هل تسهم تقنية حكم الفيديو المساعد في تقليص انحياز الحكام للفرق الأكثر نجاحاً؟ 

انحياز الحكام
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

قد يصعب علينا أحياناً الاعتراف بانحيازنا تجاه بعض الأشخاص والمجموعات، أو ضبط هذا الانحياز حتى مع معرفتنا أن ذلك ليس إنصافاً، فنحن البشر مدفوعون بمشاعر وآراء شخصية كثيراً ما تؤثر في أحكامنا على الآخرين.

لذلك نلجأ في المشكلات التي تحتاج قرارات مصيرية إلى أشخاص آخرين غير منخرطين عاطفياً في نفس الأمر حتى يستطيعوا رؤية الموضوع بصورة أكثر موضوعيةً، وننتظر من هؤلاء الأفراد الحكم العادل. لكن هل دائماً يكون قرار هؤلاء الأفراد الذين من المفترض أن يكونوا حياديين، عادلاً؟

انحياز الحكام في كرة القدم

يؤدي حكام كرة القدم الدور الأساسي في تطبيق قواعد اللعبة، فهم الأفراد غير المنحازين الذين يصدرون قرارات مبنية على قواعد معممة، بعيداً عن الآراء والتفضيلات الشخصية وامتلاك ولاء لفريق دون غيره؛ إلا أن الحكام يتخذون قراراتهم في ظل قيود زمنية وفي بيئة معقدة، لذلك فالأخطاء محتملة لصالح أي فريق.

لكن أن الأمر لا يسير بهذا الشكل، فهناك بعض العوامل التي تعزز القرارات والمعاملة التفضيلية لصالح فرق معينة؛ من أشهرها المحاباة للفريق المضيف، والانحياز للفرق الأكثر نجاحاً وشعبيةً وفقاً لدراسة منشورة بدورية بلوس وان (Plos One) في عام 2020.

الانحياز للفريق المضيف والأكثر نجاحاً

تشير الدراسة المذكورة والتي بحثت في انحياز الحكام (Referee Bias) إلى اختلاف حساب وقت البدل الضائع وفقاً للفريق المتقدم في النتيجة. وتوضح إن الحكام قد احتسبوا وقتاً أطول بشكل ملحوظ في شوط المباراة الثاني إذا كان الفريق الضيف متقدماً بهدف واحد مقارنة بالوقت الذي يتقدم فيه الفريق المضيف بهدف واحد.

كما أظهرت النتائج ميل الحكام لمنح الفرق المضيفة المزيد من ركلات الجزاء الترجيحية، وتمتد هذه المحاباة لتشمل زيادة احتساب العقوبات على الفريق الضيف مقارنة بالمضيف؛ ما يؤثّر في النتيجة النهائية للمباراة.

إلى جانب المحاباة للفريق المضيف، فقد يتحيز الحكام أيضاً للفرق الأكثر نجاحاً وشعبية. على سبيل المثال؛ سمح الحكام خلال موسم 2014-2015 في الدوري الإسباني بمزيد من الوقت الإضافي للفرق الأكثر شعبية عندما كانوا متأخرين في النتيجة، ووقت أقل عندما كانوا متقدمين، وربما يرجع ذلك إلى استيعاب الحكام لتفضيلات وسائل الإعلام والمشجعين.

الانحياز للفرق الناجحة في ركلات الجزاء

بالإضافة إلى الانحيازات المذكورة، كشفت نتائج دراسة أخرى منشورة بدورية فرونتيرز في الرياضة والحياة النشطة (Frontiers in Sports and Active Living) بحثت في مدى ارتباط انحياز حكام الدوري النرويجي الممتاز بنجاح الفريق عند منحهم ركلات الجزاء، عن منح الحكام ضربات الجزاء للفرق الناجحة أكثر من خصومهم الأقل نجاحاً.

تشير الدراسة إلى منح الفرق الناجحة 110% (11 من 10) من ضربات الجزاء بينما تم منح خصومهم الأقل نجاحاً 12.5% (1 من 8) فقط؛ ما يعني أن الفرق الناجحة هي أكثر عرضة لتلقي ضربات جزاء -صحيحة وغير صحيحة- مقارنة بخصومها، وأنهم أقل عرضة للحرمان من عقوبة كان ينبغي منحها.

تكشف هذه النتائج أن قرارات الحكام قد تكون منحازة دون قصد بسبب نجاح الفريق استناداً إلى نظرية التأثير الاجتماعي التي تقترح أن المجموعة التي تضم العدد الأكبر من الأعضاء (الفريق المضيف)، وذات القوة الأكبر (الفريق الأكثر نجاحاً)، والقريبة من الهدف (الجماهير) تمارس التأثير الأكبر في الهدف؛ أي في هذه الحالة الحكم.

وتؤكد هذه النتائج انحياز بعض الحكام للفرق الأكثر نجاحاً على الرغم من إفادة معظم الحكام المشاركين في إحدى الدراسات السابقة من جامعة أغدر النرويجية (University of Agder) لحكام كرة قدم نرويجيين من الدرجة الأولى أن اتخاذ قراراتهم لا يتأثر بالضوضاء أو الاضطرابات أو الأخطاء السابقة أو السلوكيات العدوانية للآخرين.

كما يبدو أن حجم تحيز الحكم وتأثره بالقوى الاجتماعية يكون أكثر وضوحاً مع زيادة كثافة الجمهور، وإذا كان الحكم يعاني من مستويات قلق مرتفعة.

اقرأ أيضاً: لا مزيد من الحظ في ركلات الجزاء الترجيحية

تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) وانحياز الحكام

أدرج مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم (International Football Association Board) في مارس/آذار 2018 تقنية حكم الفيديو المساعد ضمن قواعد كرة القدم، وكانت نهائيات كأس العالم في روسيا عام 2018 هي أولى النهائيات التي تم فيها استخدام هذه التقنية؛ ما يعني أن احتساب هدف مثل هدف مارادونا الشهير بنهائيات كأس العالم ضد فريق إنجلترا عام 1986 هو أمر بالغ الصعوبة إلا أنه لا يلغي تماماً احتمالية انحياز الحكام، بوعي أو من دون وعي، لاحتساب أهداف وركلات جزاء صحيحة، أو إلغائها.

على سبيل المثال؛ لم يحتسب الحكم في مباراة بين فريقيّ برشلونة وبايرن ميونخ ضمن دوري المجموعات بمسابقة دوري أبطال أوروبا في سبتمبر/أيلول الماضي التي لُعبت على أرض الفريق الألماني ركلة جزاء واضحة للاعب فريق برشلونة، على الرغم من اجتماع العديد من خبراء التحكيم بالدوري الإسباني على صحتها؛ كما أن الحكم لم يستعن في اتخاذ قراره بتقنية حكم الفيديو المساعد (VAR).

تتفق هذه الواقعة مع نتائج دراسة من جامعة مونستر الألمانية (University of Muenster) والتي أوضحت إن استخدام تقنية حكم الفيديو المساعد أثرت بشكل عام في عملية صنع القرار لدى الحكام؛ إلا أن الانحياز للفريق المضيف انخفض جزئياً فقط كما أن هذه التقنية لا ترتبط بشكل أساسي بخبرة الحكام.

وأخيراً، فالأخطاء البشرة واردة بكل مجال؛ إلا أن الانحياز هو أمر أكثر خطورة وقد يؤدي إلى خسائر جسيمة إذا لم يتم الالتفات له ومحاسبة من يقترفه عمداً. لذلك نأمل هذا العام أن نشاهد مباريات تشتعل حماساً بمهارات اللاعبين والروح القتالية، بعيداً عن أخطاء الحكام وانحيازاتهم التي قد تهدر جهوداً مضنية لفِرق تود فقط أن يكون حكم المباراة عادلاً!