأسباب التي تؤدي إلى الإحباطات المهنية؟ وكيف ندرك مفهوم "العمل" إدراكاً صحيحاً؟

يوضح آلان دي بوتون؛ الكاتب والصحفي، ومؤلف كتاب "روائع العمل ومآسيه" (Splendeurs et misères du travail) :"إنها عقوبة الخطيئة الأصلية؛ عقوبة كنا نسعى لقضائها بأسرع ما يمكن، ثم نلجأ بعد ذلك إلى شرب الكحول لنحاول نسيانها". هكذا كان يُنظر إلى العمل قبل مجيء عصر التنوير؛ والذي غيّر هذه النظرة جذرياً.

"في حين أن أرسطو لم يتصور أن المرء يمكن أن يكون سعيداً بإجباره على كسب لقمة العيش –لا تتكيف حريتنا جيداً مع القيود- فإن الفلاسفة في القرن الـ 18 رأَوا أن المرء قد يجد في ممارسة مهنته سبيلاً لتحقيق ذاته، وهو ما يُمثّل اليوم التزاماً في ثقافة المجتمعات. ويؤكد عالم الاجتماع فنسنت ديغوليجاك: "في مجتمعنا القائم على الإنجاز الشخصي، أصبح العمل أحد العوامل الرئيسية في السعي نحو تحقيق الذات"، لدرجة أننا حتى عندما لا نكون متحمسين للوظيفة التي نعمل بها، فإننا نسعى لإيجاد أي نوع من الاهتمام بها. يرتبط مفهوم العمل اليوم ارتباطاً وثيقا بمفهوم الإثراء الشخصي، ويقول آلان دي بوتون:"نحن نطمح إلى الاستفادة من جزء ذي قيمة من أنفسنا، بأفضل طريقة ممكنة، للحصول على دخل مريح، وقد يبدو الأمر بسيطاً؛ لكنه في الحقيقة شديد التعقيد". ويتابع: "في الحقيقة؛ لا يهتم رب العمل، بمدى سعادة موظفه في عمله، حتى وإن كان يشجعه على أن يكون كذلك؛ بل ينصبُّ جلّ اهتمامه على مدى مساهمة هذا الموظف في ربحية العمل؛ إذ لا يتوافق الأمران مع بعضهما دائماً".

لا تختزل نفسك في عملك!

يوضح مختص علم الاجتماع: "يصيبنا العمل بالإحباط والجروح النفسية العميقة، نظراً للجزء الكبير الذي كرّسناه من أنفسنا له". وعندما لا يرقى أداؤنا إلى المستوى المطلوب، فإن الحكم على هذا الأداء يمتد ليطال شخصياتنا أيضاً. وكلما تطلب العمل مهارات إبداعية أو شخصية، زاد الخلط بين قيمة الفرد وقيمة عمله".

"يمكننا ملاحظة ذلك ببساطة -على سبيل المثال- عندما نسأل الأشخاص الذين نلتقيهم عن عملهم؛ إذ نفترض أن هذا السؤال سيكشف لنا شيئاً ما عن هويتهم". إنه هذا التمسك بمفهوم أن الشخص هو مهنته.

يقول المدرب والمعالج النفسي بيير بلان سحنون: "إن هذه الفكرة المثالية حول الإنجاز المهني ليست إلا خدعةً، فشغف الفرد تجاه مهنة معينة، واعتقاده بأنه خُلق ليمارسها، ما هو في الحقيقة إلا نوع من رد الدين للوالدين وتكريمهما، وهو -على سبيل المثال- محاولة لتحقيق طموحاتهما التي فشلا في تحقيقها. ولكن على الرغم من ذلك، فإن عدم امتهان العمل الذي حلمنا به يُعد مصدر ألم حقيقي لنا".

كان رامي؛ 35 عاماً، يرى في نفسه رسام كاريكاتير صحفي، بينما وجد نفسه يعمل في تصميم العبوات. يعترف الشاب الذي انتهى به الأمر بالاستقالة قائلاً: "لم تكن هذه الوظيفة تعبر عما أشعر به في أعماقي".

توضح مختصة التحليل النفسي ماري هيلين بروس: "من المحبط جداً للمرء أن يتنازل عن شغفه ليتخذ مساراً مهنياً غير ملائم له، أو بسبب حاجته لكسب لقمة العيش؛ إذ يؤدي ذلك إلى "تقليل قيمة صورته الذاتية التي يصعُب عليه بعد ذلك استعادتها".

الشعور بأنك مفيد للآخرين

سبب آخر لعدم الرضا الوظيفي هو ممارسة المرء للمهنة التي يحبها؛ ولكن في ظروف سيئة. تقول فاتن؛ 39 عاماً، وهي ممرضة في مستشفى للأمراض النفسية: "يُطلب منا أن نحسن علاقاتنا مع المرضى، وأن نسعى لجلب ربحية أكثر للمستشفى أيضاً، إنه تناقض كبير". تولّد العديد من المواقف في العمل، صراعات داخلية في نفس الفرد؛ مثل عدم القدرة على الموازنة بين العمل والحياة الخاصة (تعاني النساء من هذه المشكلة بصورة خاصة)، أو مواجهة معضلة تنازُع مهماته الوظيفية مع قيمه الذاتية. كان جورج؛ 62 عاماً، مدير موارد بشرية سابقاً في شركة اتصالات، وأُجبر على فصل موظفين من العمل دون رغبته، ويقول: "لقد فقدت القدرة على النوم بسبب ذلك".

يقول آلان دي بوتون: "ما يسعدنا، في نهاية يوم العمل، هو أننا استطعنا تحسين حياة شخص ما، من خلال عملنا هذا". ولا نتحدث هنا بالضرورة عن مهمات كبيرة، فقد يكون تزييت مفصلة باب، أو مساعدة شخص في العثور على أمتعته المفقودة، أمراً مجزياً جداً. وبسبب أساليب التصنيع في أيامنا هذه؛ أصبح شعور الفرد بأنه مفيد للآخرين، شعوراً مجرّداً، فعلى عكس الحرفيين في الماضي، الذين يعرفون عملائهم، فقد العمال في المصانع هذه الصلات مع العملاء، وعلى سبيل المثال، فقد عمال مصانع الكعك، ميزة معرفة أولئك الذين يعشقون إنتاجهم".

ويوضح فيليب ديفيزيس؛ الباحث والمدرس في الطب والصحة المهنية في جامعة كلود برنارد، في ليون: "عندما يفقد العمل مضمونه الأخلاقي، والمعنوي، والمنطقي، فإن ذلك يجعلنا نكبت مشاعرنا، ويلقي الضيق الذي يسببه لنا ذلك بتداعياته على حياتنا الخاصة وصحتنا". تضيف ماري هيلين بروس: "قد يؤدي هذا الضيق إلى التغيب عن العمل والشعور بالاكتئاب". خاصةً إذا تضمنت المهام المسندة إلينا عناصر تتعارض مع القيم المتجذرة فينا؛ مثل إجبارنا على الالتزام بالمواعيد النهائية على حساب جودة العمل، في حين أننا نشأنا على قيم إعطاء الأولوية لإتقان العمل.

ابتعد عن عملك قليلاً لتتضح الرؤية

تقول مدربة الأعمال ناتالي بوكلير: "الخطوة الأولى هي أن تعطي نفسك مساحةً للتفكير في الأمر". يمكن لإجازة من بضعة أيام أن تساعدك على كسر هذا الإيقاع اليومي، والبدء في تحديد الصعوبات التي تواجهك في العمل، من خلال التساؤل عن احتياجاتك التي تبحث عنها في بيئة العمل، أو فريق العمل، أو التساؤل عن المساحة الإبداعية التي تفتقر لها، ومعرفة العوامل التي تسبب لك الإحباط.

على سبيل المثال؛ هل تفتقر للحرية التي تحتاجها في عملك؟ أو هل تشعر أن جهودك غير مُعتَرَف بها؟ ثم حدد مزايا وعيوب المنصب الذي تشغله (المسؤوليات، والراتب، وجودة الحياة التي يقدمها لك، وما إلى ذلك). تقول المدربة: "اسأل نفسك سؤالاً بسيطاً، وهو إذا كان عليك أن تستقيل من عملك غداً، فما هي الإيجابيات التي ستفتقدها؟ وما هي السلبيات التي قد تجبرك على ترك هذا العمل؟ مثل علاقتك بزملاء العمل، والمكان.. إلخ.

في بعض الأحيان؛ قد تكون بعض التغييرات الصغيرة كفيلةً بتحسين تآلفك مع عملك (مثل نقل مكتبك إلى غرفة أخرى، والعمل من المنزل ليوم واحد في الأسبوع). ولكن في كثير من الأحيان؛ "نجد أننا نتخذ قرارتنا تحت وطأة الضغوط الخارجية، وليس بدافع احتياجاتنا الحقيقية". وتوضح ناتالي بوكلير:" لذا من الآن فصاعداً يتعين علينا استعادة هذا الشعور بالسيادة الذاتية، وأن نسمح لأنفسنا بالتعبير عن رغباتنا، حتى السيئة منها، من أجل إحياء طاقتنا مجدداً". ويمكن أن يساعد تقييم الفرد لمهاراته في تحويل الأحلام إلى أهداف واقعية.

ابحث عن السعادة في مكان آخر

يشير آلان دي بوتون إلى أن "الأمر الأهم من الظروف المحيطة بالعمل، هو الطريقة التي ننظر إليه من خلالها. وعندما تبدأ معاناة الفرد بسبب عمله، فإن الانفصال الذهني عن العمل يكون أمراً ضرورياً. وتوضح ماري هيلين بروس: "يمكن اللجوء إلى العلاج النفسي إذا لزم الأمر. ويهدف العلاج إلى التحقيق في تاريخنا الشخصي لفهم الأسباب التي قد تجعلنا نرفض وظيفة ما أو نقبلها". فمن خلال تحديد الإملاءات العائلية التي تعرضنا لها، ومواطن الضعف في احترام الذات التي عانينا منها خلال حياتنا؛ سنتمكن من تغيير موقفنا تجاه العمل.

وتؤكد ماري هيلين بروس أنه: "من الضروري إدراك مفهوم العمل إدراكاً صحيحاً". عليك أن تقبل حقيقة أن الوظيفة المثالية غير موجودة، وأن الحياة المهنية ليست كل شيء، وأنه لا يمكنك تحقيق كل المكاسب في الوقت نفسه. من جهة أخرى يمكن لك -بل وينبغي عليك- تعويض النقص الذي قد تعاني منه في عملك، في مكان آخر.

انضمت كوثر؛ 46 عاماً، وهي مستشارة تربوية، إلى مجموعة غنائية، تقول كوثر: "منذ أن بدأت الغناء، عادت الصعوبات المهنية إلى مستويات مقبولة، ولم تعد ترهقني كثيراً". يقول آلان دي بوتون: "أود أن أذكّر بقول القديس أوغسطين (إن من الخطأ الحكم على الرجل من خلال وضعه الاجتماعي)، وعلينا أن نتذكر أننا كنا أفراداً ذوي قيمة قبل أن نعمل، وسنظل رائعين بعد أن نتوقف عن العمل أيضاً".