هل تتعرض للخداع في محيط العمل؟ ماذا تفعل للمواجهة؟

السلوك الماكر
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: يمكن تعريف الخداع بأنه ذلك السلوك الماكر الذي يمارسه البعض بغرض تضليل الآخرين ودفعهم إلى اتخاذ اتجاه معين. ومن الواضح أن مصطلح “السلوك الماكر” ينطوي على معانٍ ضمنية تشير إلى صعوبة اكتشاف مثل هذا السلوك، فعندما يطلب منك مديرك أن تتولى مراجعة ملف إضافي مثلاً، بحجة أنك الشخص الوحيد القادر على تنفيذ هذه المهمة على الوجه الأكمل، فهل هو صادق معك أم أنه يحاول تضخيم أهميتك من خلال الإطراء لإقناعك بأخذ عبء العمل الملقى على كاهلك؟
يحفل العالم المهني بالكثير من المزالق والعلاقات السامة، فدعونا نتعلم التمييز بين المزالق الناجمة عن مكر مدرائنا وتلك النابعة من سلوكياتنا نحن.

أتعرض للخداع

أعاني بسبب الإطراء والتهديد

يمكن تعريف الخداع بأنه ذلك السلوك الماكر الذي يمارسه البعض بغرض تضليل الآخرين ودفعهم إلى اتخاذ اتجاه معين. ومن الواضح أن مصطلح “السلوك الماكر” ينطوي على معانٍ ضمنية تشير إلى صعوبة اكتشاف مثل هذا السلوك، فعندما يطلب منك مديرك أن تتولى مراجعة ملف إضافي مثلاً، بحجة أنك الشخص الوحيد القادر على تنفيذ هذه المهمة على الوجه الأكمل، فهل هو صادق معك أم أنه يحاول تضخيم أهميتك من خلال الإطراء لإقناعك بأخذ عبء العمل الملقى على كاهلك؟ ترى الطبيبة النفسية المعروفة بتسليطها الضوء على آليات المضايقات الأخلاقية، ماري فرانس إيريغوين (Marie-France Hirigoyen)، أن هناك عدة نقاط يمكن أن تسمح لنا بالكشف عن الشخص المخادع: “فهو يستخدم الإغواء، ولا يكشف لك إلا عن جزء محدَّد من الرسالة، وقد يستخدم التهديدات المبطَّنة كأن يقول مثلاً: “أنت لا تدرك أننا إذا لم نُنهِ هذا الملف، فسوف نتعرّض لموقف لا تُحمَد عقباه”. وتؤكد الصحفية الفرنسية ومؤسِّسة مجلة “وظيفتي السعيدة” (My Happy Job) الإلكترونية، فابين بروكاريه (Fabienne Broucaret)، فكرة التكرار متسائلة: “هل تتكرر هذه المواقف بانتظام؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن التكرار يجب أن يلفت انتباهنا إلى أن ثمة شيئاً مريباً في الأمر”.

فقدان القدرة على معرفة حدودك

يقول مدير الموارد البشرية والطبيب النفسي السريري، كريستوف دوفال (Christophe Deval): “لا يوجد مخادِعون دون أشخاص يسهل خداعهم”. ووفقاً له، فهناك 3 قيم رئيسة تحكم عالم العمل: الإنجاز (مواجهة التحديات والتعاون والتفاني؛ ما يمنحنا الشعور بأننا مفيدون وموضع تقدير واحترام)، والتواصل الإنساني (الود والتشجيع والامتنان؛ ما يمنحنا الرضا عن علاقاتنا)، والاستقلالية (الثقة والحرية والقدرة على التأثير؛ ما يسمح لنا بتأكيد حريتنا والتعبير عن وجهات نظرنا). ويتصف البعض في هذا السياق بأنه أكثر هشاشة من الآخرين؛ ما يجعله فريسة سهلة لأولئك الذين يسعون إلى استغلاله. يشير كريستوف دوفال إلى أن الأشخاص الذين يتعرضون للخداع، لا يمانعون في التضحية باستقلاليتهم وجعل إحساسهم بالإنجاز والتواصل يعتمد بشكل كبير على نظرة الآخرين إليهم. وترى ماري فرانس إيريغوين أن هؤلاء الأشخاص يحرصون في أغلب الأحيان على توخي أقصى معايير الدقة في أداء مهماتهم، وتضيف إنهم: “يريدون دائماً بذل جهد أكبر ويفقدون القدرة على تمييز حدودهم”.

ما الحلول المتاحة؟

لا يقتصر الخداع على التلاعب بالعواطف فحسب بل يرتبط بالغموض أيضاً، لذا فنحن مطالبون باستعادة الوضوح والتفكير العقلاني في حواراتنا مع زملائنا أو مدرائنا الذين يسببون لنا صعوبات جسيمة. وتقول ماري فرانس إيريغوين على وجه التحديد: “تحرَّف اللغة في عمليات الخداع، لذا من المهم أن نعيد صياغة الطلبات أو الأوامر المباشرة وغير المباشرة لإزالة المناطق الرمادية التي تُخلق عن قصد، ونلاحظ أن المخادِع قد يكون هو نفسه ضحية للخداع”. ويعلّق كريستوف دوفال على هذه النقطة قائلاً: “يُرغَم بعض المدراء أيضاً على تحقيق أهداف تبدو مستحيلة، ويؤدي هذا إلى دخولهم في حلقة مفرغة من السلوكيات المختلة، ويمكنك مناقشة الأمر معهم في هذه الحالات”. وتضرب فابين بروكاريه مثالاً على ذلك بما يحدث في الشركات الناشئة التي تشهد “ترقية الفرد بسرعة كبيرة إلى منصب إداري دون منحه الوسائل اللازمة أو فريقاً معاوناً؛ لكن مع تحميله ضغوطاً ومسؤوليات تفوق طاقته”. وتنصح بأن تطلب مقابلة مع المحاور المثير للمشكلات وألا تأتي إلى المقابلة وقد بدت عليك مظاهر عدم الرغبة في النقاش أو عدم الثقة في الطرف الآخر: “ينبغي أن تتجنب الإشارة بأصابع الاتهام إلى الطرف الآخر وأن تكتفي بالتحدّث عن توقعاتك الشخصية، ومن الأفضل أن تأتي إلى المقابلة بتوقعات واقعية وملموسة. يمكننا في هذه الحالة سرد المشكلات التي حددناها على مدار أسبوع أو حتى شهر كامل، حتى لا نضطر إلى الدخول في مشاحنات عاطفية ونحافظ على رؤانا العملية.

اقرأ أيضاً: ما هو اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع؟ وما علاجه؟

أخدع نفسي

إما الانسحاب أو التمرد

يشكّل الهيكل الهرمي للشركة نموذجاً مثالياً يجسّد علاقتنا بالسلطة، فقد يدفعنا إلى الخضوع التام وكبح جماح ردود أفعالنا وكبت مشاعرنا من أجل إرضاء زملائنا ومدرائنا. عندها سنشعر بالافتقار إلى الاستقلالية في العمل ونحمِّل الشركة مسؤولية انعدام الاستقلالية، دون أن ندرك أننا نحن أنفسنا قد نكون السبب فيما وصلنا إليه. وتوضح اختصاصية علم النفس الإيجابي والعضوة في كرسي اليقظة والرفاهة في العمل والسلام الاقتصادي في كلية غرونوبل للإدارة (Grenoble School of Management)، أنييس موير بول (Agnès Muir-Poulle) 1 قائلة: “عند مواجهة شخصية ذات سلطة أعلى، فإننا نشغّل وضعية الطيار الآلي. قد نعتاد اتخاذ موقف من اثنين؛ إمّا الانسحاب أو التمرد، أو نلعب دور الضحية المغلوب على أمرها فنقول لأنفسنا: “إن مديري مشغول دائماً” أو “نظام الخدمة ليس مرناً على الإطلاق”، والأخطر من ذلك أننا قد نعمّم تجربة واحدة مررنا بها على حياتنا كلها ونعيش دور الضحية لنظام يستحيل تغييره”.

أفعل ما هو متوقع مني

من أين تأتي هذه النظرة الدونية إلى أنفسنا؟ قد يرجع ذلك بالطبع إلى أسباب تتعلق بالوضع الاقتصادي؛ كالخوف من شبح البطالة الذي يجبرنا على التواري عن الأنظار والتغاضي عن مطالبنا وعدم محاولة تغيير الموقف. تقول أنييس موير بول: “لكننا نتعلم في مرحلة الطفولة أيضاً آليات محددة للخروج من المواقف الحساسة عن طريق التقليد من خلال مشاهدة البالغين والاستماع إليهم، وبالتالي فقد يصبح انعدام الثقة أسلوب حياة”. وتلخص أنييس هذا السلوك بقولها: “إذا تخلينا عن الاهتمام بأنفسنا فسوف يعاملنا الآخرون بطريقة غير لائقة”، وهذا ما يسمَّى “التنظيم الاستبطاني” (Introjected Regulation) الذي درسه عالما النفس الاجتماعي الأميركيان، إدوارد دوسي (Edward L. Deci) وريشار ريان (Richard M. Ryan)، مؤلفا نظرية الدوافع والاتجاهات الشخصية (Self-Determination Theory) 2 التي تنص على أن التعامل مع الضغوط يدفعنا إلى تبني سلوك يتوافق مع ما هو متوقع منا. وهذه هي العقوبة المزدوجة؛ بمعنى أن المواقف غير المرضية لا تؤثر فينا سلباً من خلال الشعور بانسداد الأفق فحسب؛ ولكنها تؤثر في علاقاتنا بالآخرين أيضاً.

ما الحلول المتاحة؟

ليس ثمة غموض في حالة خداع النفس، ذلك أن تغيير الموقف يعتمد علينا نحن وليس على الآخرين. تقول أنييس موير بول: “علينا أولاً قبول أن إحراز تقدم يستوجب بذل الجهد”. أولاً: علينا أن نحدد المواقف التي تثير المشاعر المزعجة في نفوسنا، سواء على المستوى الفردي أو عند التعامل مع زملائنا أو مدرائنا.

ثانياً: علينا أن نصوغ أهدافاً إيجابية، وبدلاً من الصراخ بأعلى صوتك: “لن أقبل ملفات إضافية بعد الآن!”، عليك أن تقول بكل هدوء: “لا أستطيع تولي مهمات جديدة”. تستطرد أنييس: “في الواقع، عندما تكون الصياغة إيجابية يكون الدماغ أكثر استعداداً للاستجابة”. والأهم من ذلك أنها تنصح بأن تكون لطيفاً مع نفسك: “يجب أن نقول لأنفسنا إننا نستطيع التحسُّن على المستوى الشخصي، وذلك باتباع خطوات بسيطة.

دعونا نتعامل مع أنفسنا بشيء من المرح؛ دعونا نحدد العلامات الموحية بالثقة لدى المحيطين بنا من خلال تدوينها في مفكرة مثلاً”. وللمزيد من القراءة، تنصح أنييس موير بول بقراءة كتاب “في مدح الوضوح” (Éloge de la lucidité) لمؤلفه إليو كوسو (Ilios Kotsou)، فهذه طريقة جيدة لفهم أن السعادة تعتمد على تقلبات الحياة اليومية.