ما التفسيرات النفسية وراء حب البعض لفصل الشتاء؟

البلوفيوفيل
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: في حين أن فصل الشتاء قد يصيب البعض بالاضطراب العاطفي الموسمي المعروف بـ “اكتئاب الشتاء”، فإن البعض الآخر يشعر براحة نفسية وسعادة غامرة مع عودة الشتاء، فيستمتع بكل ما يخص الفصل من مطر وبرودة وليالٍ طويلة. فهل يمكن تفسير عشق الشتاء من وجهة نظر نفسية؟

“حتى لو تجمد الدم في عروقي، لن أحب إلا فصل الشتاء”: عبارة تمثل شعاراً عند بعض الناس؛ أولئك الذين يجدون الفرح وراحة البال مع قدوم الشتاء وما يرافقه من انخفاض في درجة حرارة الجو، وأصوات المطر، والسماء الرمادي؛ في حين أن محبي الصيف قد يشعرون بأن ذلك غير منطقي على الإطلاق، فكيف يمكن لأي شخص أن يحب فصل الإنفلونزا والوحل والرياح المخيفة والأيام المظلمة؟!

في هذا المقال، سنتعرف إلى ظاهرة البلوفيوفيل (Pluviophile) وإلى الأسباب التي قد تجعل بعض الناس يعشقون فصل الشتاء، بالإضافة إلى ما قد يكشفه فصلك المفضل عن شخصيتك.

ما هي ظاهرة البلوفيوفيل؟

وفقاً للتعريف الوارد في المعجم (dictionary)؛ فإن البلوفيوفيل هو “الاسم الذي يُطلق على الشخص الذي يستمتع بالمطر والأيام الممطرة، وينبهر بمناظر المطر وأصواته”. ووفق تعريف آخر؛ فالبلوفيوفيليّ هو “عاشق المطر؛ شخص يجد الفرح وراحة البال خلال الأيام الممطرة”.

وجدير بالذكر أن البلوفيوفيل ليست حالة طبية أو نفسية؛ إذ وعلى الرغم من أنها تصف الأشخاص الذين يستمتعون أو يجدون الراحة في الطقس الممطر، فهي ليست متلازمة أو اضطراباً معروفاً. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن للعديد منا تفضيلات موسمية، فهل سبق وتساءلت عن الأسباب التي تجعل فصل الشتاء بأيامه المظلمة الكئيبة فصل الراحة عن البعض؟ أو الأسباب التي قد تدفع البعض إلى تفضيل أحد الفصول على آخر؟

بداية، هل تؤثر فصول السنة في الحالة النفسية فعلاً؟

نعم على ما يبدو؛ فقد وُجد أن التغيرات الموسمية في درجة الحرارة والضوء قد تؤثر في الحالة المزاجية والسلوك أيضاً. على سبيل المثال؛ وجدت دراسة منشورة في مجلة الاضطرابات العاطفية (Journal of Affective Disorders) عام 2011، أن ثمة علاقة قوية بين فصل ميلاد الفرد وشخصيته ومزاجه؛ إذ تبين أن الأشخاص الذين ولدوا في أشهر الربيع والصيف كانوا أكثر عرضة إلى التحليّ بالمزاج الإيجابي المفرط والتقلبات المزاجية والمزاج العصبي؛ في حين أن مواليد فصل الشتاء كانوا أقل عرضة إلى الإصابة بالمزاج العصبي.

علاوة على ذلك، تبين أن درجات حرارة الجو قد تؤثر تأثيراً عميقاً في الأحكام التي يصدرها الشخص تجاه الآخرين. على سبيل المثال؛ وجدت دراسة منشورة في مجلة بلوس ون (PLOS ONE) عام 2017، أن الأشخاص الموجودين في غرفة دافئة يكونون أكثر عرضة إلى الحكم على مجموعة من المجرمين المُشتبه بهم بكونهم مجرمين مندفعين ومتهورين؛ في حين أن الأشخاص في الغرفة الباردة يحكمون على المشتبه بهم بأنهم قتلة مذنبون ارتكبوا جرائمهم بدم بارد مع سبق الإصرار والتصميم.

لماذا يعشق بعض الناس فصل الشتاء؟

ثمة مجموعة من الأسباب قد تفسر ظاهرة البلوفيوفيل؛ وأهمها:

الساعة البيولوجية

وفقاً لعالم النفس المهتم بدراسة تأثير الطقس في الحالة المزاجية في جامعة بنسلفانيا الأميركية (University of Pennsylvania)، سيث غيليهان (Seth Gillihan)؛ فإن ثمة علاقة إيجابية بين الفصل الذي يولد فيه الشخص والفصل المفضل لديه؛ فأولئك الذين ولدوا في فصل الشتاء قد يمتلكون ساعات بيولوجية داخلية مضبوطة على طول النهار القصير ما يجعلهم أكثر راحة خلال هذا الفصل، على عكس الأشخاص الذين ولدوا في فصل الصيف والذين يتمتعون بنظم يوماوية (الساعة الداخلية للجسم على مدار 24 ساعة) تتوقع فترة أطول من الضوء.

الاضطرابات العاطفية الموسمية العكسية

قد يشعر بعض الأشخاص بالراحة والحالة المزاجية الجيدة في فصل الشتاء نتيجة إصابتهم بالاضطرابات العاطفية الموسمية (Seasonal affective disorder)؛ إذ وعلى الرغم من أنك قد سمعت غالباً بالاضطراب العاطفي الموسمي المرتبط بفصلَيّ الخريف والشتاء والذي يُدعى أحياناً بـ “الاكتئاب الشتوي”، فهل سمعت بالاضطراب العاطفي الموسمي العكسي؟

هو نوع من أنواع الاكتئاب، يسمَّى أحياناً “الاكتئاب الصيفي”، ويحدث بسبب التغيرات الفصلية؛ حيث تبدأ الأعراض خلال فصل الربيع أو بداية الصيف وتزول خلال أشهر الخريف أو الشتاء. ومن الأعراض التي تميز الاكتئاب الصيفي؛ ضعف الهمة والحزن والكآبة معظم اليوم، والأرق أو صعوبة النوم، وضعف الشهية، ونقص الوزن، والهياج أو القلق، والشعور بالفتور والكسل، وفقدان الشغف بممارسة الأنشطة المحببة، وسرعة الانفعال والعصبية. يُذكر أن الأعراض قد تبدأ خفيفة ثم تصبح أكثر حدة مع تتابع أيام الفصل.

أما بالنسبة إلى أسباب هذه الاضطرابات، فما تزال غير معروفة بدقة، وقد تعزى إلى العديد من العوامل؛ مثل الساعة البيولوجية وتغيُر مستويات الميلاتونين ومستويات السيروتونين مع تغيرات الفصول. عموماً، توصي الاختصاصية النفسية، حنين جرار، بضرورة استشارة المختص النفسي للحصول على العلاج المناسب في حال استمرت الأعراض مدة تزيد على شهرين أو كانت الأعراض شديدة. بالإضافة إلى ذلك، قد يكون تفضيل البعض لفصل الشتاء ناتجاً من انزعاجه من الحرّ الشديد؛ ما قد يجعله عرضة إلى التغيرات المزاجية خلال الفصل الصيف؛ لكن ليس إلى درجة الإصابة بالاكتئاب وفقاً لجرار.

التفضيلات الشخصية

قد تسهم التجارب الإيجابية والذكريات الجميلة الخاصة بفصل الشتاء في خلق عاطفة عميقة بهذا الفصل، فالعطلات والتجمعات العائلية والأنشطة الترفيهية قد تجعل الناس أكثر حنيناً وحباً للفصل القارس. ومن الأسباب التي قد تفسر ظاهرة البلوفيوفيل أن الناس في فصل الشتاء يعزلون أنفسهم في بيوتهم؛ ما قد يجعلهم يشعرون، ولو دون وعي كامل، أنهم في مأمن من التهديدات الخارجية.

كما قد يمنحهم هذا الفصل شعوراً أقل بالذنب عندما يتعلق الأمر بتأجيل إنجاز بعض الأعمال أو الواجبات الاجتماعية، فالطقس لا يسمح! بالإضافة إلى أنه وبسبب انخفاض الضوضاء في الشوارع وإغلاق الأسواق المبكر؛ قد يشعر بعض الناس أن وتيرة الحياة تباطأت، فينعمون براحة أكبر وتوتر أقل.

ما الذي يكشفه فصلك المفضل عن شخصيتك؟

للفصول تأثير عميق في نفسياتنا؛ بدءاً من ميلنا إلى تجنب المخاطرة، إلى كوننا أقل اجتماعية ورغبتنا في الاحتماء. ووفقاً للموقع المختص بنشر المعلومات التثقيفية عن الصحة النفسية، فيري ويل مايند (Verywell Mind)، فإن ثمة بعض النقاط الأساسية التي قد يكشفها فصلك المفضل عن شخصيتك، فإذا كان فصل الشتاء البارد هو المفضل لديك، فهذا يعني أنك تميل لأن تكون شخصاً انطوائياً؛ أما إذا كان الربيع هو فصلك المفضل، فقد تكون شخصاً يحب خوض التجارب الجديدة؛ أما إذا كنت عاشقاً لفصل الصيف، فمن المحتمل أن تكون شخصاً منفتحاً ومتفائلاً وحازماً؛ في حين أن عاشق الخريف يكون شخصاً يرغب في التغيير المستمر ويكره الروتين.