ما مخاطر العالم الرقمي على صحتنا النفسية وحياتنا الاجتماعية؟

الحياة الرقمية
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

لا تخلو الحياة الرقمية التي أضحت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا الحقيقية من المخاطر، بدايةً من الشعور الدائم بالإجهاد العضلي بسبب الاستخدام المطول للوسائل التكنولوجية وتراجع علاقاتنا الاجتماعية وليس انتهاءً بتهديد الخصوصية وإدمان الإنترنت. وعلى الرغم من أن التكنولوجيا الحديثة قد تمثل أداة تطور هائلةً، فإنها قد تصبح في الوقت ذاته مصدراً للقلق والتعاسة. نتعرف أكثر إلى هذا الموضوع من خلال السطور التالية.
“ليس لدي أي شيء ضد العالم الرقمي” كان هذا التصريح الأوليّ الذي أدلى به جميع مختصي التكنولوجيا الذين قابلناهم؛ وكأن الحديث عن الآثار الضارة للتكنولوجيا سيؤدي إلى “ملاحقتهم بدعوى قضائية”. ثم تحدثوا عن مدى ولعهم بالتكنولوجيا، فقد كان أحدهم من أوائل مؤسسي المدونات بينما ابتكر آخر منصةً لمحادثة طلابه عبرها، كما أخبرونا عن نضالهم لتوعية الأشخاص منتقدي التطور، تماماً كما كان الحال عندما انتشرت خرافة مع بداية ظهور القطار وهي أن الإنسان لن يتحمل سرعته وستتسبب له بجروح وتمزقات قاتلة، أو الخرافة التي أحاطت باختراع التصوير الفوتوغرافي؛ إذ قيل آنذاك إن الصورة الفوتوغرافية تنتزع جزءاً من روح المرء.

التطور التكنولوجي والصحة النفسية

لكن ماذا عن مخاوف مختصي علم النفس من التكنولوجيا الحديثة؟ إن أبرز مخاوف استخدام التكنولوجيا هي الشعور الدائم بالإجهاد العضلي وتدهور الحميمية والعلاقات بين الناس. ويرى المعالجون النفسيون في عياداتهم الكثير من المرضى المنهكين نفسياً وفكرياً بسبب الطريقة التي يستخدمون بها التكنولوجيا؛ ما يصعّب عليهم إيجاد السعادة والاستقرار في حياتهم. يعود الخوف من التكنولوجيا الحديثة إلى زمن ظهور الإنترنت، ففي أوائل عام 1995 عمل مهندسو شركة إنتل على تطوير قواعد استخدام شبكة الإنترنت وآدابها، وكانت هذه القواعد تقوم على مبدأ “عدم استخدام الشبكة كدرع لرمي الآخرين بما قد لا نجرؤ على قوله في محادثة حقيقية”. وكانت هذه المخاوف في محلها، فلم تكن التكنولوجيا في حد ذاتها مثيرةً للقلق بقدر الطريقة التي نستخدمها بها، ولذلك فإن المصاعب التي قد يعاني منها المرء ليست بسبب استخدام الشاشات بل بسبب إساءة استخدامها، وبصورة تعبر عن مرضنا النفسي المعاصر وهو الهوس بالسرعة والأداء والمتعة.

يرى 89% من الفرنسيين أنه لا يمكنهم الاستغناء عن شبكة الإنترنت، كما يرى 70% أنه لا يمكنهم التحكم في استخدامها. لقد تزايد الخوف من إدمان استخدام الإنترنت، وتهديدات الخصوصية التي تتبع ذلك، ويشعر الآباء بالحيرة حول كيفية تأثر أطفالهم بالوقت الطويل الذي يقضونه أمام الشاشات بسبب الافتقار إلى إجماع علمي على هذا الموضوع، فعلى الرغم من تعدد الدراسات، فإنها تتناقض في كثير من الأحيان، إضافةً إلى مخاوف الآباء من الأخبار التي تبثها وسائل الإعلام حول الجرائم العنيفة المستوحاة من ألعاب الفيديو، أو حالات الانتحار مباشرة على الإنترنت. في نهاية شهر يناير/كانون الثاني، نشرت أكاديمية العلوم بفرنسا (L’Académie des sciences) بحثاً أجراه جان فرانسوا باخ وسيرج تيسيرون وأوليفييه هودي وبيير لينا، يحذر من مخاطر الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات، بعنوان “الأطفال والشاشات” (L’Enfant et les Ecrans)، ودعا هذا البحث بصورة خاصة إلى تعليم الأطفال الحرية المسؤولة واحترام الخصوصية، مصحوباً بمراجعة تفصيلية للمخاطر المعرفية والآثار النفسية المتعلقة باستخدام هذه الأجهزة حسب الفئة العمرية، وأفضل الممارسات لمنع هذه المخاطر.

هل نحن ضحايا التكنولوجيا؟

على الرغم من أنه تجب دراسة المخاطر الموضوعية للحياة الرقمية، فإن ذلك لا يمنع من أن نأخذ حالة كل فرد على حدة ونبحث في مشكلاته النفسية، وأوجه القصور في علاقاته مع الآخرين وندرس العلاقة بين خلفيته العائلية وحياته الاجتماعية. لكن هل هذا كافٍ؟ ماذا عن الحميمية التي أصبحنا نفتقر إليها فيما بيننا؟ نجد الشاشات اليوم أمامنا في كل مكان، فقد علقناها على جدران منازلنا ووضعناها على مكاتبنا وأمسكناها بأيدينا أيضاً؛ لقد احتلت هذه الشاشات مكاناً كبيراً في حياتنا إلى درجة أننا نمسكها بأيدينا دائماً لنضمن الاتصال بالناس والعالم بأسره طوال الوقت.

في مقاله المنشور في عدد 4 ديسمبر/كانون الأول 2012 من صحيفة ليبراسيون (Libération) الفرنسية، تحت عنوان “أن ينساك الآخرون على الإنترنت: فكرة خطيرة” (Le droit à l’oubli sur Internet : une idée dangereuse)، يقول الطبيب ومختص التحليل النفسي سيرج تيسيرون: “قد تكوّن شبكة الإنترنت هويتنا الإلكترونية؛ ولكن ليس هويتنا الحقيقية”. فهل يمكننا الابتعاد عن الحياة الرقمية دون أن نخاطر بالتعرض للإقصاء الثقافي والاجتماعي؟ خاصةً وأن وجودنا في الحياة الرقمية ليس كافياً بل علينا أن نتفاعل مع ما يحصل فيها ونستجيب له ونكرس أنفسنا لمتابعته ومن ثم فإنه يصبح من الصعب معرفة إذا ما كانت الأجهزة الرقمية هي التي تخدم الإنسان أو العكس، وإذا ما كنا ضحايا هذه الحالة أو شركاء فيها. ألسنا نحن من ننشغل أمام الشاشات ومن ثم ننسى أطفالنا أمامها أيضاً؟

ما زلنا حتى الآن لا نعرف ما الذي سيتغير فينا وما الذي سنفقده بسبب الوقت الطويل الذي نقضيه أمام الشاشات. هل سيعزز ذلك ملكاتنا المعرفية أم سيؤدي إلى اضمحلالها؟ وهل سيشحذ مقدرتنا على إدراك الأمور أم أن كثرة المصادر سيكون لها تأثير عكسي؟ وأخيراً هل ستصبح قدرتنا على اتخاذ القرارات أقوى أم ستضعف بسبب الغزارة التي تتدفق بها كل هذه البيانات؟ ما نعرفه هو أن أدمغتنا تتغير بالفعل، وأن شبكتنا العصبية تُعاد برمجتها. لقد أصبحنا نشعر بأن علاقاتنا بالآخرين قد تغيرت، فعلى الرغم من أنها قد تكون ما زالت متينة فإن ثمة حالة من التباعد بيننا وبينهم، فالعالم الافتراضي قد خلق منطقة عزلتنا عنهم، وعن أنفسنا أيضاً. ولكل هذه الأسباب وقع خمسون خبيراً في الصحة النفسية دعوةً للاستفاقة مما نحن فيه.