كيف تؤثّر السعادة على صحتنا البدنية والنفسية؟

الشعور بالسعادة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

مَن مِنّا لا يودّ أن تغمره سعادة لا تنتهي، وأن تذهب عنه تلك المشاعر السلبية التي تتسلل لتُضفي شعوراً بعدم الراحة دون رجعة؟ فالشعور بالسعادة يمثل تجربة شعورية رائعة عاطفياً وعقلياً، ومن المنطقي أننا نرغب في خلق المزيد من ذلك في حياتنا؛ لكن كيف يمكننا تحقيق الشعور بالسعادة؟ وهل مِن الممكن أن يكون مفهومنا عن السعادة مغلوطاً، فيوَجِّه أنظارنا بعيداً نحو سعادة زائفة، بينما نحن نعيشها حقّاً؟

ما هي السعادة؟

في تعريفها الأشمل؛ السعادة – يُطلق عليها أيضاً الرفاهية الذاتية – هي حالة عاطفية تنطوي على مشاعر إيجابية كالفرح، والرضا، والراحة، والامتنان، وهي ليست نوعاً واحداً؛ بل تتعدد أنواعها؛ ما يجعل منها مفهوماً أكثر شمولية مما هو سائد.

في حين أن تصورات السعادة قد تختلف من شخص لآخر؛ هناك مكونان رئيسيان يُمكن تقييم السعادة من خلالهما:

  • توازن المشاعر: فكل شخص يختبر المشاعر الإيجابية والسلبية، وتتأرجح حالته المزاجية بينهما. لذلك، فالسعادة ترتبط عموماً باختبار المشاعر الإيجابية أكثر من السلبية.
  • الرضا عن الحياة: يتعلق ذلك بمدى الرضا عن علاقاتك، وعملك، وإنجازاتك، بالإضافة إلى الأشياء الأخرى التي تعتبرها مهمةً، ومكوّناً رئيسياً لحياتك، وكذلك؛ شعورك بأنك تعيش الحياة التي تريدها حقّاً.

هل للسعادة أنواع؟

بالإضافة إلى تعدد تعريفاتها، فإن أنواع السعادة تتعدد أيضاً لتشمل:

  • الفرح: وهو شعور قصير نسبياً يشعر به المرء في الوقت الحاضر.
  • الإثارة: وهي شعور بالسعادة ينطوي على التطلع إلى شيء ما سيحدث بتوقع إيجابي.
  • الكبرياء: وهو شعور بالرضا عن شيء أنجزته.
  • التفاؤل: وهو تلك الطريقة للنظر إلى الحياة بإيجابية.
  • القناعة: ينطوي هذا النوع من السعادة على الشعور بالرضا.

فوائد السعادة على الصحة البدنية والنفسية

في حين أننا نطمح لنكون سعداء فقط كي نختبر تلك الحفنة من المشاعر الإيجابية؛ قد لا تخطر ببالنا الآثار الإيجابية العديدة للسعادة في جانبيّ الصحة البدنية والنفسية، ومن تلك الفوائد:

1. تحسين صحة القلب

تشير دراسة من المركز الطبي بجامعة كولومبيا إلى أن هناك ارتباطاً بين السعادة وتحسُّن صحة القلب، ومن ثم تقليل مخاطر الإصابة ببعض أمراض القلب؛ مثل انسداد الشريان التاجي.

2. القدرة على مكافحة الإجهاد بشكل أكثر فعاليةً

يؤدي الإجهاد المفرط إلى ارتفاع مستويات الكورتيزول – هرمون التوتر – في الدم؛ والذي يمكن أن يؤدي إلى عدد من المشكلات الصحية؛ بما في ذلك اضطرابات النوم، وزيادة الوزن، ومرض السكري من النوع الثاني، بالإضافة لارتفاع ضغط الدم.

تشير إحدى الدراسات إلى أن الأفراد الأكثر سعادةً لديهم مستويات منخفضة من الكورتيزول باستمرار؛ وبالتالي لديهم قدرة أعلى على مكافحة الإجهاد.

3. دعم النظام المناعي

أوضحت إحدى الدراسات أن السعادة يمكن أن تدعم نظام المناعة؛ ما يؤدي إلى صحة أفضل، والقدرة على مكافحة العدوى أو المرض بشكل أكثر فعاليةً.

4. المساعدة على تقليل الألم

يعتقد الباحثون أن الأفراد الأكثر سعادة يكون لديهم منظور أفضل للحياة، ويكونون قادرين بشكل أكبر على قبول الأفكار الجديدة بسهولة؛ أي أنهم يمتلكون قدرة أكبر على بناء مهارات تأقلم ومرونة أقوى. تلك المرونة تساعد هؤلاء الأفراد على إدارة التوتر بشكل أفضل، والتعافي بشكل أسرع عند مواجهة المواقف الحياتية الصعبة، ولذلك دور مهم في انخفاض الشعور بالألم، خاصةً المرتبط بالحالات المزمنة.

لا تقتصر فوائد السعادة على الصحة البدنية والنفسية، فهي تمتد لتشمل نواحي العمل، وتؤثِّر إيجاباً على أداء الفرد والمؤسسات. تتمثل فوائد السعادة في العمل في عدة أشكال؛ كإمكانية صُنع القرار بشكل أفضل، وحل المشكلات بطريقة إبداعية؛ حيث وجدت إحدى الدراسات أننا عندما نكون أكثر سعادة، نميل إلى عدم التركيز على السلبيات أو عوامل الضغط بنفس القدر؛ ما يتيح مساحةً أكبر للتفكير في كيفية مواجهة التحديات بشكل إيجابي.

كذلك، تُمكِّننا السعادة من تحسين إنتاجيتنا الفردية والجماعية، فتشير دراسة من جامعة “ووريك” (University of Warwick) أن الموظفين الأكثر سعادة يميلون إلى أن يكونوا أكثر إنتاجيةً مقارنةً بالموظفين غير السعداء.

كيف يمكننا أن نكون سعداء؟

أظهرت الدراسات الحديثة أن جزءاً كبيراً من سعادتنا لا تحدده جيناتنا؛ بل خبراتنا وحياتنا اليومية. كذلك، فالمحاولة الجادة في العثور على السعادة غالباً ما يكون لها تأثير مُعاكس، ويمكن أن تقودنا إلى الإفراط في الأنانية. علاوةً على ذلك، فمِن المُرَجَّح أن يكون السعي وراء السعادة من خلال الوسائل الاجتماعية؛ مثل قضاء المزيد من الوقت مع العائلة والأصدقاء، أكثر فعاليةً من الطرق الأخرى؛ كالسعي للربح أو النجاح الفائق.

أن تكون سعيداً… لا يتطلَّب هذا الأمر حلّاً سحرياً، فمن خلال اتّباع بعض النصائح والخطوات؛ قد يساعدك ذلك أن تكون أكثر سعادةً.

كي تحقق ذلك عليك القيام بالآتي:

1. السعي لتحقيق أهداف جوهرية

يمكن أن يساعد تحقيق الأهداف التي تُحفزك على متابعتها، خاصةً تلك التي تُرَكِّز على النمو الشخصي والمجتمعي، في تعزيز السعادة، فهذا النوع من الأهداف ذات الدوافع الذاتية القوية، يمكن أن يزيد السعادة أكثر من السعي وراء أهداف خارجية؛ مثل كسب المال أو المكانة.

وجدت الأبحاث أن الأشخاص الذين يشعرون أن لديهم هدفاً يتمتعون برفاهية أفضل، ويشعرون بمزيد من الرضا. ينطوي الشعور بالهدف على رؤية حياتك على أنها ذات معنىً؛ حيث يقودك ذلك إلى الانخراط في أعمال مثمرة وإيجابية من أجل السعي نحو هذا الهدف.

2. استمتع باللحظة

يميل الناس للإفراط في الربح، والاكتناز، ومراكمة الأشياء لدرجة أنهم يفقدون شعور الاستمتاع الفعلي بما يفعلونه. لذلك، بدلاً عن الوقوع في فخ الاكتناز بلا تفكير على حساب سعادتك؛ ركِّز على ممارسة الامتنان للأشياء التي لديك والاستمتاع بها.

3. أعد صياغة الأفكار السلبية

الناس يميلون إلى الاهتمام بالأشياء السيئة أكثر من الجيدة. يمكن أن يكون لهذا تأثير على كل شيء من كيفية اتخاذ القرارات إلى كيفية تكوين انطباعات عن الآخرين.

عندما تجد نفسك عالقاً في نظرة متشائمة أو تعاني من السلبية، ابحث عن طرق يمكنك من خلالها إعادة صياغة أفكارك بطريقة أكثر إيجابيةً. إعادة صياغة هذه التصورات السلبية لا تعني تجاهل الأشياء السيئة؛ بل محاولة إلقاء نظرة أكثر واقعيةً على الأحداث.

هل السعادة ضرورية للإنسان؟

للسعادة آثار إيجابية عدّة يمكنها أن توَّجه حياتك نحو مسار أفضل؛ لكن ذلك لا يحدث من تلقاء نفسه، ففي البداية؛ عليك أن تتذكر أن السعادة ليست حالةً من النشوة المستمرة؛ بل هي إحساس عام بتجربة المشاعر الإيجابية أكثر من السلبية، وأن الأشخاص السَعداء يشعرون بكافة المشاعر الإنسانية – الغضب والتوتر والملل والوحدة وحتى الحزن – من وقت لآخر.

كذلك؛ من المهم معرفة كيفية التعامل مع المواقف السلبية التي تُخلِّف شعوراً بعدم الراحة، والتفاؤل بأن الأمور ستتحسن، وأن اختبار تلك المواقف هو جزء أساسي من الحياة، يمكن بعده الشعور بالسعادة مرة أخرى والاستمتاع بفوائدها.