أمهات يروين تجاربهن مع الاضطرابات النفسية بعد الولادة

الاضطرابات النفسية بعد الولادة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

نتيجة صادمة توصلت إليها دراسة علمية نشرتها مجلة جاما للطب النفسي عام 2020؛ والتي بدورها تؤكد نتائج تحليل علمي تمت مناقشة نتائجه في اجتماع الكلية الأميركية لأطباء أمراض النساء والتوليد لعام 2021 أثبت أن الانتحار يعد سبباً رئيسياً لوفاة الأمهات في العام الأول بعد الولادة ويعود ذلك إلى “الاضطرابات النفسية بعد الولادة”.
يمكننا أن نفهم كارثية الأرقام السابقة عندما نعلم أن النساء اللواتي يزرن طبيب النساء والولادة على مدار فترة الحمل وما بعد وضع الطفل، يتم فحصهن في الغالب جسدياً بدقة من حيث قياس معدل الضغط ومدى تغير الوزن؛ لكن ما يغفل عنه الأطباء هو التأكد من سلامة صحتهن النفسية على الرغم من أن القلق والاكتئاب يعدان من أكثر مضاعفات الحمل والولادة شيوعاً.

وفقاً لمنظمة الصحة العالمية؛ تعاني 10% من نساء العالم من الاكتئاب في أثناء فترة الحمل، وتزيد هذه النسبة بعد الولادة لتصل إلى 13%. أما في الدول النامية فتكون النسبة 16% خلال فترة الحمل و20% بعد الولادة؛ ما يشكّل خطراً حقيقياً يحيط بالأمهات بصمت.

تشير إلى ذلك المسؤولة التقنية في وحدة الصحة النفسية في مكتب منظمة الصحة العالمية الإقليمي بالشرق الأوسط وفاء الصاوي، بقولها إن النساء العربيات لا يطلبن المساعدة بسبب الوصم المحيط بالإفصاح عن المشكلات النفسية، والعادات والتقاليد المتوارثة التي تجعل الألم النفسي في ذيل قائمة اهتمامات النساء خلال تلك المرحلة.

تختلف كل رحلة علاجية بحسب نوع الأعراض وشدتها، فتشمل الاختيارات: العلاج الدوائي والعلاج السلوكي المعرفي. لكن يُعد أخذ الخطوة الأولى وطلب المساعدة محطةً فاصلة للتغلب على الاضطرابات النفسية التي تظهر بعد الولادة، وهو ما يتضح في القصص التي سنسردها.

ليندساي: المحاولات المتتالية انتشلتني من بئر الاكتئاب السحيق

تأخر اعترافي بأعراض اكتئاب ما بعد الولادة بعض الشيء، فلم أدرك تدهور صحتي النفسية إلا بعد الاحتفال بعيد الميلاد الأول لطفلي؛ إذ دخلتُ بعدها في نوبات من البكاء رافقتني ليلاً نهاراً بلا انقطاع، ومن جانب آخر حاصرتني أفكار سلبية جعلت العالم يظهر في عيني بألوان داكنة للغاية.

لكن لحسن الحظ فقد مررت بتجربة الاكتئاب في أثناء دراستي في الكلية؛ ما جعلني أبادر لأخذ خطوة سريعة في اتجاه العلاج بتوقفي عن الرضاعة وبدء تناول مضادات الاكتئاب؛ الأمر الذي جعلني أشعر بتحسن ملحوظ.

غير أن ذلك لم يستمر كثيراً فقد كان عليّ التوقف عن تناول مضادات الاكتئاب لأحمل بطفلي التالي، فحاولت بشدة منع المرض من التمكن مني لكني فشلت، لتتجدد الأعراض المعتادة مرة أخرى: بكاء مستمر، أفكار سلبية وضلالات تمكنت مني إلى حد اعتباري أن مربية الأطفال هي من تمنعني أن أصبح أماً جيدة.

استمر الأمر على هذا المنوال وتحاملت على نفسي حتى وضعت طفلي الثاني؛ لكني تعلمت من الدرس الخاص بطفلي الأول ألا أتأخر في خطوة العلاج قدر الإمكان فبمجرد مرور 6 أشهر بعد الولادة عدت إلى طبيبي النفسي وبدأت في تناول مضادات الاكتئاب، وذلك بالتوازي مع العلاج السلوكي المعرفي الذي ساعدني على كيفية إدارة معاركي مع أفكاري.

بعد مرور عدة أسابيع أخذت نظرتي السوداوية والحزينة للحياة تتلاشى، لأرى حياة أخرى لا أنكر أنها كانت صعبة أحياناً لكنها تستحق أن تٌعاش. وقد ساعدني على الوصول إلى تلك النتيجة دعم زوجي وأسرتي وصديقاتي الذي لا يُقدر بثمن؛ امتد صراعي مع الاكتئاب إلى جولتين لكنني انتصرت في النهاية.

روبينا: من التخطيط للانتحار إلى الوصول لبر السعادة

بدأت أشعر بأعراض اكتئاب ما بعد الولادة خلال الشهرين الأولين بعد ولادتي لابني، فقد عانيت من القلق واليأس والبكاء طوال الوقت. غير أنني لم أكن أعرف حينها السبب وراء كل ذلك، لذا حاولت اتباع النصائح التقليدية التي ينصح بها الأطباء غالباً، فمارست الرياضة وخرجت لمقابلة الأصدقاء وحصلت على قسط كافٍ من النوم.

لكن جميع الحلول السابقة لم تجدِ نفعاً؛ ما قادني لنقطة مأساوية عندما أدركت أنني على وشك الوقوع فريسة لأفكار انتحارية. ورغم أنها لم تتحول إلى أفعال على أرض الواقع لكنها أشعرتني بخروج الوضع عن السيطرة، فكنت أصرخ في وجه عائلتي أحياناً وأضرب رأسي في الحائط أحياناً أخرى.

حينها كان الذهاب إلى قسم الطوارئ في المستشفى للحصول على المساعدة اللازمة حتمياً، فبدأت رحلتي العلاجية مع مضادات الاكتئاب لأتوقف لاحقاً عن التفكير في الانتحار.

غير أن القلق ومشاعر الإحباط لم يختفيا تماماً من حياتي؛ وهو ما جعلني أشعر بأن الأدوية وحدها لن تكفي فسلكت بالتوازي أسلوباً آخر للعلاج يتمثل في تدوين الأشياء التي تجلب لي السعادة والقيام بها.

بدأت في حضور دورة لفن الدفاع عن النفس ودورة أخرى للغناء، واستمتعت بجلسات التدليك وذهبت في نزهات، إلى جانب متابعتي مع اختصاصي تغذية متخصص في علاج عدم انتظام الهرمونات بعد الولادة؛ ما أحدث فرقاً كبيراً جعلني أشعر بخروجي من المساحة الضبابية إلى حياة أكثر وضوحاً وسعادة.

اقرأ أيضا:

كلير: السير بخطىً دؤوبة يصنع فرقاً كبيراً

ساورتني الشكوك منذ بداية زواجي حول إمكانية أن أكون أماً وزوجة مثالية، واعتقدت أن الأمور ستسير تلقائياً بعد الولادة لكن ذلك لم يحدث. لم أستطع النوم وعانيت من آلام شديدة في أنحاء جسدي؛ ما جعلني أعود إلى المستشفى مرة أخرى بعد ثلاثة أيام من الولادة لإجراء الفحوصات والتحقق من عدم وجود أي عدوى أو سبب صريح للألم. كانت جميع النتائج سليمة إلا أن الأطباء أشاروا إلى جانب آخر؛ وهو احتمال وجود مرض نفسي وضرورة التوجه إلى القسم الخاص بالصحة النفسية.

ذلك التحول في حياتي لم يكن هيناً فقد تركت أنا وزوجي وظائفنا ومنزلنا مؤقتاً، وغيرت أختي وزوجها جداول أعمالهما ليتمكنا من متابعتي في المستشفى والاهتمام بمولودي. ثم بعد خروجي من المستشفى استمرت رحلة علاجي بحصولي على جلسات منتظمة للاستشارات النفسية، ولاحقاً نجحت بدعم من اختصاصي الصحة النفسية في أن أعود إلى عملي ومنزلي.

لكنني حتى اليوم ما زلت أتابع مواعيدي بانتظام مع طبيبي النفسي، وأراجع بشكل مستمر خطتي العلاجية لتواكب تغيرات حياتي ومشاعري. وتعلمت بالتوازي مع ذلك تقنيات فعالة للتحكم في القلق، وأحاول دوماً الالتزام بنمط حياة صحي يشمل المشي عدة مرات في الأسبوع وقضاء الوقت بصحبة الأصدقاء خارج المنزل، ورغم رغبتي أنا وزوجي بإنجاب المزيد من الأطفال لكننا قررنا التوقف مؤقتاً عن الإنجاب حتى نعطي الأولوية لصحتي النفسية.

ليندا: افعلي ما تحبين إلى جانب ما تستطيعين من قائمة واجباتك

يمكن أن أعطيك نبذة موجزة عن الجحيم الذي عشت فيه خلال السنة الأولى من عمر ابني بأنه كان هناك عدد لا نهائي من الأسئلة التي تلاحقني مثل: “هل أعطيه الاهتمام الكافي؟ هل أتركه يبكي كثيراً؟ هل أهتم بنظافة المنزل؟ هل أبتسم لطفلي بشكل كافٍ؟” وغيرها من الأسئلة التي تشعرني دوماً بأنني لست أماً جيدة.

يكمن التأثير الفعلي لهذه الأسئلة في أنها كانت تستنزفني وتجعلني أتساءل بشكل مرضي عن جدوى كل فعل وقرار وشعور، إلى جانب بكائي شبه المستمر وشعوري بالعزلة الشديدة عن الأشخاص الذين أحبهم، مع اعتقادي أنهم سيكونون أفضل حالاً بدوني.

لذا لم يكن هناك مفر من الحديث مع زوجي عما أشعر به. ورغم أنه لم يفهمني في البداية إلا إنني أصررت على طلب المساعدة المتخصصة، فذهبت إلى الطبيبة التي أعطتني اختبار مقياس إدنبره لاكتئاب ما بعد الولادة (EPDS). ورغم كذبي في بعض الإجابات للظهور في وضع أفضل؛ فإنها أحالتني للطبيب النفسي وهناك بدأت الأمور في التحسن.

لكن هذا لا يعني أن القلق اختفى بطريقة سحرية فالأمر احتاج إلى بعض الوقت الذي قمت خلاله بالتركيز على ما يمكنني القيام به وفقاً لمحدوديتي، فليس ضرورياً أن أؤدي كل الأشياء المطلوبة مني بشكل مثالي. وذلك بالتوازي مع أخذي بعض الوقت لنفسي وفعل شيء أحبه كل يوم، فبدأت تعلم العزف على البيانو والرسم؛ إذ وجدت أن القراءة ليست كافية ولا بد لي من نشاط يستغل الطاقة المكبوتة في جسدي.

نتيجةُ الرحلة العلاجية أنني الآن أفضل بدعم وتفهم زوجي، والالتزام بتناول الأدوية وحضور جلسات العلاج السلوكي المعرفي. لا أنكر أنه يعيش بداخلي بعض القلق من العودة إلى الأيام المريرة التي عشتها لكن التعافي مسيرة ستظل مستمرة ربما طوال عمري. وما أود قوله لمن يكافحن اكتئاب ما بعد الولادة أنكنّ تستحقون الاستمتاع بقدر أكبر من الحياة، لذا لا تكافحن وحدكن واطلبن المساعدة.