تجربة شخصية: هكذا تعرفتُ من كثب إلى حالة الأشخاص المصابين بالاكتئاب

حالة الأشخاص المصابين بالاكتئاب
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

بعد أن انتقلت كوثر لتتابع دراستها في مدينة أخرى، كان عليها مشاركة السكن مع فتاة اكتشفت أنها تعاني الاكتئاب، فكيف كانت تجربتها؟ كيف تكون حالة الأشخاص المصابين بالاكتئاب؟ نتعرف إلى ذلك من خلال السطور التالية؛ إذ تحكي لنا الطالبة الجامعية البالغة من العمر 22 عاماً، قصة صداقة جميلة نشأت في حيّز يفيض بالمشاعر.
تتحدث كوثر عن اليوم الذي تعرفت فيه إلى إيناس، فتقول: “قالت لي إنه ربما علينا احتساء فنجان من القهوة معاً قبل أن نتشارك السكن”. وتتابع: “إيناس هي صديقة إحدى صديقاتي، وهكذا تعرفنا إلى بعضنا بعضاً وقد نبهتني آنذاك فقالت لي: “يجب أن تعرفي يا كوثر أنني مصابة بالاكتئاب وأتناول أدويةً وأعاني الأرق”.

لقد سيطرت عليها اللحظات المظلمة من حياتها

لم يثر كلام إيناس عن نفسها خوفي وقررت مشاركتها السكن، ولما يزيد عن السنة، عشتُ مع كتلة من الحزن. إنها إنسانة رائعة لكن شعور التشاؤم الذي كان يغلب عليها حال دون قدرتها على أن تثق بنفسها وتمضي قدماً، فقد كانت إيناس تتذكر تفاصيل كل لحظة قاتمة من الماضي بما في ذلك وفاة والدها ومرض والدتها وانكسار إخوتها، وقد أفقدها ذلك كله ثقتها بالمستقبل.

وكانت حالتها تذكرني بمدى الألم الذي يمكن أن تسببه لنا الحياة، وبخاصة عندما رأيتُ كيف كانت حبيسة الماضي الذي منعها من رؤية الحاضر وكلما حاولتُ إخراجها من هذه الحالة وحضها على التفاؤل “تشبثتْ” بقلقها أكثر. مثال ذلك أنها كانت تزدري الاقتباسات التي تعزز التفاؤل والإيجابية والتي كنتُ أكتبها على قصاصات وألصقها في أنحاء المنزل؛ ومنها عبارة: “الحياة أساسها الصدف” إذ ابتسمت عندما رأتها وقالت لي: “ليس هنالك ما يسمى بالصدفة يا كوثر”. كانت إيناس تفضل بدلاً من ذلك أن تحثني على الاستماع إلى المغني البلجيكي جاك بريل (Jacques Brel) الذي كانت ترى أن لديه “أغنيةً لكل مشكلة”.

حزن كبير خلال الأزمات

عندما أعود إلى المنزل مساء كان عليّ البقاء إلى جانبها والتحدث إليها وطمأنتها إذ كان ذلك يُشعرها بالراحة؛ كما كنتُ أفسح لها المجال لتحدثني عن نقاط ضعفي لأساعدها على نسيان نقاط ضعفها ومخاوفها فتشعر ببعض الهدوء فقط، وعلى الرغم من أنها كانت تستحضر ما قاله أبيقور وغيره من الفلاسفة عن السّعادة فقد كانت تتلوّى ألماً في داخلها. كانت إيناس سمراء ممشوقة القوام بهية الطلعة وتشغل منصباً تنفيذياً مرموقاً في إحدى الشركات لذلك لم يكن ثمة سبب يجعلها تستغرق في الخوف من الفشل وعلى الرغم من ذلك فقد كانت تسيطر عليها حالة حزن شديد كلما مرت بأزمة ما وفي هذه الأوقات كنت أحاول البقاء بجانبها والإصغاء إليها والتخفيف عنها قدر المستطاع. لقد كنت أتخيلها أحياناً كدمية خشبية هشة وصلبة في آن معاً، مربوطة بخيوط وتحاول جهدها الحفاظ على توازنها.

حاولتُ جعل المنزل مكاناً مريحاً لها قدر الإمكان

لم يكن بإمكاني تشجيع إيناس على اللحاق بأحلامها ورغباتها و”المخاطرة” بترك عملها إذا لم تعد تحبه مثلاً؛ بل على العكس كنت أجد نفسي مضطرةً لأعبر لها عن آلامي ومخاوفي والإحباط الذي تسببه لي أحلامي وتخيلاتي، وكيف تجبرني على مواجهة تناقضات الواقع. كنت أحدثها مطولاً عن لحظات ضعفي وأسوأ مخاوفي لتنسى مخاوفها قدر الإمكان وكنت أقول لنفسي إنها بهذه الطريقة قد تتخلص من بعض حزنها.

إيناس واحدة من أكثر الناس الذين أحب التحاور معهم

الشخص المكتئب مرهف الإحساس ويفكر طوال الوقت في كل صغيرة وكبيرة وتجد حواسه الخمس متيقظةً تارةً وخاملةً حيناً؛ إنه شخص يعبر عن آلامه لكنه لا ينشرها. إيناس قبل كل شيء صديقتي ومن أكثر الناس الذين أحب التحاور معهم، فنظرتها الفاحصة تجاه الحياة تولد لدي رغبة في تبادل أطراف الحديث معها كلما انتابتني أنا الأخرى مخاوف أو شكوك حيال المستقبل.