ما هي هلوسات الذكاء الاصطناعي؟ وهل يمكن لعلماء النفس تفسيرها؟

هلوسات الذكاء الاصطناعي
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: إحدى الخصائص البشرية التي ورثها الذكاء الاصطناعي عن مبتكريه هي إلزام نفسه بإنشاء إجابات واقعية للأسئلة بغض النظر عما إذا كان يعرف ما الذي يتحدث عنه أو لا، فهل تحتاج هلوسات الذكاء الاصطناعي إلى علماء نفس لتفسيرها؟

يشمل مصطلح “هلوسات الذكاء الاصطناعي” عادةً مجموعة متنوعة من الطرائق التي تولد بها أنظمة الذكاء الاصطناعي نسخاً مشوهةً من الواقع، يمكن أن تصل حد إنشاء المقالات الإخبارية المزيفة والبيانات غير الصحيحة حول الدراسات البحثية أو الوثائق المتعلقة بالأفراد أو الأحداث الماضية أو المفاهيم العلمية؛ مثل إنشاء دراسة طبية بأبحاث ملفقة، إضافةً إلى العديد من الأخطاء الطفيفة التي باتت مألوفة لمستخدمي تشات جي بي تي مثل الأخطاء الوقائعية وتقديم أجزاء عشوائية من معلومات غير ذات صلة بالسياق المحدد، وتفسير التعليمات على نحو خاطئ.

على النقيض من ذلك، تقتصر الهلوسات البشرية عادة على اضطرابات الصحة العقلية الشديدة نسبياً مثل الفصام، أو الحالات العصبية الأخرى، أو تعاطي المخدرات، أو الحرمان المزمن من النوم على سبيل المثال. وتُعرّف هذه الهلوسات بأنها التجارب الناجمة عن التغيرات في النشاط الدماغي، لا سيما في المناطق التي تعالج المعلومات الحسية والذاكرة والعواطف؛ ومن ثَمّ قد يصعب وصف أخطاء الذكاء الاصطناعي وهفواته المتكررة بالهلوسات، وبخاصة في الحالات المتطرفة مثل التزييف العميق؛ حيث تُستخدم خوارزميات الذكاء الاصطناعي للتلاعب بصور أو مقاطع فيديو لأناس حقيقين لابتكار محتوىً مزيف، فهل هذا مثير للقلق؟ قد لا يكون كذلك طالما أن نوعَيّ الهلوسة كليهما يُنشآن من الأسس النفسية ذاتها، فبعض هلوسات الذكاء الاصطناعي أنشأه البشر الذين ابتكروه ربما بالخطأ، في حين أن أخرى أنشأها الذكاء الاصطناعي بنفسه، وفي كلتا الحالتين ربما حان الوقت لتعيين علماء نفس مختصين بالذكاء الاصطناعي.

إحدى الخصائص البشرية التي ورثها الذكاء الاصطناعي عن مبتكريه هي إلزام نفسه بإنشاء إجابات واقعية للأسئلة بغض النظر عما إذا كان يعرف ما الذي يتحدث عنه أو لا، وينشأ ذلك من التحيزات المعرفية؛ تلك الاختصارات الذهنية التي يستخدمها البشر كثيراً والتي تزيد سرعة عمليات التفكير البشري وكفاءة الطاقة المستخدمة فيها؛ ولكنها يمكن أن تؤدي أيضاً إلى أخطاء منهجية.

أحد الأمثلة على ذلك هو “التوافر الإرشادي”؛ وهو انحياز سلوكي يتضمن تبني أول إجابة تتبادر إلى الذهن طالما أنها تبدو مناسبة ومن ثَمّ اتخاذ قرارات متسرعة دون دراسة عواقبها. ومن الأمثلة الشهيرة سؤال: “ما أخطر وسيلة نقل”؟ الذي نجيب عنه بسرعة عادةً: “الطائرة”، وذلك نظراً لتركيز وسائل الإعلام على قلة حوادث الطائرات مقارنة بالعدد الكبير جداً لحوادث الطرق التي تزهق الكثير من الأرواح؛ إذ توفر الصور التي تتصدر الذاكرة أسرع الإجابات المتاحة، وحينما يكون علينا الاختيار بين دراسة الاحتمالات أو التقدير بناء على التجربة فإننا نميل إلى الخيار الثاني، وهو بالضبط ما دُّربت على فعله نماذج اللغات الكبيرة للذكاء الاصطناعي (Large Language Models. LLM).

فرضاً كتبت عبارة: “أكون أو”، فيمكن لنموذج اللغات الكبيرة محاولة إكمالها من خلال البحث في ملايين الاحتمالات للكلمات القليلة التالية أو اتخاذ اختصار بالاستعانة بالأعمال الكاملة لشكسبير، والرد بـ “لا أكون”؛ ومن ثَمّ تلبية الطلب البشري في الحصول على إجابات سريعة وتبدو واقعية في الوقت ذاته.

أظهرت تجارب الحرمان الحسي التي أجراها علماء النفس في الأصل في خمسينيات القرن الماضي، بصورة أوضح، ميل الدماغ إلى خلق محفزاته الخاصة في غياب المحفزات الخارجية، فحينما حُرم البشر من المحفزات الحسية جميعها لفترات طويلة باستخدام ما يُسمَّى “خزانات العزل”، ولّدت أدمغتهم الهلوسات الأشد والأكثر والواقعية، وبالمثل؛ تحدث الأحلام عادةً حينما ينفصل الدماغ عن العديد من وظائف الجسم الحركية في أثناء النوم.

يُعد الذكاء الاصطناعي أيضاً نظاماً ذاتي التنظيم وشديد التعقيد، ولا ينبغي أن نتفاجأ من أنه يولّد هلوساته في غياب المحفزات الخارجية ويبتكر حقائق ملفقة تثير القلق، ويبقى ما يفعله لغزاً؛ لكن هذه الأجزاء العشوائية من المحفزات المولدة ذاتياً ستسهم على نحو رئيسي في الإبداع الذي نطالبه به على نحو متزايد، وربما علينا أن نحاول تفسير “أحلام” الذكاء الاصطناعي من خلال الأدلة التي تفلت من عملياته؛ تماماً كما كان يفعل فرويد.

خلال الاستخدام اليومي، ثمة مؤشرات يمكن تحريها قد تشير إلى حدوث هلوسات الذكاء الاصطناعي، وتتمثل إحدى طرائق اكتشافها في اختبار النظام بمدخلات متنوعة، فإذا كان ينتج باستمرار مخرجات غير صحيحة أو غير اعتيادية لمدخلات معينة، قد يدل ذلك إلى هلوسة الذكاء الاصطناعي.

وثمة طريقة أخرى وهي فحص الأنماط والاتجاهات في المخرجات التي ينتجها النظام، فاختلافها الكبير والمستمر عن المعيار المتبع، قد يشير إلى وجود هلوسات أيضاً؛ كما أنه من المهم مراقبة سلوك النظام بمرور الوقت إذ قد تظهر الهلوسات تدريجياً.

كما رأينا؛ على الرغم من الاختلافات الواضحة، فإن حالات الإدراك المتغيرة هذه “التي يمر بها” الذكاء الاصطناعي والبشر تتشارك العديد من السمات؛ ما يؤكد أهمية فهم الهلوسات وإدارتها في كلا السياقين. ومن خلال استكشاف أوجه التشابه هذه، يمكن للخبراء فهم تعقيدات التمييز والإدراك وإنشاء أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر مرونة وموثوقية قد تؤدي إلى فتوحات ثورية في مجالات التكنولوجيا وعلم النفس.