دراسة حديثة: إفراطك في مشاهدة الشاشات قد يُصيبك بالاكتئاب، فكيف تقضي على هذه العادة؟

الإفراط في مشاهدة التلفاز
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: لطالما تحدث المختصون عن ضرر مشاهدة التلفاز والشاشات، وما زالت الدراسات العلمية توضح المزيد من الأضرار يوماً بعد يوم. ولا يتعلق الضرر فقط بالخمول والأمراض الجسدية المرتبطة به؛ بل يشمل الصحة النفسية أيضاً؛ إذ تبيِّن دراسة علمية حديثة أن مشاهدة التلفاز والشاشات لوقت طويل متواصل تزيد خطر الاكتئاب، وإليك التفاصيل.

تشير نتائج بعض الدراسات العلمية الحديثة إلى أن أنماط الجلوس المطوّل ليست كلها بالمستوى نفسه من الضرر؛ بل إن طبيعة النشاط مهمة أيضاً بالنسبة إلى الصحة النفسية. ويُقصد بسلوك الجلوس المطوّل أنه الوقت الذي يكون فيه الشخص مستيقظاً لكنه لا يصرف سوى القليل من الطاقة، فيقضيه في مشاهدة التلفاز أو القراءة أو قيادة السيارة أو العمل المكتبي.

وقد لاحظ العلماء أن الفعل الأقل تطلباً للنشاط الذهني في أثناء الجلوس المطوّل يرتبط بتفاقم خطر الإصابة بالاكتئاب. وإليك النتائج التي توصلت إليها دراسة منشورة في مجلة الاضطرابات العاطفية (Journal of Affective Disorders) في أكتوبر/تشرين الأول 2023، نفذها فريق من الباحثين في جامعة ساو باولو في البرازيل (University of São Paulo).

اقرأ أيضاً: 7 إرشادات للتحدث إلى أصدقائك عن اكتئابك وطلب دعمهم

ما العلاقة بين الجلوس المطول أمام التلفاز والإصابة بالاكتئاب؟

وجدت الدراسة السابق ذكرها أن الجلوس المطوّل أمام التلفاز أو الشاشات، وهو سلوك لا يتضمن أي نشاط ذهني، قد يُفاقم خطر الإصابة بالاكتئاب بنسبة 43%؛ في حين أن الجلوس المطوّل النشط ذهنياً مثل العمل المكتبي أو القراءة، ليس له التأثير نفسه.

وقد حاول الباحثون تفسير هذه العلاقة من خلال فحص بعض المؤشرات البيولوجية، وتوصلوا إلى أن الجلوس المطوّل الخامل ذهنياً يعزز الإصابة بالسمنة وارتفاع مستوى الالتهابات، وهي عوامل خطر ترتبط بالاكتئاب وفقاً للدراسة؛ إذ تبين أن الزيادة في محيط الخصر تُفاقم خطر الإصابة بالاكتئاب بنسبة 9.2% في حين أن ارتفاع مستويات بروتين سي التفاعلي الذي يُعد مؤشراً على حدوث الالتهابات، يرفع احتمالية الإصابة بالاكتئاب بنسبة 8.3%.

في المقابل، لم تُظهر الأنشطة التي تنطوي على الجلوس المطوِّل المحفّز للذهن مثل القراءة والعمل المكتبي أي صلة بالاكتئاب؛ ما يشير إلى أن الأنشطة البدنية والذهنية مترابطة إلى حد ما في الحدّ من الإصابة بالاكتئاب أو إدارة أعراضه.

وتشير الدراسة إلى أن الأشخاص المعرضين إلى خطر الاكتئاب ويمارسون مستويات عالية من الأنشطة الخاملة ذهنياً، عليهم زيادة مستوى النشاط البدني لتقليل احتمالية إصابتهم بالسمنة والالتهابات. لذلك؛ أوصى الباحثون بتقليل وقت الجلوس وتقسيمه على فترات، إلى جانب تقليل الجلوس الخامل ذهنياً.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن أن يحصّنك الإيكيغاي الياباني ضد الاكتئاب؟

ما الذي يعنيه مصطلح “المشاهدة الشرهة”؟

العلاقة بين مشاهدة الشاشات والعواقب الصحية ليست جديدة على أحد؛ لكن عصر البث المباشر والإنترنت قد غيّر الطريقة التي نشاهد فيها التلفاز وزاد المخاطر، فليس من الضروري اليوم أن تنتظر يوماً أو أسبوعاً كاملاً لمشاهدة حلقة من السلسلة التلفزيونية المفضلة؛ بل باتت بالإمكان مشاهدة سلسلة كاملة أو حلقات عديدة في جلسة واحدة؛ ما أدى إلى ظهور مصطلح “الإفراط في المشاهدة” أو “المشاهدة الشرهة” (Binge-Watching).

وقد تضر هذه المشاهدة المفرطة الصحة مع مرور الوقت بطرائق لا يمكن توقعها؛ مثل زيادة الخمول البدني وما يترتب عليه من الأمراض المرتبطة بنمط الحياة، إلى جانب ظهور مشكلات النوم والإرهاق، وتجلط الأوردة العميقة، ومشكلات القلب (مشاهدة التلفاز بانتظام مدة 4 ساعات أو أكثر تزيد خطر الإصابة بأمراض القلب والوفاة المبكرة بنسبة 50% مقارنة بالذين يشاهدونه مدة ساعة أو ساعتين في اليوم)، وسوء التغذية، والعزلة الاجتماعية، والتدهور المعرفي، والإدمان السلوكي.

في الواقع، تقول المختصة الاجتماعية، فاديا إبراهيم، إن مشاهدة المحتوى الرقمي، سواء مشاهدة التلفاز أو الكمبيوتر أو الهاتف المحمول، لأكثر من 3 ساعات يومياً تُعد نوعاً من الإدمان السلوكي، ويترتب عليها الكثير من الأضرار الجسدية والعقلية والنفسية.

وعلى مستوى الصحة النفسية، توصلت مراجعة علمية منشورة في المجلة الدولية للبحوث البيئية والصحة العامة (International Journal of Environmental research and Public Health) عام 2022، إلى وجود ارتباط كبير بين الإفراط في مشاهدة مقاطع الفيديو على اليوتيوب أو خدمات البث مثل نيتفليكس ومثيلاتها، وتفاقم خطر الإصابة بأنواع مختلفة من مشكلات الصحة النفسية؛ مثل الاكتئاب والوحدة والأرق والقلق والتوتر. 

وقد تبين أن الإفراط في المشاهدة قد ارتبط ارتباطاً قوياً بالاكتئاب والأرق خلال جائحة كوفيد-19 أكثر منه قبل الوباء؛ في حين أن الإفراط في المشاهدة قد ارتبط ارتباطاً قوياً بالتوتر والأرق في البلدان النامية أكثر منه في الدول المتقدمة.

عموماً، استنتجت المراجعة أن الارتباط بين الإفراط في مشاهدة مقاطع الفيديو وخدمات البث ومخاوف الصحة النفسية كبيرة وإيجابية. لذلك؛ ينبغي النظر في البرامج الحكومية والتدخلات الرامية إلى الحد من الإفراط في المشاهدة واختبار جدواها.

اقرأ أيضاً: كيف تساعدك ممارسة البيودانزا في مكافحة الاكتئاب بالاعتماد على الرقص؟

9 نصائح لتجنب الإفراط في مشاهدة التلفاز والشاشات الأخرى

للتخلص من عادة المشاهدة المفرطة للسلاسل التلفزيونية أو الأفلام، سواء على التلفاز أو أي شاشة أُخرى، فكر في اتباع هذه النصائح:

  • عيِّن حدوداً ذاتية: حدِّد مقدار ما تريد مشاهدته؛ مثل حلقتين في الجلسة الواحدة، أو حدِّد حداً زمنياً يومياً لمشاهدة البرامج التلفزيونية؛ ساعة أو ساعتين على سبيل المثال، واستخدم المنبهات للتذكير بالإطار الزمني المحدد، وفكِّر في تقليل عدد ساعات المشاهدة تدريجياً لتسهيل العملية.
  • ابحث عن التوازن: اسعَ إلى ممارسة الأنشطة الأخرى في روتينك اليومي؛ مثل ممارسة الرياضة أو القراءة أو الهوايات أو قضاء الوقت مع الأصدقاء، وحدد أهدافاً شخصية لما تريد إنجازه في هذه الأنشطة؛ مثل أهداف اللياقة البدنية، أو قراءة عدد معين من الصفحات، وما إلى ذلك، فالتركيز على الأهداف يحوِّل انتباهك بعيداً عن جلسات التلفاز الطويلة.
  • حاوِل ألا تشاهد التلفاز منفرداً: اجعل متابعة التلفاز نشاطاً اجتماعياً من خلال دعوة شخص ما للانضمام إليك؛ ما يحد غالباً من الوقت الذي تقضيه في المشاهدة.

اقرأ أيضاً: دراسة حديثة: اجتماعات زووم تضر بعقلك وقلبك، فكيف تحد من تأثيرها؟

  • حدِّد موعداً ثابتاً للنوم: وذلك لتجنب التضحية بالنوم من أجل متابعة الشاشات؛ إذ يمكن أن يؤثر الحرمان المستمر من النوم سلباً في صحتك. لذا؛ أعطِ الأولوية لروتين النوم الصحي بدلاً من المشاهدة المفرطة.
  • احرص على تناول وجبة خفيفة صحية في أثناء المشاهدة: اختر الوجبات الخفيفة المغذية مثل الفواكه والخضروات بدلاً من الاختيارات غير الصحية مثل رقائق البطاطس والحلويات والأطعمة المالحة.
  • ألغِ الاشتراك والمتابعة: إذا أمكن، ألغِ الاشتراك في خدمات البث أو ألغِ متابعة القنوات المرتبطة بالسلاسل التلفزيونية على وسائل التواصل الاجتماعي، لتقليل إغراء المشاهدة المفرطة.
  • فكِّر في الدوافع: افهم سبب رغبتك في تقليل مشاهدة الشاشات. سواء تعلق الأمر بتحسين الإنتاجية أو الصحة النفسية أو العلاقات العاطفية أو الاجتماعية، فإن وضع دوافعك في الاعتبار يعزز التزامك بالتخلص من هذه العادة.
  • اطلب الدعم: شارك هدفك مع الأصدقاء أو العائلة واطلب دعمهم، فوجود شبكة اجتماعية تشجع العادات الصحية يمكن أن يسهل عليك الالتزام.
  • اطلب المساعدة من مختص الصحة النفسية: تحدث إلى مختص الصحة النفسية إذا وجدت أن مشاهدة التلفاز بدأت تؤثر سلباً في صحتك وعلاقتك وتمنعك من عيش حياتك، خصوصاً إذا كنت غير قادر على تقليل وقت المشاهدة المفرطة بنفسك.

اقرأ أيضاً: تخلَّص من أي عادة سيئة تزعجك في خطوتين فقط

ختاماً، تذكَّر أن كسر أي عادة سيئة يتطلب وقتاً ومثابرة، وقد يكون من الأجدى أن تجمع بين استراتيجيات متعددة مناسبة لتفضيلاتك وأسلوب حياتك؛ ما يزيد احتمالية نجاحك في تقليل مشاهدة التلفاز والشاشات، ويجعلك تعيش حياة أفضل على الصعيد النفسي والجسدي.

المحتوى محمي !!