جاك سالومي: كيف تحب الآخرين دون أن تحب نفسك؟

جاك سالومي
shutterstock.com/sulit.photos
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

يوضح جاك سالومي، عالم النفس الاجتماعي، أنّ الحاجة إلى الحب بأي ثمن، والإخلاص أو الانتقاص وانعدام حب الذات يسمم أي علاقة بين الزوجين.

حب الذات والعلاقة الرومانسية

“سايكولوجيز”: كيف يظهر انعدام حب الذات في علاقتنا بالآخرين وفي علاقات الحب؟

جاك سالومي: انعدام حب الذات – هذا الحب الذي يتكون من الإحسان والاحترام – له عواقب مباشرة على علاقاتنا مع الآخرين. إذ يؤدي إلى انعدام الثقة والشكوك وسوء الظن، والتي من شأنها أن تخلق أو تؤدي إلى استمرار العلاقات القائمة على الملكية والتملك، أو العلاقات من النوع القائم على الاضطهاد. إذا كنت لا أحب نفسي، فلن أكون قادراً على الحب، لأنني سأكون في حاجة إلى أن أكون محبوباً وسأطلب ذلك.

في غياب حب الذات، فإننا دائماً، إما في علاقة قائمة على “الطلبات والشروط”، أو على “الرفض بسبب عدم الاكتفاء”. وفي كلتا الحالتين، من الصعب للغاية العطاء. عندما لا نحب أنفسنا، نعتقد أنه ليس لدينا ما نعطيه من قيمة واهتمام، وعندما نعطي، نشعر بأننا محرومون، من خلال نوع من معادلة اللاوعي بوجود “قدر أقل” في النفس.

هل يعني نقص حب الذات فشل علاقة الحب؟

“سايكولوجيز”: إذاً، فإن العلاقات القائمة على انعدام حب الذات محكوم عليها بالفشل؟

جاك سالومي: هذه ملاحظة نبحث فيها باستمرار. في علاقة الأزواج المتذبذبة هذه، فإن الشخص الذي يكره نفسه ينتهي به الأمر إلى الإنهاك ثم تدمير ثقة الآخر به. سيبدأ الشريك الذي يقدم الحب بدوره في الشك، قبل أن يتعب في نهاية المطاف من تقديم دليل على الحب الذي لا ينطوي على أي معاملة بالمثل. هذا النوع من العلاقات هو لعبة انعكاس الحب، وتقوم على مهمة مستحيلة تتمثل في المحاولة بشكل مثير للشفقة أن تعطي للآخر ما يستطيع تقديمه فحسب، وهو الحب لنفسه.

يؤدي انعدام حب الذات، بالأساس، إلى البحث عن شركاء سنحاول جعلهم محبوبين بأي ثمن. تستند هذه الاختيارات، التي تكون في معظم الأحيان خارجة عن الإرادة، إلى نوع من الخداع في العلاقة: كل شيء يحدث كما لو كان أحدهم يقول للآخر: “أنا أحتاجك كثيراً، وطالما أنك تستجيب لحاجتي، فإنني مرتبط بك. قد يرد الآخر بالقول: “أشعر في أعماقي أنك لا تحبني، لكنني أعتقد أنه بسبب حبي لك، فإنك ستحبني ذات يوم”. وينبغي أيضاً إضافة أنه غالباً ما يؤدي الافتقار إلى حب الذات، في العلاقات الرومانسية، إلى لعبة تجريد متبادل. فالشخص الذي لا يحب نفسه سوف يشكك في حب الآخر: “كيف يمكنه أن يحب شخصاً بمثل سوئي؟ إنه أسوأ مما كنت أعتقد. ويحدث هذا في علاقة حميمة غير واعية لكنها عنيفة.

يمكن أن يتخذ انعدام حب الذات هذا أيضاً شكلاً من أشكال الإخلاص، ما يُفضي إلى الحاجة للحب “بأي ثمن”. لكن عطية الحب هذه ليست سوى قناع الحاجة الهائلة إلى المحبة التي لن تُشبع أبداً. وفي هذا الصدد، أسرَّت لي مريضة أن تكرار زوجها لمقولة “أنا أحبك” جعلها تشعر بعدم الطمأنينة، لأنها شعرت بها على أنها مطلب ينطوي على تهديد، وعنف مؤطر يتعارض مع ما يمكن أن يكون جيداً وسيئاً. وعندما انفصلت عنه، خسرت في شهرين أكثر من 9 كيلوغرامات كانت قد جمعتها دون وعي لحماية نفسها من عبارة “أنا أحبك” الإرهابية.

ماذا عن الحياة الجنسية؟

“سايكولوجيز”: ما التأثير الذي يمكن أن يُحدثه انعدام حب الذات على حياتنا الجنسية؟

جاك سالومي: الحياة الجنسية تقوم على التقاء كل لغات التواصل البشري: لغة المشاعر، الرغبات، العواطف، اللاوعي والحواس. في التلاقي الجنسي، سيؤدي انعدام حب الذات إلى إثارة علاقات الضرورة والعنف وحتى الانحراف ذات النوع السادي. يمكن للشخص الذي لا يحب نفسه أن يقبل كل شيء من الآخر ويعيش التجربة بصفته هدفاً بسيطاً للرغبة، ويعامل الآخر على أنه هدف متعته. أتذكر تلك المرأة التي “تمردت بعد خمسة عشر عاماً قضتها مع حبيبها”، حسب كلماتها. إذ أدركت أن رفيقها كان يمارس معها الحب، ليس من أجل المتعة والهجران، بل بإرادة التأكد من أنها تنتمي إليه، وأن جسدها هو ملكه. يؤدي انعدام حب الذات، في كثير من الأحيان، إلى توجيه الحياة الجنسية نحو ممارسات التملك والاستهلاك والاستيلاء والابتعاد عن الآخر.

حُب بعضنا البعض

“سايكولوجيز”: هل يمكن أن يعوّض حب الآخرين عن انعدام حب الذات؟

جاك سالومي: أعتقد أن هذه واحدة من أكثر رغباتنا عبثية. إنه أمر يستحيل مناله. يمكن أن يعطي حب الآخر انطباعاً بأن المرء يسدّ هذا النقص، بداخله، في عدم معرفة كيف يحب نفسه، من خلال تغطية الألم بستار الحنان والأمان المتقلب للغاية، لكنه وهم خطير بقدر ما هو غير مُجدٍ.. عندما لا تحب نفسك، فإنك تنتظر حباً غير مشروط، وهذا النوع من الطلب يؤدي حتماً إلى اختبار حب الآخر باستمرار دون كلل. إنه يرغمك على العيش بشكل دائم مع الخوف من الهجران، وفي حالة شك بشأن أنك محبوب فعلاً.

أخبرني رجل أن شريكته أساءت معاملة حبه، إذ كانت تُنهك العلاقة بشدة لدرجة أنها أصبحت مهددة بالانتهاء. كانت هذه المرأة اليافعة تسأل شريكها ضمنياً، عبر اختبار مشاعره: “هل ستظل تحبني إذا كنت سيئة معك، إذا كنت أخونك، وإذا كنت لا تثق بي؟”.

الحب الذي ليس جزءاً من علاقة جيدة لا يُعد داعماً ولا منظِّماً. وسأعطي مثالاً عملياً. إذ إنني كنت بالتأكيد طفلاً محبوباً، كنت قرة عين أمي. غير أن علاقتها معي، التي كانت تقوم على الأوامر أو التحقير أو الابتزاز أو التهديدات، لم تسمح لي باكتساب الثقة والإحسان والحب تجاه نفسي. لذا، على الرغم من حب أمّي لي، لم أكن أحب نفسي. وعندما كنت في التاسعة من عمري، أصابني مرض. اضطررت إلى مغادرة بيئتي العائلية للذهاب إلى مصحة لمدة أربع سنوات. هناك قابلت ممرضة أعطتني، لأول مرة في حياتي، الشعور بأنّ لديّ قيمة على نحو ما كنت عليه، وأنني أستحق الحب، وبالتالي فإنني محبوب.

وثمة مثال آخر: ففي العلاج، ليس حُب المعالج- حتى لو تخيّل كل مريض أن معالجه يحبّه أكثر أو أفضل من جميع المرضى الآخرين- هو الذي سيغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا، بل جودة العلاقة التي يقدمها العلاج، وهي علاقة تقوم على العطف والإصغاء. هذا هو السبب في أنني أكرر باستمرار أن أفضل هدية يمكن أن تقدمها لطفل ليست أن تحبه كثيراً، بقدر ما هي أن تعلمه أن يحب نفسه.

الآخر وأنا والعلاقة

“سايكولوجيز”: ما هي خصوصية العلاقة التي يتمتع فيها كلا الشريكين بما يكفي من حب الذات داخلهما للتعامل مع اللقاء الرومانسي، وفي وقت لاحق، العلاقة كزوجين؟

جاك سالومي: إمكانية خلق علاقة حية وخلاقة معاً تفتح الباب لكل احتمالات الحب. في العلاقة، التي أرمز إليها بوشاح، أذكّرك أنه يوجد دائماً ثلاثة منا: الآخر، وأنا، والعلاقة بيننا. في العلاقة المختلة، غالباً ما نريد التعامل مع “غاية” الطرف الآخر، أو الانتظار حتى يتعامل الآخر مع “غايتنا”. وفي العلاقة التي تراعي احتمالات كل شخص، يصبح كل شريك مسؤولاً عن “جزء من العلاقة”، ويمكنه تعريف نفسه وتحديد مكانته دون الحاجة إلى تعريف الآخر أو إبعاده.

هذا الموقف المسؤول هو ترياق للإدمان والإحباط والصراع المدمر. إذ إنه يتيح لنا الوصول إلى إبداعنا واستقلاليتنا وحريتنا في أن نكون. ويمنحنا حب الذات الوصول إلى أفضل ما في وسعنا في العلاقات مع الآخر وعلاقاتنا الخاصة وتلك الخاصة بشريكنا.

كيف تصبح صديقاً لنفسك

غالباً ما يُعتقد أن الروحانيات الشرقية تحتقر الـ “أنا” وتسعى إلى إلغائها من أجل “التحسين”. غير أن البوذية تتحدث بالأحرى عن الإحسان “مايتري” (maitri) كممارسة أساسية.

ولكن ماذا يعني أن تكون “لطيفاً مع نفسك”؟ تجيب الراهبة الأميركية المولد بيما شودرون قائلة: “يتعلق الأمر بأن تبدأ في الاهتمام بنفسك، وإجراء الأبحاث والتحلي بالفضول تجاه نفسك. من الواضح أن الوسيلة الرئيسة لذلك هي التأمل، لأنه يتيح لك ملاحظة كل فكرة وعاطفة ثم قبولها.

لم يعد الهدف هو التركيز المفرط على الذات، بل الانفتاح على الشفقة: “إذا استطعت الحصول على هذا النوع من المصداقية والرقة واللطف تجاه نفسك، وأن تظل واضحاً أمام ذاتك، يمكن أن يمتد هذا الشعور بالرحمة إلى الآخرين من دون عائق”.