كيف تساعد طفلك على التخلّص من تداعيات التنمّر في المدرسة سواء أكان ضحية أم جانياً؟

7 دقيقة
التنمّر
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: ظاهرة التنمّر ضدّ طلّاب المدارس تقضّ مضجع الكثير من الآباء وأولياء الأمور، وتسبّب آفات نفسية واجتماعية خطرة. ما السبيل إذاً إلى حماية أبنائنا وفلذات أكبادنا من هذه الظاهرة؟ وما النّهج الأنسب الذي يجب أن يتبنّاه أولياء الأمور لمواجهة تداعياتها؟ يقدّم هذا المقال أفضل الممارسات للحدّ من ظاهرة التنمّر في المدارس وتجاوز تداعياتها النفسية وفقاً لمجموعة من الخبراء.

يتعرّض ما بين 800 ألف ومليون طفل سنوياً إلى التنمر؛ أي أكثر من طفل واحد من أصل 10 في فرنسا وحدها. تقول أستاذة علوم التربية وعلم اجتماع التربية، كاترين بلايا (Catherine Blaya): “التنمّر والضرب والترهيب؛ كلها كانت سلوكيات شائعة دائماً بين الطّلاب؛ لكن غالباً ما استهان البالغون بهذا النوع من العنف، ولم يبدأ الباحثون الحديث عن التنمّر في فرنسا إلا في نهاية سنوات التسعينيات، ثم أسهمت شبكات التواصل الاجتماعي في تفاقم هذه الظاهرة”.

منذ سنة 2016، خصّصت الحكومة الفرنسية حملة توعية سنوية للوقاية من هذه الظاهرة. وتطلّب الأمر وقوع حالات انتحار العديد من الطلّاب كي تطلق السلطات الفرنسية في سبتمبر/أيلول 2022 برنامجاً واسع النطاق لمكافحة هذه الظاهرة (شمل 60% من المدارس الابتدائية و86% من المدارس الإعدادية). هذا البرنامج المكوّن من 8 مراحل والهادف إلى “إنشاء فرق من موظّفي التعليم لحماية الطلّاب” و”تحسيسهم بالظاهرة من خلال حصص تعليمية تصل إلى 10 ساعات سنوياً من الصفّ الأول الابتدائي إلى الصفّ الثالث الإعدادي” لم يكن في مستوى التحدّيات التي تفرضها ظاهرة التنمّر وفقاً لمعظم المختصّين.

وتأكدت هذه الخلاصة بعد حادثة انتحار الطفلة ليندساي في مايو/أيار الماضي بسبب تعرّضها إلى التنمّر على مدار أشهر. وبعد أن وصفت الحكومة هذه الظاهرة بالأولوية المطلقة في الموسم الدراسي 2023، أصبحت مكافحتها مسؤولية الجميع في الواقع.

%7 فقط من الأطفال ضحايا التنمّر في المرحلة الابتدائية يخبرون آباءهم بما يتعرّضون إليه.

إذا كان ابنك ضحية التنمّر

“ما الذنب الذي ارتكبه طفلي كي يتعرّض إلى التنمر؟ّ” هكذا يتساءل الآباء والأمهات وهم تائهون بين الشعور بالذنب وعدم فهم ما يحدث. توضّح أستاذة علوم التربية وعلم اجتماع التربية، كاترين بلايا: “على الرغم من أن الأطفال المتنمّرين يضعون بعض المعايير البصرية لاختيار ضحاياهم مثل السمنة أو الإعاقة، فإن الأبحاث العلمية لم تثبت وجود ضحية مثالية للمتنمّرين. غالباً ما يحدث التنمر نتيجة تراكم العديد من العوامل الفردية مثل عدم النضج العاطفي أو نقص الثقة في النفس والعوامل الظرفية مثل تغيير مقر الإقامة أو الانتقال من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة الإعدادية، بعض هذه العوامل ثابت وبعضها الآخر عرَضيّ”. هذا التغيّر في العوامل الظرفية هو ما تؤكده قصّة ميّادة التي أصبح ابنها اليوم شاباً في العشرين من العمر وتخرّج في معهد من المعاهد العليا بعد أن كان ضحية التنمّر خلال دراسته من الصفّ الثالث الابتدائي حتى الصفّ الثالث الإعدادي.

تقول ميّادة: “أصرّت معلمة ابني ياسر على نقله مباشرة من الصفّ الأول الابتدائي إلى الصفّ الثالث الابتدائي على الرغم من معارضتنا. كان يبدو أصغر من أقرانه ويرتدي نظارات، ووجد نفسه في صفّ يضم طلاباً أكبر منه، فكانوا يسخرون منه كلّما رفع إصبعه، وقد سرقوا حقيبته ومزّقوا بطاقات البوكيمون التي يلعب بها وضربوه. بعد أسابيع من التنمر، شعر بحزن شديد، إلى أن أخبرني مسؤولو المدرسة ذات يوم أنه حاول شنق نفسه داخل الفصل! من حسن الحظّ أنني أنتمي إلى جمعية أولياء أمور الطلّاب وكنت على اتّصال مستمرّ بإدارة المدرسة وقد تمكّنا من التدخّل في الوقت المناسب”.

وفقاً للمختصّ النفسي، برونو هومبيك (Bruno Humbeeck)؛ فإن 7% فقط من الأطفال ضحايا التنمّر في المدارس الابتدائية يخبرون آباءهم بما يتعرّضون إليه: “يلزم أغلبهم الصمت كي لا يُقلقوا آباءهم وأمهاتهم لأنّهم يعتقدون أن تدخّلهم سيؤدّي إلى تفاقم الموقف”. يبلغ أيمن اليوم 25 عاماً من العمر، وهو ضحية من ضحايا التنمّر يحتفظ بلقب “البدين” الذي كان يطلقه عليه المعتدون في تلك السنوات الصعبة. يقول: “لم أختر أن أكون حسّاساً جداً وسميناً، لقد نجح المتنمّرون في دفعي إلى لوم نفسي والاعتقاد أنّني سبب مشكلتي. كانت فترات الاستراحة في ساحة المدرسة مجالاً لإعادة إنتاج الأفكار النمطية التي كانت سائدة في المجتمع، كنت أعتقد أن الأمر مشكلة شخصية، ولم أرغب في زيادة قلق والداي اللذين كانا يجدان أصلاً صعوبة بالغة في توفير نفقات العيش”.

مقترحات لمساعدة ابنك

يجب أن تنتبه إلى التغييرات التي تطرأ على الحالة المزاجية لابنك أو سلوكه مثل اضطرابات النوم والأكل وزيادة الانفعال وتراجع التقدير الذاتي والنتائج الدراسية والتأخّر عن المدرسة وغير ذلك. وإذا لزم الأمر أو شعرت أن الموقف يفوق قدراتك، بإمكانك استشارة المختصّين لتمكين ابنك بانتظام من البوح بما يتعرّض إليه. يضيف المختص النفسي برونو هومبيك: “ليس المهم أن يقول الطفل إنه يتعرّض فعلاً إلى التنمّر؛ بل المهمّ ألّا نقلّل من أهمية المشاعر التي يحسّ بها دون مبالغة طبعاً، مع تجنّب عبارات من قبيل: لا بأس، أو إنه مجرد مزاح، أو ستتعرّض إلى المزيد”. حاول أن تخلّصه من الشعور بالذنب قائلاً: “أنت لست مسؤولاً عمّا يحدث لك، ولا علاقة له بمزاياك أو عيوبك، إنه قدَرك لا أقل ولا أكثر”.

في حال تفاقم المشكلة فكّر أنت وطفلك معاً في الحلّ المناسب للتخلّص منها. أسوأ خيار هو أن تلجأ إلى حلول البالغين “الجاهزة” مثل حرمان ابنك من هاتفه أو تغيير المدرسة التي يدرس فيها أو مناقشة الموقف بين الآباء فقط أو عقد لقاء مواجهة مباشر بين الضحية والمتنمّر. يقول المعالج المختصّ في العلاج الاستراتيجي القصير المدى المستلهم من نهج مدرسة بالو ألتو (Palo Alto) في العلاج النفسي، إيمانويل بيكيه (Emmanuelle Piquet): “التدخّل في هذه المشكلة بدلاً من الطفل الذي يعانيها غير مجدٍ؛ إذ يؤدي ذلك إلى إضعاف الضحية في نظر المعتدي. نحن نفضّل في مراكز العلاج التي أسّسناها وأطلقنا عليها اسم “180 درجة من الحزن المدرسي” (À 180°-Chagrin scolaire)، أن نبلور استجابة سلوكية وميدانية بمشاركة الطفل من خلال الاعتماد على العلاج بالفكاهة أو السخرية من الذات أو اللامبالاة. عندما نُشعِر المتنمّر بعدم الارتياح وتراجع شعبيته، فإنه يتوقف عن التنمّر. وأيضاً، يتوقّف التنمّر في نصف الحالات بمجرد أن تشعر الضحية بالدعم والثقة في النفس”.

لذا؛ على الآباء وأولياء الأمور أن يهتمّوا أكثر بشؤون مدارس أبنائهم. يوضّح المختص النفسي برونو هومبيك أهمية ذلك قائلاً: “البالغون هم المسؤولون عن حماية الأطفال. منذ صدور قانون 3 مارس/آذار 2022 في فرنسا، أصبح التنمّر جناية مجرَّمة. أفضل ما يمكن فعله إذاً هو التواصل مع جمعيات أولياء أمور الطلّاب وإدارات المؤسسات التعليمية لإنشاء منتديات نقاش منظّمة وتوفير الشروط الملائمة لاستجابة منسّقة”. وماذا لو شعرت أن طفلك في خطر لكنّ إدارة المدرسة لا تأخذ الأمر بالجدّية المطلوبة؟ لا تتردّد في بعث رسالة رسمية مع الاحتفاظ بإشعار الاستلام. في حال عدم الردّ على رسالتك، يمكنك الاتصال بالجهات المسؤولة في وزارة التربية والتعليم.

ماذا عن التنمّر السيبراني؟

يمكن أن يتخّذ هذا النوع من التنمّر أشكالاً عدّة مثل الإهانات وتوجيه التهديدات وإطلاق الإشاعات والتحرش الجنسي عبر الإنترنت.

تقول مديرة جمعية طفولة/30 18 الفرنسية، جوستين أتلان (Justine Atlan): “لا يميّز الأطفال بين التنمّر في الحياة الواقعية والافتراضية، علاوة على أن عدم الإفصاح عن الهوية في العالم الافتراضي يعزّز شعور المتنمرين بالقدرة على الإفلات من العقاب”. وغالباً ما تفضّل الضحية الصمت خوفاً من الحرمان من استخدام مواقع التواصل الاجتماعي. “من الأفضل إذاً أن نعزّز شعور الطفل بالثقة في النفس من خلال تلقينه أفضل الممارسات وتذكيره بأن الإنترنت وسيلة تواصل قد تكون خطرة أحياناً، والاستماع إلى تجاربه الشخصية في هذا العالم الافتراضي”. يجب حثّ الأطفال أيضاً على استخدام التطبيقات المجانية والآمنة التي تمكّنهم من الإبلاغ عن تعرّضهم إلى التنمّر أو تساعدهم على استشارة الخبراء أو طلب المساعدة من الأصدقاء.

اقرأ أيضاً: ما هو التنمر السيبراني وما عواقبه؟

إذا كان طفلك متنمِّراً

لا شكّ أنك ستُصدم إذا علمت ذلك. توضّح أستاذة علوم التربية وعلم اجتماع التربية، كاترين بلايا: “حذارِ، فالمتنمّرون لا ينتمون بالضرورة إلى أُسر غير مستقرة”. يقول المعالج النفسي إيمانويل بيكيه: “إنهم يبحثون أولاً عن الشعبية لفرض السيطرة أو الحصول على بعض الامتيازات أو إثارة الانتباه، وتهيمن عليهم عاطفة الاستمتاع والإحساس بالقوة المطلقة”. علاوة على أن بعض الأطفال يتنمّر للانتقام أو دفاعاً عن النفس أو خوفاً من التحوّل إلى ضحية أيضاً.

مقترحات لمساعدة ابنك

لا تنظر إلى هذا الخبر باعتباره تهمة. يوضّح المختص النفسي برونو هومبيك: “ليس المطلوب منك أن تستعدّ للدفاع عن ابنك أو مجادلة الضحية. حاول أن تستمع إلى رواية إدارة المدرسة دون أيّ تصوّرات مسبقة إن أمكن”. بدلاً من أن تسعى إلى معاقبة طفلك بشدّة من خلال حرمانه من النزهات أو التهديد بإلحاقه بمدرسة داخلية، اسأل موظّفي المدرسة عن كيفية التعاون معهم بحثاً عن حلّ بنّاء يسمح لابنك بإصلاح الضرر الذي حصل.

يجب أن تُشعره بالمسؤولية؛ كأن تقول له مثلاً: “أعلمُ أنك لست شرّيراً وأنّك كنت تريد أن تمزح فقط؛ لكنّ الإساءة إلى الآخرين ليست مزاحاً”، ثم ذكّره أيضاً بمقتضيات القانون، واطلب منه تقديم الاعتذار إلى ضحيته. يقول أيمن: “نستطيع جميعاً أن نحسّن سلوكياتنا. عندما أقدّم عروضاً في المدارس حول ظاهرة التنمّر، يعترف بعض الطلّاب أحياناً بالخطأ؛ وهذا أمر إيجابي في صالح طلّاب الفصل جميعاً”. علاوة على ذلك، تقترح بلايا ما يلي: “فكّر مع طفلك من خلال كتاب أو مسلسل تلفزيوني في الشعور الذي يمكن أن ينتاب ضحية التنمّر، وحاولا التوصّل معاً إلى سيناريو إيجابيّ بديل. شجّعه أيضاً على التعبير عن عواطفه واقتنِ له ألعاباً جماعية لتعزيز مهاراته الاجتماعية”، ولا تسمح له باستخدام أيّ لفظ غير لائق مع أصدقائه.

إذا كان طفلك شاهداً على واقعة تنمّر

يؤدي الشهود دوراً أساسياً في عملية مكافحة التنمّر. يقول المعالج النفسي إيمانويل بيكيه: “التنمّر لعبة يمارسها الأطفال جماعياً”. هناك مجموعات مختلفة من الشهود وفقاً لأعمال الباحثة الفنلندية كريستينا سالميفالي (Christina Salmivalli): أولئك الذين يساعدون المتنمّر (المساعدون) وأولئك الذين يشجّعونه (الداعمون) وأولئك الذين يفضّلون الابتعاد لأنهم لا يشعرون بأنهم معنيون بالأمر أو يسيئون تقييم الموقف (الغرباء) وأولئك الذين لا يتدخّلون لأنهم يخافون التعرّض إلى الاعتداء بسبب ذلك أو لا يعرفون طريقة التصرّف المناسبة (الصامتون).

مقترحات لمساعدة ابنك

لا تشجّع طفلك على التدخّل إلا إذا كان واثقاً من نفسه ويحظى بالدعم الكافي. تنصح بلايا بما يلي: “اتّصلْ أولاً بالمسؤول عن المدرسة للتأكّد من أنّ ابنك سيحظى بالحماية الكافية إذا تدخّل في الموضوع”.

احرص على أن يرسل ابنك رسالة إلى الضحية يقول فيها مثلاً: “ما يحدث لك ليس جيداً، عليك أن تعرف أنني أرفض ذلك”. ناقش مع ابنك واقعة التنمّر بعفوية واسأله بعض الأسئلة من قبيل: “هل كنت شاهداً على سلوك صادم؟ و كيف تصرّفت؟ وهل تشعر بالعجز أو الخوف من التعرّض إلى ذلك؟”. ترى بلايا إنّ: “تعزيز قدرات الطفل على التعاطف والتفكير في المعايير التي يجب أن تسود المجموعة التي ينتمي إليها لا يمكن إلا أن يكون مفيداً له وللمجموعة أيضاً”.

“يجب تعزيز الشراكة التربوية بين المدرسة والأسرة”

ٍيمثل قلق النّفور من المدرسة 7% من أسباب استشارة المختصّين في طبّ نفس الأطفال، إلى جانب مشكلة التفكير في الانتحار (لدى 30% من المراهقين مقابل 15% قبل فترة الحجر الصحّي). لقد أصبحت ظاهرة التنمّر في المدارس والإنترنت وباءً بعد الجائحة، ولم تعد تترك أيّ مجال لإفلات الضحايا. لا يكفي تعميم الإجراءات الوقائية الرسمية على المدارس كلّها. يجب أن يتقاضى العاملون في مجال مكافحة الظاهرة راتباً مقابل هذا العمل وأن يحصل موظّفو المدارس على التدريب الكافي، حتّى لا يقع العبء على عاتق الأساتذة والمعلمّين المتطوّعين أو مستشاري التربية والتعليم وحدهم.

يمكن أيضاً الاعتماد على الطلّاب “السفراء” الذين يحصلون على تدريب يسمح لهم بكشف الإشارات الأولى للتنمّر ويحرصون على حماية رفاقهم.

في النهاية، لا بدّ من تشجيع الشراكة التربوية بين المدرسة والأسرة. من الضروري إشراك الآباء والأمهات وأولياء الأمور جميعاً في أيّ عقوبة تأديبية ضد المتنمّرين. هذا الإجراء سيطمئن الضحايا والمعتدين أيضاً على أنّ الجميع سيشارك في اتخاذ القرار المناسب. وقْف تصرّفات المتنمّر مجرد بداية، وسيتعين بعد ذلك الاهتمام به لمعرفة أسباب تنمّره بمساعدة أسرته.

اقرأ أيضاً: مجابهة ظاهرة التنمر المدرسي تبدأ بالتعرف إليها

المحتوى محمي !!