ما العلاقة بين الصحة النفسية وخسارة دول الخليج 3.5 مليار دولار سنوياً؟

الصحة النفسية
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: ربما يرى البعض أن الصحة النفسية لا تستحق الكثير من الاهتمام؛ لكن التقرير الذي أصدرته شركة بي دبليو سي الشرق الأوسط للاستشارات أثبت عكس ذلك تماماً، ذلك أن الصحة النفسية الجيدة تعني تمتُّع الأفراد بجودة حياة مرتفعة، وإهمالها سيثبّط قدرتهم على التعامل مع ضغوط الحياة والإسهام في مجتمعاتهم؛ ما قد يُحدث خسائر اقتصادية ملموسة. وقد توصل التقرير إلى وجود خسارة لا تقل عن 37.5 مليون يوم إنتاجي يضيع سنوياً في دول مجلس التعاون الخليجي نتيجة مرض نفسي غير معالَج، وتُترجم إلى خسارة مادية قدرها 3.5 مليار دولار أميركي.
عندما نسأل أحد الأشخاص عما يجعل حياته جيدة فغالباً سيركز على النواحي المادية مثل أن يعمل في وظيفة تدرّ له دخلاً كبير وأن يمتلك منزلاً فخماً وسيارة فارهة؛ لكن في ظل هذا الانشغال بالمعايير المادية قد يُغفل الفرد التركيز على جانب مهم شديد التأثير ألا وهو صحته، فهي ركن أساسي لتحقُّق جودة حياته، وإهمالها قد يأتي بنتائج عكسية تحول دون الاستمتاع بالممتلكات المادية.

ربما تكون العبارات السابقة صعبة التصديق دون تقديم شواهد مثبتة تؤكدها، وذلك ما يقدمه لنا تقرير “مستقبل جودة الحياة: خطوات السياسات التالية لبناء مجتمعات قادرة على الصمود من الناحية النفسية”، الصادر عن شركة بي دبليو سي الشرق الأوسط للاستشارات (PWC) في فبراير/ شباط عام 2023 مستنداً إلى تقرير القمة العالمية للحكومات عام 2022؛ والذي سنستعرض أبرز مخرجاته في مقالنا.

السؤال الأساسي: ما الذي نعنيه بجودة الحياة؟

تعرّف منظمة الصحة العالمية جودة الحياة بأنها حالة إيجابية يعيشها الأفراد والمجتمعات، وتُحدَّد جودة الحياة من خلال معايير عدة تشمل نوعية المعيشة وقدرة الأفراد والمجتمعات على الإسهام في العالم بما يتوافق مع إدراكهم لمعنى ما يقومون به والغاية المنشودة منه.

وتندرج ضمن إطار جودة الحياة عملية تتبُّع التوزيع العادل للموارد والازدهار العام والاستدامة، ويمكن التحقق من معدل جودة الحياة في مجتمع ما بمراقبة قدرته على الصمود وبناء مهارات العمل واستعداده لتجاوز التحديات.

وهنا يظهر الدور الفعال للصحة النفسية، فهي تمكّن الأفراد من التعامل مع ضغوط الحياة اليومية وإدراك قدراتهم والإسهام في مجتمعاتهم. من ناحية أخرى، يؤدي الاضطراب النفسي إلى تأثُّر إمكانيات الفرد الإدراكية أو قدرته على ضبط مشاعره وسلوكه؛ مؤدياً إلى تقصيره في أداء مهامه.

الصمت المكلف: كيف كلفت وصمة المرض النفسي الدول أموالاً طائلة؟

يذهب التقرير الذي أجرته بي دبليو سي الشرق الأوسط إلى أن التوعية بالصحة النفسية وأهمية جودة الحياة مسألتان بالغتا الأهمية؛ لكن ما زالت الوصمة المجتمعية تحيط بهما كما يتجنب العديد من المجتمعات الحديث بخصوصهما.

وهنا يكمن التحدي، فقد أثبت التقرير المذكور وجود خسارة لا تقل عن 37.5 مليون يوم إنتاجي يضيع سنوياً في دول مجلس التعاون الخليجي نتيجة مرض نفسي لا يُعالَج، وتُترجَم إلى خسارة مادية قدرها 3.5 مليار دولار أميركي؛ ما يثبت أن إهمال الصحة النفسية يؤثر في اقتصاد الدول بشكل واضح.

فجوة متسعة بين عدد المرضى والأطباء النفسيين

يؤكد التقرير نفسه أنه على الرغم من تزايد الحاجة إلى خدمات الصحة النفسية يوماً بعد يوم؛ لكن هناك نقصاً كبيراً في توفيرها على المستوى العالمي. فوفقاً للتقرير؛ خُصّص نحو 7.7 أطباء نفسيين فقط لكل 100 ألف شخص في الولايات المتحدة الأميركية خلال عام 2021، وهذه نسبة ضئيلة تعادل نصف النسبة التي أوصت بها وزارة الصحة الأميركية عام 1980.

وتنخفض هذه النسبة أكثر في دول مجلس التعاون الخليجي، فبحسب تحليل أجرته الشركة نفسها للبيانات الواردة في أطلس الصحة النفسية الصادر عن منظمة الصحة العالمية؛ خُصّص نحو 3.02 أطباء في المتوسط لكل 100 ألف شخص في الدول التالية: الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، وقطر، والكويت، وعمان، والبحرين؛ ما يعكس وجود فجوة بين عدد المرضى والأطباء.

ما الذي يمكن فعله لتعزيز الصحة النفسية وتحسين جودة الحياة؟

تكمن نقطة البداية وفقاً لتقرير شركة بي دبليو سي الشرق الأوسط في ألا تتغاضى الحكومات عن حقيقة أن الوقاية من المرض النفسي دائماً أفضل من العلاج، ويمكن تحقيق ذلك من خلال سياسات وبرامج تساعد على تعزيز اللياقة والقدرة النفسية على الصمود.

ويضرب التقرير أمثلة على ذلك بتجربة آيسلندا بتقليصها ساعات العمل الأسبوعية إلى 5 ساعات دون تقليل الراتب، أو تجربة هولندا في تحويل العمل عن بُعد إلى حق قانوني للموظفين.

كما يلفت التقرير النظر إلى أهمية توفير دعم أفضل لرعاية الصحة النفسية للأطفال والمراهقين، ويرجع ذلك إلى عاملَين؛ الأول عددهم المتنامي، فاليوم أصبح عدد سكان العالم الذين تقل أعمارهم عن 15 عاماً قرابة 25% من إجمالي السكان، أما الثاني فهو وجود اضطرابات نفسية خاصة بهم تؤثر في سلوكياتهم ومشاعرهم وقدراتهم على التعلم، وقد تؤدي إلى مشكلات أكبر مثل إيذاء النفس أو الإدمان على المواد المخدرة.

وخلص التقرير في المجمل إلى 3 توصيات رئيسة:

  • زيادة التمويل الحكومي لتوظيف المتخصصين في مجال الصحة النفسية وتدريبهم سريرياً وتوزيع الكوادر.
  • تعزيز إمكانية الحصول على المنتجات والخدمات الرقمية لرعاية الصحة النفسية.
  • جمع البيانات المتعلقة بالرعاية الصحية وجودة الحياة النفسية للأطفال والمراهقين ومعالجتها بطرائق أكثر شمولية وتفصيلاً عن طريق الاستفادة من التقنيات الجديدة وتحليلات البيانات.

في النهاية، هناك جهد جبّار منتظَر من جانب الحكومات والمؤسسات في سبيل رفع الوعي بأهمية الصحة النفسية، وذلك سينعكس إيجاباً على مستوى جودة حياة للأفراد ليعيشوا حياة أفضل يطورون فيها مهاراتهم ويتحسن فيها إنتاجهم.

المحتوى محمي !!