الكابوس والحلم الواعي والرؤيا: تعددت الأسماء والحلم واحد!

كواليس أحلامنا
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

يقضي كل شخص قرابة الخمس سنوات من حياته وهو يسبح في عالم أثيريّ قوامه الصور والرموز والمشاهد المنبثقة من أعماق اللاوعي. نقدم في هذا المقال بعض المفاتيح لقراءة ما يدور في كواليس أحلامنا وفهمه.

ما مدلول نسياننا أو عجزنا عن تذكُّرِ نراه في أحلامنا؟

يعني ذلك ببساطة أننا لم نُعِره أي اهتمام! لكن لِماذا نفعل ذلك؟ لأننا صرنا نعيش في عالم لا يلقي بالاً للمنامات من جهة، ولأن حياتنا اليومية تفرض علينا الاستيقاظ على عجلةٍ من أمرنا من جهة أخرى. ولأن الأحلام الأكثر أهمية تتموقع في نهاية دورة النوم، فهي تضمحل وتذوب في بحر نشاطنا الذهني المفرط. بالإضافة إلى ذلك قد يعمد بعض الأشخاص إلى صدّ عملية استعادة أحلامه بشكل غير واعٍ كي يوفر على نفسه مواجهة مكبوتاته النفسية. يتأتى لجميع الناس استرجاع أحلامهم وتذكُّرها، غير أنه يستلزم بدايةً بعض التدريب والالتزام ببعض الخطوات كتحديد موعد استيقاظك في وقت أبكر عن المعتاد والبقاء قرابة العشر دقائق مستلقياً على السرير واستعادة ما رأيت وقَصّه على شكل حكاية؛ إذ كلما منحنا الأحلام وقتاً كافياً صار بالإمكان استرجاعها بوضوح وتذكرها بدقة.

لِمَ رمزية الأحلام هي نفسها عند الجميع؟

لِمَ تتشابه رمزية الأحلام وما تعنيه حدّ التطابق عند الأشخاص رغم اختلافهم؟ وفقاً للاختصاصيين في الطب النفسجدي، فإن 40% فقط من محتويات أحلامنا تُشكِّل ما يمكن أن نطلق عليه “رواسب نهاريّة” أي عناصر مستقاة من الحياة اليومية وبالتالي فإن كل المتبقي؛ أي ما يقرب من 60%، يأخذ شكل “أنماط بدائية سحيقة”. وقد عزا عالم النفس كارل يونغ هذه الرموز الكونية إلى اللاوعي الجمعي الذي يشكل مخزون معلومات مشتركة بين البشر جميعهم، يُمثّل خلاصة التجارب الإنسانية منذ فجر الخليقة، نقوم جميعنا بالاتصال بها في أثناء نومنا.

ما مدلولات تكرر حلم بعينه؟

إن هذا التكرار هو صنيعة أعماق أنفسنا التي تريد أن تلفت أنظارنا إلى أن قلقاً شديداً أو مشكلةً عويصة تشلّ أرواحنا، ولاوعينا عبر هذا التكرار يدعونا إلى التحرر منها. كيف نتمكن من ذلك؟ بمقدورنا الوصول إلى منبع المشكلة عبر اتّباع سيناريو الحلم الذي يعكس بالضرورة حدثاً حصل في الواقع، وبعدها يحين دورنا لنبدأ الاشتغال على أنفسنا. يُعَدّ الحلم المتكرر بالنسبة إلى ضحايا الحوادث والصدمات والاغتصاب، بمثابة محاولة تعافي تقوم بها النفس لترويض المشاعر الصعبة التي ولَّدها ذلك الحدث العنيف.

هل يمكن أن نغير محتوى أحلامنا؟

أجل. قُبيل الخلود للنوم، يمكن أن نتخيل مشهداً أو نعيد بناء سيناريو حلم سيئ. ولنفترض مثلاً أنك رأيت نفسك في حلم ذات ليلة وأنت تواجه تنيناً مخيفاً، كل ما عليك فعله في اليوم الآتي هو أن تتخيل التنين نفسه لكن بعد أن حوَّلته إلى حليفٍ لك. بتكرار هذا التمرين؛ سيعاودك الحلم نفسه من جديد لكن بنهاية سعيدة! لكن يبقى “الحلم الواعي” أكثر الظواهر “الحُلميِة” إثارة؛ إذ يبدأ آخذاً شكل حلم اعتيادي إلى أن نبدأ في مرحلةٍ معينة بالإدراك بأننا داخل حلم، وحينها نملك مُطلق الحرية في تغيير الديكور والحدث الذي يحصل وطرح الأسئلة على الشخصيات؛ أي التحكم الكامل في مُجريات الحلم.

هل يمكن أن نعيش دون أن نحلم؟

أفضى الاكتشاف الحديث الذي توصلت إليه مجموعة من الباحثين بجامعة جنيف والمعهد الوطني للصحة والبحث الطبي بليون إلى وجود حُزمة عصيبات هي المسؤولة عن النوم؛ ما يُعضد فرضية أن لنوم حركات العين السريعة حيث تَمركز الأحلام أكثر قوةً؛ دوراً في إعادة ضبط الشخصية حيث يقع ما يشبه عملية التنظيف للدماغ لإعادة تنظيم الاتصالات العصبية بين العصيبات. فقد لوحِظَ في نهاية دورة نوم حركات العين السريعة ارتفاع بنسبة 60% في عدد التشابكات العصبية الحرة ما يعني إتاحَتها لإجراء اتصالات جديدة.

لِمَ يرى الأطفال الكوابيس؟

تشير الإحصائيات إلى رؤية الأطفال للكوابيس بمعدلات أكبر بكثير من الراشدين. فما السبب خلف ذلك؟ يجد الرضيع في أوقات يقظته نفسه عرضة لتيار مستمر من الصور الجديدة والمؤثرات الحسية المكثفة والمشاعر الصعبة كانفصاله عن أمه، وهكذا؛ ما إن يستسلم للنوم حتى يشرع دماغه في إعادة ترتيب كل هذه المعلومات متخففاً من الحمولة الزائدة ما يخلف لديه قلقاً هائلاً. تستمر أحلام الطفل في أخذ شكل الملاحقة والتخلّي والاحتجاز إلى أن يبلغ الخامسة من عمره؛ إذ ما إن يبدأ في التقدم في السن وتتطور لغته وتنتظم ويصير بمقدوره التعبير عن مشاعره وأحاسيسه باستعمال الكلمات حتى تقل رؤيته للكوابيس.

هل الرؤى حقيقية؟

في كتابه المعنون “لماذا ننام؟ لماذا نرى الأحلام؟”(Pourquoi dormons-nous?Pourquoi rêvons-nous) الصادر عن دار أوديل جاكوب، يطرح الأستاذ ميشيل جوفيه (Michel Jouvet) موضوع “الرؤيا” من زاوية إيجابية، منطلقاً من تحليل شامل أُخضِعت له كل تجارب علم النفس التجريبي التي تناولت الحدس. لم يبرهن هذا التحليل وجود هذه الظاهرة فقط بل أن 60% من الحدس يحصل أثناء الحلم، وهو لا يحصل إلا عندما ينخفض مستوى التيقظ في أثناء النوم. وهكذا فإن العلم يقف عاجزاً أحياناً عن تفسير قدرة لاوعينا على التنبؤ أو “رؤية المستقبل”.