ما سبب السحر المرتبط بالليل؟ إليك إجابات المختصين

استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

يسحرنا الليل بما يثيره من مخاوف ورغبات في داخلنا ويأسرنا صغاراً وكباراً على حد سواء فما تفسير تأثيره فينا؟ يجيبنا عن سؤال السحر المرتبط بالليل ثلاثة من المختصين النفسيين.
الليل غامض وساحر وجذاب وأحياناً مخيف، وبين الطفل الذي ينظر تحت سريره ليتأكد أن لا وحشاً يختبئ هناك، والمراهق الذي يستمع إلى موسيقاه المفضلة مغمضاً عينيه والراشد الذي يسهر مراقباً النجوم في السماء، فإن سحر الليل يلامس كل إنسان بطريقة مختلفة. يهبط الليل ويغلف العالم من حولنا، ليبدو إيقاع الوقت أبطأ ويعلن رحيل صخب النهار وحلول الصمت والهدوء محله، وعلى الرغم من ذلك فإنه ينطوي على مزيج من التناقضات، فبينما تهدأ بعض المنازل ويغط أهلها في نوم عميق ويستسلمون لأحلامهم، تبقى أخرى مفعمةً بالحياة، فيميل “الأشخاص الليليون” إلى العمل أو الإبداع أو الاستمتاع بوقتهم ليلاً.

ضبابية الليل

تبدو الأشكال والألوان من حولنا متشابهةً تحت جنح الظلام إذ يختلف إدراكنا لها عما هو عليه في النهار، وفي الوقت ذاته نحن ندرك الأصوات والروائح بصورة أفضل في الليل فتصبح الأفضلية لحاستي الشم والسمع على حاسة البصر.

تضعف حاسة البصر في الظلام ما يؤدي لالتباس الصور علينا، وعلى العكس من ذلك تصبح أدنى همسة مسموعةً بوضوح، ويقول مختص العلاج النفسي جان بيير وينتر: “يأخذ كل ما حولنا في الليل شكلاً تقريبياً لا حواف مميزة له، وعلى الرغم من أن الأمر قد يبدو مخيفاً لكنه يحفز المخيلة ويحثها على إعادة بناء الأشكال”. وعلى الرغم من أن ليالينا أصبحت مضاءةً في هذا العصر فإن ضبابية الليل ما زالت تفرض نفسها وتشعرنا كل ليلة بأننا أمام عالم آخر.

في الليل كل شيء مباح

ويضيف جان بيير وينتر: “ما يسحرنا في الليل هو ما نربطه به من تجاوز الممنوع وارتكاب المحظورات”. يُمثل الليل في الخيال الجمعي “آلة تجميد الزمن” حيث يتلاشى فيه الوقت وتزول الحدود ليصبح كل محظور ممكناً، وحتى أن الفرصة تسنح للمجرمين ليمارسوا إجرامهم.

يرمز الليل إلى القدرة على إتيان الأفعال في الخفاء والشعور بالإفلات من العقاب، ففيه نسمح لأنفسنا بفعل ما لا نجرؤ على فعله في النهار، إذ إن لهذا “الفضاء الواسع” القدرة على توليد رغباتنا، وتضيف الطبيبة النفسية سيلفي رويانت بارولا:”وعلى الرغم من ذلك فإن الليل يمثل أيضاً التعامل مع المجهول الذي قد يسبب لنا المآسي”. نستفيض ليلاً في الكلام فنعبر عن رغباتنا وتخيلاتنا ومخاوفنا بسهولة أكبر مما نفعل في وضح النهار، وليس هنالك في الحقيقة ما هو أكثر إثارة من هذه المخاوف، ويقول مختص التحليل النفسي برنارد إيلي تورجيمن: “على الرغم من أننا نهرب من مخاوفنا الليلية فإننا “نلاعبها” في الوقت ذاته، فعابر الطريق الذي يمر بنا قد يكون مصدر خطر، أو حب حياتنا الذي ننتظره”.

الإنسان هو ابن الليل

لمَ هنالك ليل ونهار؟ ترجع الإشارة للتعارض بين الليل والنهار إلى الكتب المقدسة، فتحدث القرآن الكريم مثلاً عن آية اختلاف الليل والنهار. إن أول ما عرفه الجنس البشري هو الظلام حيث يتطور الجنين داخل الرحم الذي لا يدرك فيه النهار وبعد الولادة يتعلم إيقاع اليوم ليدرك أننا نصحو في النهار وننام في الليل، وعلى الرغم من ذلك يتحول الليل إلى فترة نشاط وحركة للكثيرين عوضاً عن أن يكون فترة راحة مثل الفنانين الذين يبدعون أكثر في الليل، أو الشباب الذين يحتفلون معاً حتى الفجر، أو محبي الهدوء الذين يعشقون السهر،

ولكن السؤال هو ما الذي يجعل بعض الأشخاص ليليين؟ تقول سيلفي رويانت بارولا: “يشعر العديد من الأشخاص الليليين بالراحة خلال الليل إذ إن صخب النهار وكثرة الناس الذين يجدون أنفسهم مجبرين على التواصل معهم خلاله وتعدد النشاطات، هي أمور قد تصيبهم بالقلق، فالليل يمثل مساحة أكثر خصوصيةً حيث يجد الفرد فرصةً للاختلاء بنفسه بعيداً عن القيود التي يفرضها المجتمع خلال النهار”.

في الليل نفقد السيطرة على أنفسنا

وعلى الرغم من ذلك فإن الأشخاص الذين يغطون في النوم ليلاً ما زالوا أكثر من محبي السهر، فهو الوقت المرتبط براحة الجسم وتجدد طاقته، وهو أيضاً وقت الأحلام، أو “الطريق الرائع إلى اللاوعي”، كما قال فرويد. يرى بيير وينتر أننا نحاول ملامسة رغباتنا في الليل من خلال الانفصال عن المحيط والغوص في الحلم، وتمثل الكوابيس في هذا السياق تعبيراً عن رغبات مكبوتة فشلنا في السيطرة عليها.

لكن النوم قد يكون مخيفاً لبعض الأشخاص إذ يشعرون أنه حالة من الاستسلام يسمحون خلالها لأجسادهم وأرواحهم بالذهاب نحو مناطق مجهولة، وتقول سيلفي رويانت بارولا: “إن الضعف الذي يصبح الإنسان عليه في حالة النوم قد يخيفه تماماً كما تخيفه حالة غياب الوعي المرتبطة بالموت ولذلك فإن الكثيرين يصابون بالأرق بسبب حاجتهم إلى مراقبة ما يدور حولهم باستمرار”. وتتابع: “نحن نربط النوم بالموت على الرغم من أن النوم يعني الحياة”. ويختتم برنارد إيلي تورجيمين قائلاً: “ينَشط الدماغ في أثناء الحلم بصورة أكبر مقارنةً بنشاطه في حالة الوعي، وكما كتب فيكتور هوغو في ديوانه الشعري “تأملات” (Les Contemplations): “يتجه كل إنسان في ليله نحو نوره”.