هل يتنبأ انخفاض جودة الحياة خلال مرحلة الطفولة بالوحدة لاحقاً؟

الشعور بالوحدة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

تُعد الوحدة من أقسى المشاعر التي قد يمر بها الأفراد، خاصةً كبار السن؛ حيث تفتقر حياتهم في كثير من الأحيان للصخب والانطلاق الذي قد عاشوه خلال مرحلة شبابهم. قد تنشأ تلك الوحدة نتيجة العيش بمفردهم، فقدان الأسرة أو الأصدقاء والأمراض المزمنة التي تعوق التواصل الاجتماعي في بعض الأحيان لتأثيرها في نمط الحياة.

لكن هل يمكن أن يكون هناك ارتباطاً بين انخفاض جودة الحياة في مرحلة الطفولة وزيادة احتمالية الشعور بالوحدة في المراحل العمرية اللاحقة؟ ذلك ما بحثت فيه دراسة حديثة من جامعة فيينا للاقتصاد والأعمال.

مخاطر الوحدة على الصحة

وفقاً لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، فالوحدة هي شعور لا يرتبط حتماً بمقدار الاتصال الاجتماعي، في حين أن العزلة الاجتماعية تتسم بقلة الروابط الاجتماعية؛ ما يعني إمكانية أن تؤدي العزلة الاجتماعية إلى الشعور بالوحدة لدى بعض الأشخاص، بينما يمكن للآخرين أن يشعروا بالوحدة دون أن يكونوا معزولين اجتماعياً.

كما تُعد الوحدة والعزلة الاجتماعية لدى كبار السن أحد المخاطر الصحية العامة الخطيرة التي قد تزيد من احتمالية إصابتهم بالخرف.

ويشير تقرير من الأكاديميات الوطنية للعلوم والهندسة والطب (NASEM) إلى أن أكثر من ثلث البالغين الذين تبلغ أعمارهم 45 عاماً أو أكثر يشعرون بالوحدة. كما أن كبار السن يكونون أكثر عرضة لخطر الوحدة والعزلة الاجتماعية لأنهم أكثر عرضة للعيش بمفردهم وفقدان الأسرة أو الأصدقاء، والمرض المزمن، بالإضافة إلى مشكلات السمع.

وبحسب مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها؛ تتمثَّل المخاطر الصحية للوحدة في زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب بنسبة 29%، والسكتة الدماغية بنسبة 32%. كما يرتبط الشعور بالوحدة بارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق والانتحار. بالإضافة إلى ذلك؛ يرتبط الشعور بالوحدة بين مرضى قصور القلب بزيادة خطر الوفاة بنحو 4 أضعاف، وزيادة خطر دخول المستشفى بنسبة 68%.

علاوة على ذلك؛ أشار بحث من جامعة شيكاغو لارتباط العزلة الاجتماعية  والشعور بالوحدة بمخاطر أعلى لأمراض متنوعة جسدية وعقلية؛ مثل ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والسمنة وضعف جهاز المناعة والقلق والاكتئاب، بالإضافة إلى التدهور المعرفي وألزهايمر.

اقرأ أيضاً: كيف توفر وسائل التواصل الاجتماعي الدعم ونزيد من الشعور بالوحدة في الوقت ذاته؟

ارتباط جودة الحياة في الصغر بالوحدة لاحقاً

في الدراسة المشار لها سابقاً والتي تفسّر ارتباط بعض سمات الشخصية وظروف الطفولة بزيادة شعور بعض كبار السن بالوحدة أكثر من غيرهم، كان الأفراد البالغون الذين يشعرون بالوحدة والذين تزيد أعمارهم عن خمسين عاماً أكثر عرضة للافتقار إلى صداقات جيدة خلال مرحلة الطفولة أو قلة عدد الأشقاء، وكذلك اختبار علاقات سيئة مع أمهاتهم كأطفال.

توضح الدراسة مدى تأثير ظروف الحياة خلال مرحلة الطفولة -بما في ذلك وجود عدد أقل من الأصدقاء، والعلاقات منخفضة الجودة مع الوالدين، وسوء الحالة الصحية والنمو في أسرة فقيرة- في ارتفاع معدل الشعور بالوحدة في سن أكبر.

في الدراسة الجديدة، استخدمت الباحثة "صوفي غوثمولر" (Sophie Guthmuller) بيانات من الدراسة الاستقصائية الكبيرة الوطنية حول الصحة والشيخوخة والتقاعد في أوروبا (SHARE)؛ التي تجمع المعلومات من الأفراد في جميع أنحاء أوروبا الذين تبلغ أعمارهم خمسون عاماً وأكثر حول الصحة والحالة الاجتماعية والاقتصادية والشبكات الاجتماعية والعائلية.

وفي الوقت الذي وجدت فيه غوثمولر أن اعتلال الصحة هو العامل الرئيس المرتبط بالوحدة عند كبار السن بنسبة 43.32%، كان الدعم الاجتماعي لكبار السن يؤدي دوراً كبيراً في ذلك وله تأثير يصل إلى 27.05%، كما تؤثر السمات الشخصية بنسبة 10.42% وظروف الحياة في أثناء الطفولة بنسبة 7.50%.

العوامل المؤدية لزيادة الشعور بالوحدة لدى كبار السن

تشير النتائج إلى زيادة احتمالات الشعور بالوحدة في سن الخمسين وما فوق بمقدار 1.24 مرة للأشخاص الذين نادراً ما يكون لديهم أصدقاء مقربون في الطفولة، أو لم يكن لديهم أصدقاء مقربون أبداً، مقارنةً بأولئك الذين كان لديهم أصدقاء في كثير من الأحيان.

كما تصل احتمالية الشعور بالوحدة لدى كبار السن لـ 1.34 مرة أعلى لدى الذين عانوا من علاقة سيئة مع أمهاتهم عندما كانوا أطفالاً، بالمقارنة مع من تربطهم بأمهاتهم علاقات جيدة.

كذلك؛ يتنبأ العيش في أسرة فقيرة بارتفاع معدل الشعور بالوحدة لاحقاً بنسبة تصل نحو 1.21 مرة أكثر مقارنة بمن يعيشون في أسرة غنية.

بالإضافة إلى ذلك؛ كانت الوحدة أكثر شيوعاً لدى الأفراد ذوي الشخصية العصابية وأقل شيوعاً لدى الذين يتسمون بالانفتاح وقبول الآخر.

أهمية الدعم الاجتماعي لكبار السن

تؤكد نتائج الدراسة المشار لها مسبقاً على أهمية الشبكات الاجتماعية والدعم الاجتماعي في سن الشيخوخة، فضلاً عن دور سمات الشخصية وظروف الطفولة في التنبؤ باحتمالية الشعور بالوحدة. وخلصت إلى أن التدخلات المبكرة هي المفتاح لتجنُّب أو تقليل احتمالية الشعور بالوحدة في وقت لاحق من الحياة، وأن التدخلات التي تهدف إلى زيادة الدعم الاجتماعي في الحياة اللاحقة تحتاج إلى تكييفها مع أنواع الشخصيات المختلفة.

تقول غوثمولر: "وجدت الدراسة، كما هو متوقع، أن الحالة الصحية والدعم الاجتماعي في الأعمار الأكبر سناً هما العاملان الرئيسيان المرتبطان بالوحدة في سن الخمسين وأكثر. ومن المثير للاهتمام أن الدراسة تكشف أن سمات الشخصية وظروف الحياة خلال مرحلة الطفولة ترتبطان ارتباطاً وثيقاً بالوحدة في وقت لاحق من الحياة".

وتضيف أنه في ضوء الاتجاه نحو زيادة الشعور بالوحدة لدى الأطفال بسبب الظروف الحالية؛ مثل جائحة كوفيد-19 وقلة الاختلاط بالآخرين والتجمّعات، يجدر الاهتمام بالتدخلات المبكرة في الحياة لمعالجة العوامل التي قد تؤدي إلى الشعور بالوحدة على المدى الطويل.