كيف يؤثر تصميم منزلك ومكتبك في صحتك النفسية؟

علم النفس البيئي
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: سواء كنت تعيش في مدينة أو قرية، في المنزل مع عائلتك أو مع زملائك في السكن الجامعي، فإن بيئتك المباشرة تؤثر في حالك بصفة عامة، وفي حالتك النفسية بصفة خاصة، وذلك وفقاً لعلم النفس البيئي، فكيف يحدث ذلك؟ هذا ما سنتعرف إليه في مقالنا.

يؤثر محيطنا اليومي بوضوح في حالتنا المزاجية وصحتنا النفسية، فعلى سبيل المثال؛ تثير الغرفة المظلمة التي تعج بالفوضى مشاعر مختلفة عن تلك التي تثيرها المليئة بالهواء والضوء، أما مساحات العمل الضيقة والمزدحمة فإنها تشوش عقولنا ويمكن أن تجعلنا نشعر بمزيد من القلق والتوتر؛ إذ إن تصميم المنزل ومكان العمل يُعد أحد أهم العوامل التي تؤثر في الصحة النفسية، فكيف يحدث ذلك؟ إليكم الإجابة في هذا المقال.

ما هو علم النفس البيئي؟

يشرح أستاذا علم النفس فرانسيس (Francis T) وماك آندور (McAndrew) في كتابهما "علم النفس البيئي" (Environmental Psychology)، هذا المفهوم ويؤكدان إنه فرع من فروع علم النفس يهتم بالتفاعلات بين البشر والبيئة المحيطة بهم.

وينصبّ اهتمام علم النفس البيئي على دراسة الكيفية التي تؤثر بها البيئة المحيطة في سلوك البشر ومشاعرهم وأحاسيسهم، وقد ركزت الدراسات المبكرة لعلم النفس البيئي على دراسة تأثير المباني التي صنعها البشر في السلوك. وخلال السنوات الأخيرة، توسعت دائرة الموضوعات التي يدرسها علم النفس البيئي على نحو واضح، وامتدت لتشمل مواجهة المشكلات التي تواجه بعض الدول مثل التغير المناخي وأثره النفسي في البشر.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن أن يساعدنا التصميم الداخلي للمنزل على الشعور بالتحسن؟

ما العلاقة بين تصميم المكان والصحة النفسية؟

هل حدث يوماً أن تعجبت من اعتدال حالتك المزاجية في بعض الأماكن دون غيرها؟ هل لاحظت أنك تضل الطريق في بعض المدن ولكنك سرعان ما تجد طريقك في مدن أخرى؟ الحقيقة أن تصميم الأماكن والمدن له تأثير كبير في حالتنا النفسية.

خلال عام 1943، وفي أثناء التخطيط لإصلاح مجلس العموم الذي دمرته القنابل في الحرب العالمية الثانية، قال رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل (Winston Churchill): "نحن نشكّل مبانينا، ثم تشكلنا المباني بعد ذلك".

لم يكن تشرشل يعلم وقتها أن علماء النفس سوف يدعمون مقولته؛ حيث تؤكد المهندسة المعمارية المتخصصة في الإسكان والتصميم الاجتماعي، أليسون بروكس (Alison Brooks) إن الأفكار القائمة على علم النفس يمكن أن تغير كيفية بناء المدن.

وفي سياق متصل، يوضح باحثوا علم النفس بجامعة ديكن، إيزابيلا باور (Isabella Bower) وبيتر إنتيكوت (Peter Enticott) وريتشارد تاكر (Richard Tucker)، إننا نقضي 80% على الأقل من حياتنا داخل المباني؛ لذلك من المهم أن نفهم ما إذا كانت المباني التي نشغلها تؤثر في أدمغتنا وحالتنا النفسية. وقد أجرى هؤلاء الباحثون تجربة عملية على الطلاب وتوصلوا إلى نتيجة مفادها أن تصميم الأماكن يؤثر بوضوح في نشاط الدماغ.

اقرأ أيضاً: هل ثمة صلة بين مكان إقامتك وإصابتك بالاكتئاب؟

كيف يؤثر تصميم منزلك في صحتك النفسية؟

البيت هو ملاذك الآمن؛ إنه المكان الذي تعود إليه بعد يوم عمل مرهق، وحتى حين تواجه بعض المشكلات الصعبة مثل الشجار مع أحد المقربين منا؛ حيث نتراجع إلى مساحتنا الخاصة بحثاً عن الحماية.

وتؤكد مختصة الطب النفسي راشيل سكوت (Rachelle Scott) إن بيئة المنزل تشمل أكثر من مجرد المسكن؛ حيث إنها مزيج من البيت والأشخاص الذين يعيشون داخله والنطاق المجتمعي المحيط، وتشمل العوامل البيئية المنزلية التي يمكن أن يكون لها تأثير كبير في الصحة النفسية ما يلي:

  • شكل التصميم الداخلي: يمكن للمساحات المزدحمة أن تثير شعوراً بالارتباك والقلق؛ في حين أن المساحات المرتبة تخلق الإحساس بالهدوء، ويمكن أن يؤدي وجود الألوان المتناسقة والدافئة في بيتك إلى تحسين الحالة المزاجية.
  • الإضاءة والأصوات: تؤثر الإضاءة والأصوات والروائح تأثيراً كبيراً في الصحة النفسية؛ حيث تؤدي الإضاءة القوية والضوضاء الصاخبة إلى زيادة القلق والتوتر في حين أن المساحات المظلمة والباردة يمكن أن تحفز الشعور بالهدوء.
  • التواصل الشخصي: يمكن أن يكون التواصل مع الأشخاص الذين لا نشعر بالتوافق معهم في البيت مرهقاً جداً. وعلى العكس من ذلك، فإن مشاركة مساحة البيت مع شخص نرتاح إليه ونثق به يمكن أن يخلق إحساساً بالهدوء.
  • طبيعة المناخ: يتضمن ذلك درجات الحرارة في المكان الذي تعيش فيه، وكمية ضوء الشمس التي تحصل عليها، ومدى تعرضك للكوارث الطبيعية؛ حيث يرتبط تغير المناخ بالعديد من مشكلات الصحة النفسية، فيؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة معدل الانتحار والعدوانية، أما التعرض للكوارث فإنه يؤدي إلى الإصابة بالاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة.
  • مستويات الجريمة: إذا كنت تعيش في منطقة تكثر بها الجرائم فسوف تصاب بالقلق والاكتئاب، وعادة ما تميل مستويات الجريمة إلى التأثير في الإناث تأثيراً أقوى.

اقرأ أيضاً: كيف يؤثر تنظيف المنزل في صحتك النفسية؟ وكيف تدمجه في روتينك اليومي؟

كيف تجعل مكان معيشتك أفضل لصحتك النفسية؟

هناك الكثير من أمور حياتنا التي تقع خارج نطاق سيطرتنا ولا يمكننا تغييرها، ويُعد البيت المكان الوحيد الذي نملك السلطة الكاملة عليه؛ ولهذا علينا أن نجعله دائماً في أفضل حال عبر اتباع الخطوات الآتية:

  1. حاول الحصول على أكبر قدر من ضوء الشمس داخل البيت.
  2. تخلَّص من الفوضى لزيادة رحابة منزلك ومن ثَم رفع حالتك المعنوية.
  3. ضع النباتات والزهور لتحسين مزاجك.
  4. احرص على اختيار الألوان المريحة نفسياً؛ إذ إنها تعد من أكثر عناصر التصميم التي تغير الحالة المزاجية، فكل لون له تأثيراته النفسية الخاصة به.

ما تأثير تصميم مكان العمل في الصحة النفسية للموظفين؟

تعتقد خبيرة بيئة العمل الداخلية ومؤلفة كتاب "بيئة العمل الصحية" (The Healthy Workplace)، ليا سترينغر (Leah Stringer)  إن صحة الإنسان النفسية يجب أن تكون أساس تصميم مكان العمل لأن الشركات تزدهر بسبب ابتكار موظفيها وقدراتهم.

وفي سياق متصل، تؤكد أستاذة علم النفس السلوكي براغيا أغاروال (Pragya Agarwal) إن جودة الهواء والإضاءة في مكان العمل يمكن أن تكون ذات تأثيرات كبيرة في وظائف الدماغ وإنتاجيته، فيمكن أن تتسبب الإضاءة السيئة في حدوث الصداع وإجهاد العين والإرهاق؛ ما يؤدي في نهاية المطاف إلى الإصابة بالقلق والاكتئاب.

عامل حاسم آخر في تصميم مكان العمل هو درجة الحرارة؛ حيث إن درجات الحرارة المرتفعة أو الشديدة البرودة يمكن أن تؤثر سلباً في الوظيفة الإدراكية؛ ما يؤدي بدوره إلى انخفاض الإنتاجية وزيادة الأخطاء. ولذلك؛ يجب الحفاظ على مستويات درجة الحرارة المثلى لضمان راحة الموظفين ورفاهيتهم.

ومن المهم أن يشمل التصميم المريح لمكان العمل عدة عناصر؛ ومنها الكراسي المريحة والمكاتب القابلة للتعديل والإضاءة المناسبة والمعدات السهلة الاستخدام والتشغيل؛ حيث من الممكن أن تساعد تلك العناصر على تقليل مخاطر الاضطرابات العضلية الهيكلية مثل متلازمة النفق الرسغي وآلام الظهر التي يمكن أن تكون مصدراً رئيساً لعدم ارتياح الموظف وتغيُّبه عن العمل.

وحول العلاقة بين تصميم مكان العمل والصحة النفسية، تشرح المهندسة المعمارية غالية الظفيري إن سعة المساحة تؤثر إيجاباً في الإنتاجية لأنها تدعم الشعور بالحميمية وتعطي نوعاً من الراحة النفسية. وتضيف الظفيري إن الدراسات العلمية تؤكد إن المساحات الواسعة في مكان العمل تزيد الإنتاجية بنسبة 72%. وإلى جانب ذلك، من المهم أن تحتوي بيئة العمل على العناصر الطبيعية مثل المساحات الخضراء.

اقرأ أيضاً: كيف يؤثر العمل عن بُعد في توازنك النفسي؟

نصائح من أجل تصميم مكان عمل داعم للصحة النفسية

يقول الأستاذ بكلية الصحة العامة بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، ريتشارد جاكسون (Richard Jackson): "إن المطورين والمهندسين المعماريين يمكن أن يكونوا أكثر فعالية في تحقيق أهداف الصحة العامة من الأطباء الذين يرتدون المعاطف البيضاء". ويقصد جاكسون من ذلك إن تصميم المباني يسهم في تحقيق أهداف الصحة العامة. ومن أهم النصائح التي تؤدي إلى توفير مكان عمل يدعم الصحة النفسية:

  • تخطيط شكل المكاتب:  أصبحت المكاتب المفتوحة شائعة على نحو متزايد في السنوات الأخيرة؛ حيث يمكنها تعزيز التعاون والتواصل بين الموظفين. ومع ذلك، يمكن أن تكون تلك المكاتب مزعجة ومشتتة للانتباه؛ ما يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية وزيادة مستويات الإجهاد. ولتعظيم فوائد المكاتب ذات المخطط المفتوح، يجب على أصحاب العمل توفير مناطق عمل هادئة وغرف اجتماعات خاصة لضمان قدرة الموظفين على العمل بفعالية دون تشتيت انتباههم.
  • استخدام النباتات: وجود المساحات الخضراء داخل بيئة العمل يمكن أن يقلل التوتر والقلق  ويحسن المزاج ويعزز الوظائف الإدراكية.

ختاماً، إذا كنت ترغب في تعزيز صحتك النفسية، فابحث أولاً في مساحة المعيشة أو البيئة التي تعمل فيها، فهناك قد تتمكن من إجراء بعض التغييرات لتحسين حالتك المزاجية وتحقيق أهداف حياتك، فالتفاصيل البسيطة قد تصنع تأثيراً كبيراً في حياتك.

اقرأ أيضاً: 10 نصائح تساعدك على تحقيق الصفاء والتوازن في منزلك.