كيف يؤثر التشجيع الرياضي في صحتك النفسية؟

التشجيع الرياضي
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

هتافات وأنشودات حماسية وصيحات فريدة من نوعها في الأزياء وقصات الشعر تتماشى مع شعار الفريق؛ لطالما كان المشجعون الرياضيون عنصراً أساسياً في مباريات كرة القدم يشعلون أجواء المباراة بالإثارة، فهم القلب النابض لهذه اللعبة المليئة بالحماس، ليس فقط في ملعب المباراة؛ بل وخارجها أيضاً. وبينما قد يظهر أثر التشجيع الرياضي، من دعم للفريق في وقت المكسب والخسارة، جلياً على اللاعبين؛ إلا أن أثره يمتد أيضاً ليطال المشجعين أنفسهم، بداية من تعزيز شعورهم بالانتماء للفريق ووصولاً إلى التأثير في احترامهم لذواتهم ورفاهتهم الشخصية.

هل أنت مشجع حقيقي لفريقك؟

تشير أستاذة علم النفس والدماغ المتقاعدة من جامعة ماساتشوستس الأميركية، سوزان كراوس ويتبورن (Susan Krauss Whitbourne)، في مقالها إلى وجود نوعين من المشجعين تختلف ردود أفعالهم بناء على نتائج فريقهم؛ وبالتالي تختلف استجابتهم النفسية.

يتمثل النوعان في:

  1. المشجعين الحقيقيين المعروفين بـ (Basking in Reflected Glory).
  2. المشجعين الذين يتغير ولاؤهم للفريق وقت الهزيمة والمعروفين بـ (Cut Off Reflected Failure).

يشعر المشجعون الحقيقيون بالانتماء لفريقهم في السراء والضراء، ويرتدون القمصان والقبعات وأي عنصر تقريباً يحمل شعار الفريق، بغض النظر عن مدى ضعف أداء فريقهم. وقد يشعرون بالاكتئاب في حال الخسارة؛ لكن أبطالهم يظلون أبطالهم مهما بلغت فداحة الهزيمة كما أنهم يستخدمون عبارات مثل “لقد فزنا”، و”نحن” في التعبير عن نتيجة المباراة.

بينما يتباين شعور المشجعين من النوع الثاني تجاه فريقهم باختلاف نتائجه، فيحاولون أن ينؤوا بأنفسهم عن الفريق في حالة الهزيمة قدر الإمكان، فليس “نحن” من خَسر بل “هم”؛ كما أنهم لا يرغبون بارتداء أي شيء يحمل شعار فريقهم بعد الخسارة.

كيف تتماثل استجابة المشجعين الفيزيولوجية مع استجابة اللاعبين؟

لا يتوقف الشعور بالانتماء للفريق على ارتداء قمصانه أو مشاهدة مبارياته جميعها؛ بل قد يصل الأمر إلى التماثل في الاستجابات الفيزيولوجية بين المشجعين واللاعبين.

تحدث العديد من التغيرات الفيزيولوجية خلال ممارسة الرياضة، وبخاصة خلال المنافسات؛ ما يؤثر في الصحة النفسية للرياضيين ويثير ردود أفعال عاطفية قوية لديهم. وفي هذه الحالة يزيد إفراز هرمون الكورتيزول كاستجابة للتوتر مؤدياً إلى ارتفاع معدل ضربات القلب والتنفس، فيساعد على إعداد الفرد للتحديات التي قد يواجهها بحسب دراسة من جامعة تسوكوبا اليابانية (University of Tsukuba).

ووفقاً لدراسة منشورة بدورية الهرمونات والسلوك (Hormones and Behavior)؛ يمكن أن يؤدي الفوز في المنافسات الرياضية إلى زيادة هرمون التستوستيرون الذي قد يؤدي بدوره إلى زيادة إفراز الدوبامين المرتبط بالمشاعر الإيجابية.

وهذه التغيرات لا تحدث للاعبين فقط؛ حيث يتأثر بها مشجعو الفِرق الرياضية أيضاً كما أشارت دراسة من جامعتيّ فالنسيا وأمستردام أوضحت التماثل بين الاستجابات الفيزيولوجية بين المشجعين واللاعبين الذين يدعمونهم.

على سبيل المثال؛ خلال كأس العالم لكرة القدم لعام 2010، كان لدى مشجعي كرة القدم الإسبانية مستويات أعلى من هرمون التستوستيرون والكورتيزول خلال مشاهدة المباريات، وكانت هذه الزيادة في إفراز الكورتيزول أعلى بين الرجال عنها بين النساء وبين المشجعين الأصغر سناً.

وبالمثل؛ وجد بحث منشور في دورية ستريس هيلث (Stress Health) عن كأس العالم لكرة القدم 2014، أن المشجعين البرازيليين من الذكور والإناث الذين كانوا أكثر اندماجاً مع فريقهم قد عانوا من مستويات مرتفعة من هرمون الكورتيزول؛ ما يعني أن لديهم مستويات أعلى من التوتر، وبخاصة في مواقف التعاسة والإحباط.

كذلك أفاد مؤلفو بحث آخر منشور بدورية نيتشر (Nature) عن نفس النسخة من كأس العالم لكرة القدم، ارتفاع أعداد حالات النوبات القلبية بين الرجال والنساء خلال البطولة.

هل يزداد الشعور بالانتماء للفريق بالنصر أم الهزيمة؟

إذاً، يشعر مشجعو الفرق الرياضية الحقيقيين بانتماء شديد لفريقهم، وقد تتماثل استجاباتهم الفيزيولوجية والنفسية مع لاعبي فريقهم المفضل؛ لكن ماذا عن تأثير نتائج الفريق في هذا الانتماء؟ هل تزيده أم تضعفه؟

توصلت إحدى الدراسات من جامعة أوكسفورد بحثت في هذه النقطة إلى أن الولاء للفريق يزداد بالنصر، وكذلك بالهزيمة. وكما يعزز النصر الشعور بالسعادة؛ يساعد الألم المشترك الناتج عن الخسارة أو الهبوط المهين على تعزيز الدعم بين مشجعي الفريق الخاسر.

يعود ذلك لظاهرة تسمى “اندماج الهوية” التي تفسر سبب ترسخ ولاء المعجبين بعمق في كثير من الأحيان، حتى عندما لا يحقق النادي نتائج جيدة.

استشهدت كبيرة الباحثين في الدراسة، مارثا نيوسون (Martha Newson) من معهد الأنثروبولوجيا المعرفية والتطورية بجامعة أكسفورد، بمشجعي فريق ليستر سيتي كمثال جيد للمشجعين المخلصين بشدة الذين ظلوا يدعمون فريقهم في السراء والضراء. حيث تسبب هذا النادي في واحدة من أكبر الاضطرابات الرياضية في التاريخ عندما حسم لقب الدوري الإنجليزي الممتاز بعد أن تجنب الهبوط بصعوبة.

تقول نيوسون: “كان المشجعون معاً في رحلة لم يحصل فيها الفريق على النتائج الجيدة لسنوات عديدة، ثم ارتفعت حظوظ النادي وبلغت ذروتها عند احتفالهم بلقب الدوري الممتاز”.

مضيفةً إن ذلك يوضح أهمية شدة العاطفة في هذه الرحلة، فتاريخ الفريق مع الخسائر المؤلمة المشتركة لا يقل أهمية عن متعة الفوز بالدوري في خلق تجارب تشكيل الذات لدى المشجعين، لأن هذه التجارب تقود المشجعين إلى دمج هوياتهم مع هوية ناديهم وزملائهم المشجعين.

في السياق ذاته؛ أشارت دراسة أخرى إلى أن الأندية الأقل نجاحاً لديها أكثر الجماهير التزاماً فيما يُعرف بنظرية التجارب المؤلمة الجماعية كإحدى وسائل الاندماج (Shared Dysphoria Pathway to Fusion) التي تنص على أن مشجعي الأندية الأقل نجاحاً يندمجون بشكل لا رجوع فيه مع ناديهم ومع بعضهم بعضاً كنتيجة لمشاركة الذات وذكريات الهزائم الماضية.

تأثير التشجيع في احترام الذات

إذا كان للتشجيع أثر بالغ في الشعور بالانتماء للمجموعة ومشاركة مشاعر السعادة والحزن، فهل يمكن أن يؤثر في احترام الذات؟

أوضحت إحدى الدراسات من جامعة ألاباما الأميركية إن مشجعي فريق كرة قدم فائز بمباراة كبيرة يمكن أن يختبروا زيادة في احترام الذات تستمر يومين على الأقل بعد المباراة. من ناحية أخرى، أشارت النتائج إلى أن مشجعي الفريق الخاسر لن يعانوا بالضرورة من فقدان احترامهم لذواتهم بعد المباراة، على الرغم من أنهم قد يختبرون انخفاضاً في حالتهم المزاجية.

في كلتا الحالتين، كان العامل المشترك هو مشاهدة المباراة مع آخرين؛ حيث تقول المؤلفة الرئيسية للدراسة، سيلفيا نوبلوخ ويستيرويك (Silvia Knobloch-Westerwick) إن مجرد الشعور بالتواصل مع الآخرين خلال مشاهدة اللعبة يساعد في الحفاظ على احترام الذات.

ما يعني أن ما ساعد على تعزيز ذلك الشعور الإيجابي لدى مشجعي الفريق الفائز هو مشاركة النصر مع بعضهم بعضاً. وبالنسبة إلى محبي الفريق الخاسر فربما تكون مشاركة الألم قد حمتهم من فقدان الثقة بالنفس. بينما المشجعون التي لم يشاهدوا المباراة عانوا من انخفاض في احترام الذات لشعورهم بالإهمال التام.

أخيراً؛ لا يسير تأثير التشجيع الرياضي في اتجاه واحد بل في اتجاهين، ليؤثر في المشجعين أنفسهم كما يؤثر في اللاعبين. لذلك فالأمر يتعدى أن يكون حماساً شديداً خلال فترة تسعين دقيقة قابلة للزيادة؛ إنما هو أمر ذو أثر نفسي عميق.