كيف نصبح أكثر تقبلاً للنقد في العمل؟

النقد
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

لا شك في أن لا أحدَ منا يحب تلقّي تعليقات سلبية من الآخرين؛ لكن عندما تصدر هذه التعليقات عن رؤسائنا في العمل وتطال أداءنا فإننا نشعر في بعض الأحيان وكأننا تعرضنا لمأساة حقيقية، فما سبب هذه الحساسية الزائدة؟ وكيف نتعامل مع النقد بطريقة إيجابية؟

تقول لمى ذات الـ 30 عاماً وهي تعمل في مجال الدعاية الإعلان: “أنا أعمل بكل تفانٍ وإخلاص، لذا فإنه يصعب علي جداً تقبل النقد فهو يشعرني بالإهانة، فأغضب وأحاول تقديم الأعذار لنفسي”. أما جمال ذو الـ 41 عاماً وهو مدير حسابات، فإن نقد عمله يشعره بالخوف وليس الغضب، ويقول: “عندما أتعرض للنقد في مكان العمل أشعر بأنني خيبت ظن من حولي وأنني إنسان عديم النفع وأخاف أن يلاحظ الجميع ذلك”.

ووفقاً للمعالجين النفسيين فإن سبب هذه الحساسية الزائدة هو تدني تقدير الذات الذي ترجع جذوره إلى مرحلة الطفولة. وتوضح مختصة التحليل النفسي، فيرجيني ميغلي قائلةً: “قد يعجز الطفل الحساس زيادةً عن اللزوم عن تجاوز مخاوفه إذا لم يمنحه والداه الوقت والاهتمام والتفهم اللازم لذلك”. أو على العكس من ذلك، فقد يفرط الوالدان في حماية الطفل والاهتمام به وينسيان تعليمه كيف يعيش حياته بمعزل عنهما؛ ما يؤدي إلى شعوره بتدني القيمة الذاتية، ومن ثم محاولة تعويض هذا الشعور الشديد بالنقص من خلال قيمة عمله.

ارتباط تقدير الذات بالعمل

تقول مختصة العلاج النفسي والمؤلفة المشاركة لكتاب “جسدي يعرفه” (Mon corps le sait)، كاثرين إيمليت بيريسول: “يشعر بعض الأشخاص بأن توجيه النقد إلى عملهم هو بمثابة رفضهم شخصياً، وهو تشوه معرفي شائع؛ حيث يظن المرء أن نقد جزء من كلامه أو تصرفاته يعني الحكم على كل ما يقوله أو يفعله”. ويرجع سوء الفهم هذا إلى رغبة الفرد في مرحلة مبكرة من حياته في الحصول على تقدير الآخرين ولا سيما في المدرسة، وهي نزعة تتعاظم في مجتمعنا؛ حيث أصبح النجاح المهني هو مفتاح النجاح الشخصي. يقول المدرب ومختص العلاج النفسي برنارد سانانيس: “يسعى كثيرون إلى الحصول على التقدير والشعور بقيمة الذات من خلال العمل، ولذلك فإن نقد عملهم يؤدي إلى اضطراب كيانهم بالكامل، ولا سيما في عصرنا هذا حيث يشعر الكثير من الأفراد بانعدام الأمان الوظيفي”. وتضيف فيرجيني ميغلي قائلةً: “بسبب تضخيم الخوف من البطالة، فإن أولئك “المحظوظين” الذين عثروا على وظيفة يبذلون فوق طاقتهم في العمل”.

النقد يوقظ ذكرى مؤلمة من الماضي

كيف يؤدي التعرض لنقد بسيط إلى الشعور بألم كبير؟ يوضح برنارد سانانس أن المشكلة ليست في النقد بحد ذاته بل في المشاعر التي يثيرها لدى متلقيه؛ والتي تمثل جزءاً من تجاربه السابقة حيث يستحضر المواقف التي شعر فيها بالإهانة أو تدني تقدير الذات. وعلى الرغم من أن التجارب الإيجابية القوية اللاحقة كالنجاحوتلقّي التشجيع يمكنها إزالة هذه الآثار السيئة فإن فيرجيني ميغلي تؤكد أن توجيه ملاحظة صغيرة للفرد الذي يعاني هشاشةً نفسيةً، قد يعيد إحياء خوف قديم متأصل لديه، وهو الخوف من الرفض.

النقد الذي يوجهه رئيس العمل هو الأكثر تأثيراً

لما كان رئيس العمل يجسد “شخصية أبوية” فإن النقد الذي يصدر عنه هو الأكثر زعزعةً لنفسية الفرد، ويوضح مختص التحليل النفسي قائلاً: “نحن نستحضر طفولتنا بصورة رمزية في بيئة العمل، ومن ثم فإنه لكي نحظى بالتقدير ونؤكد استحقاقنا للمكان الذي نشغله علينا أن نرضي رؤساءنا في العمل، وذلك لنحقق النجاح من ناحية موضوعية، ونحتل المرتبة الأولى في قلوبهم من ناحية شخصية”.

كيف يمكننا إذاً أن نصبح أكثر تقبلاً للنقد؟

نصيحة المدرب ومختص العلاج النفسي برنارد سانانيس:

“في معظم الأحيان لا يؤدي مضمون النقد في حد ذاته إلى زعزعة استقرارنا النفسي بل الطريقة التي يصاغ بها، لذا عندما يوجه لك أحدهم نقداً اسأل نفسك: كيف كنت أفضّل أن تصاغ هذه الملاحظة التي تلقيتها بحيث تصبح مقبولةً بالنسبة إلي؟ ثم عبر لمحاورك عن فكرتك وامضيا قدماً في حواركما. على الرغم من أننا قد لا نعرف كيف نوجه النقد ونتلقاه بطريقة منطقية وبنّاءة، فإن بإمكاننا تعلم ذلك في أي وقت ومن ثم تعلم كيفية التواصل مع الآخرين بطريقة أفضل”.

نصيحة مختصة التحليل النفسي فيرجيني ميغلي:

“ليست المشكلة في تعرض عملك إلى النقد بل في الذكرى المؤلمة من مرحلة الطفولة التي يثيرها هذا النقد في داخلك، لذلك اسأل نفسك: ما الموقف الذي شعرت فيه آنذاك بالظلم أو الإهانة؟ ربما تعرضت لهذا الموقف في البيت مع إخوتك أو في المدرسة، ومن خلال البحث في الماضي واكتشاف هذا الموقف ستتمكن من تقبّل النقد الذي تلقيته الآن والفصل بينه وبين الألم الذي أثاره في نفسك. بعد ذلك عليك التفكير في كيفية توجيه النقد إلى الآخرين بطريقة أفضل، فعندما توجه لهم نقداً بناءً، ستتمكن بدورك من تقبل النقد بطريقة بناءة أيضاً”.

النقد دليل على الحب والاهتمام

يقول ماجد ذو الـ 37 عاماً وهو فني مختبرات طبية: “لطالما كان تقبل النقد صعباً جداً بالنسبة إليّ، حتى أدركت بفضل زوجتي أن توجيه النقد قد يكون دلالةً على الحب، فعندما توجه زوجتي نقداً لي أنا أعلم أنها تفعل ذلك لأنها تهتم لأمري فهي قد ترى جوانب مني قد لا أتمكن من رؤيتها بنفسي. ولذلك فقد صرت أحاول التفاعل مع النقد بالطريقة ذاتها في العمل وعلى الرغم من أن النقد الذي أواجهه هناك قد لا يكون دائماً دليلاً على الحب، فإنني أعلم أيضاً أن المرء لا ينتقد الأشخاص الذين لا يثيرون اهتمامه”.

النقد البناء هو الذي يمثل نصيحةً حقيقيةً

تقول سلمى ذات الـ 28 عاماً وهي تعمل في بيع الأزهار: “على الرغم من أنني لم أتعلم تماماً بعد كيف أحافظ على رباطة جأشي عند تعرض عملي للنقد، فإنني أحاول دائماً إعادة النظر في التعليقات التي قد أتلقاها فأتساءل مثلاً: هل كان ذلك الكلام يعبر عن خبث أم سذاجة؟ أي أنني أحاول فهم نية الشخص الحقيقة الكامنة وراء كلامه، ثم أصنف الانتقادات فأضع جانباً تلك التي أرى أنه لا أساس لها من الصحة ووجهها لي رئيسي في العمل بسبب حالته المزاجية مثلاً، بينما أحتفظ في ذهني بما أرى أنه يمثل نصيحةً بالفعل”.