الأزمات النفسية: صدفة أم خطّة؟

الأزمات النفسية
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

يراودنا الشعور في بعض الأحيان بأننا نسقط بين براثن الأزمات النفسية على حين غرّة، غير أن الواقع يقول غير ذلك، فوقوعنا في هذه الأزمات ما هو سوى نتيجة تخطيط قام به لاوعينا، وغايته أن يضعنا في مواجهة مشكلات تركناها مركونةً على رفّ ماضينا دون حلّ. في الآتي حوار أجريناه مع عالمة النفس كاثرين فافر؛ حيث طرحنا عليها مجموعة من الأسئلة في هذا الصدد. ماذا لو أن أزماتنا ما هي سوى مخاض يُفضي في نهاية الأمر إلى “ولاداتٍ نفسية”؟ وفقاً لكاترين فافر، فإن انقلاب الأحوال النفسية الداخلية رأساً على عقبٍ بمثابة فرصة تدفع بنا إلى اكتشاف ذواتنا، فمرورنا بها ليس من قبيل الصّدفة بل نتيجة خطّة متناهية الدقة سهر على وضعها لاوعينا. وقياساً على ذلك، فنحن لسنا فقط نمرّ بأزماتنا بل إننا نحن مَن قام بتصميمها.
للاستزادة: كاترين فافر: اختصاصية علم نفس إلكلينيكي ومحللة نفسية، مؤلفة كتاب “ولادة النمط الرابع” (Naissance du 4e type)، وهو دراسة تتناول التطور النفسي ومراحلة الكبرى أجرتها رفقة زوجها الباحث في علم الأعصاب دانيال فافر (Daniel Favre). إلى جانب ذلك، فقد كتبت مقالاً لافتاً حول “الزواج على اعتباره حاضناً للتطور” نُشِر في العدد 19 من دورية علم نفس التحفيز (psychologie de la motivation) الصادرة عن دائرة بول ديال ( Paul Diel) للدراسات.

عند تأمل سَيْر حياتك، ستكتشف أننا لا نقع في أزماتنا النفسية على سبيل الصدفة”. ماذا تريدين القول من خلال هذه العبارة؟

كاثرين فافر: يلجأ الأشخاص إلى العلاج النفسي في البداية مدفوعين بشعور أن الأزمة التي يمرون بها هبطت عليهم كالصاعقة من حيث لا يدرون، فتجدهم يؤكدون أن الابتلاء أو الحالة السيئة التي يكابدون لم تكن في الحسبان. في هذه المرحلة سيستحيل عليهم بالتأكيد تقبل فكرة أن أزمة كهذه هي بمثابة فرصة ينبغي اغتنامها. لكن شيئاً فشيئاً، حين يأخذ التحليل النفسي مجراه، يشرعون في الإقرار بتحمّلهم جزءاً من مسؤولية منشأ هذه الحالة كالسلوكيات المتكررة التي يقدمون عليها، وباعترافهم هذا يمشون أول خطوة في طريق استعادة حياتهم. تَلزمهم في أغلب الأحيان العودة 15 أو 20 سنة إلى الخلف، والخوض في بعض صدمات الطفولة لوضع اليد على أسباب ما حصل لهم في الحاضر. يوثق “أليس ومارتان” (Alice et Martin)؛ الفيلم الأخير لأندريه تيشينيه (André Téchiné) جيداً هذه الآلية إذ يعيش الشاب الريفي بطل الفيلم، مارتان قطيعةً تامّة مع ماضيه، وفي أثناء ذلك يلتقي أليس ويعيش معها قصّة حب هانئة إلى أن يأتي يوم إعلانها خبر حَمْلها له، وحينها دون سابق إنذار يشتعل فتيل الأزمة، وكما لو تلقى طعنة غادرة؛ ينهار مارتان ويفقد صوابه. وعلى ضوء هذه الحادثة تنطلق أليس في رحلة تَقصٍّ بغاية كشف السر الواقف خلف هذا الهلع غير المتوقع الذي أصاب مارتان إلى أن تضع يدها على مفتاح هذا اللغز المدفون في الماضي، وهو علاقة مارتان المأزومة والمؤلمة مع والده.

إذاً فالأزمات هي فرص لإعادة مدّ الجسور مع مشكلات رُكِنَت في حياتنا دون حلّ؟

كاثرين فافر: أجل. لنأخذ على سبيل المثال مراحل الحداد، يعجز بعض الأشخاص عن تطبيقها على الفور فيرجئون التعامل معها إلى وقتٍ لاحق ويركنون الحداد جانباً إلى أن يجد الشخص بعد مُضيّ عشر سنوات، القوة اللازمة لمواجهة هذا الاختبار، فيضع نفسه بشكل غير واعٍ في وضعية صعبة كالفراق أو الطرد من العمل كي يعود ليمدّ جسور التواصل مع هذا الحداد الداخلي غير المكتمل. أعتقد أن كلّ أزمة كبرى في حياتنا هي صدى لأزمة أخرى، وكما تتحاور هذه الأزمات فيما بينهما فهي تتصادم كذلك. فعلى سبيل المثال؛ في أثناء أزمة منتصف العمر التي تطرأ مع بدايات الأربعينيات، يجد البعض صعوبة في تقبل حقيقة تقدّمهم في السن، فماذا يفعلون؟ يعودون لعيش أزمة المراهقة التي كانت مدخلهم إلى عالم الراشدين. بمرورنا بأزمةٍ ما، فإننا نحظى بفرصة لإيجاد حلول لواقع معيش لم نستطع التكيف معه في الأزمات السابقة. بل إن بعض المرضى، منقادينَ خلف حدسٍ يغذيه لاوعيهم، يبدؤون رحلة العلاج النفسي لأنهم يبحثون في حقيقة الأمر عن شخصٍ صلب يساعدهم على الدخول في أزمة؛ إذ يستشعرون جاهزيتهم لمواجهة الإشكاليات التي لم يكن بوسعهم الاشتغال عليها سابقاً.

هل تقصدين بهذا أن جانباً غير واعٍ منا يمهد أمامنا الطريق لندخل في هذا النوع من الأزمات؟

كاثرين فافر: أجل، أظن ذلك، ذلك أن الأزمات بمثابة فرص رائعة للنضج. يبدو الأزواج في بعض الزيجات كما لو أنهم اختاروا بعضهم بعضاً بدقة فائقة! صحيح أن المشكلات لا تكف عن التكاثر داخل هذا الزواج لدرجة تدفع بالمحيطين بهم إلى التساؤل حول السبب الذي يدفع بهم إلى البقاء معاً؛ لكن الواقع أنّ أحدهما قد خُلِق للآخر، وفور أن يستجيب أحدهما لذلك النداء الخفي من اللاوعي يحفز ذلك الطرف الآخر فيفعل الشيء نفسه. يحضرني زوجان محددان وأنا أتحدث الآن؛ حيث الزوج عاشَ طفولته وحيداً دون حمايةٍ من أحد، وبسبب “متلازمة التخلي عن الطفل” فقد اعتاد أن يهتم بنفسه في أمور حياته كلها. ظل على هذا المنوال في أثناء زواجه؛ إذ كان يحمل على عاتقه كل المهام والمسؤوليات إلى أن طفح به الكيل فانفجر غضباً، فيما كانت تميل زوجته إلى التعامل مع النزاعات بينهما بالصمت واللامبالاة، فيجنّ جنونه لأن وضعية كهذه تعود به إلى معاناة طفولته وتعيد إحياءها مرة أخرى؛ كان توافقاً مذهلاً! أليس واضحاً أنهما اختارا بعضهما بشكل غير واعٍ وبدقة ليعود كل منهما ليعيش ماضيه الخاص ويتجاوزه أخيراً؟

لكن ما تفسير الأزمات غير المفيدة التي لا تُفضي إلى أي تحول؟

كاثرين فافر: لدى جميعنا القدرة على تجاوز الأزمات، لدينا جميعاً موارد ذاتية تكفينا لمباشرة الاشتغال على الذات، وقولي هذا لا يعني أن مَرد انقلاب الأحوال النفسية إيجابي الضرورة؛ بل إنه على العكس يمكن أن يقود إلى فقدان العقل أو حتى الانتحار أو في معظم الأحيان إلى الاكتئاب الذي يشلّ بعض الأشخاص ولا يستطيعون الخروج منه. وهنا يأتي دور البيئة المحيطة التي تلعب دوراً بالغ الأهمية. ماذا تمثل هذه الأزمة بالنسبة للأشخاص المقربين بالشخص الذي يعاني منها؟ ألا يتوجسون خيفةً من عدم قدرته على اجتيازها بمفرده؟ ألا يشعر هو نفسه بأن محيطه يرفض تقبل ما يعيشه، وينكره؟ وفي هذا السياق أستحضرُ آباء المراهقين؛ إذ يعجز المراهق الذي يمر بالأزمة أن يهتدي إلى الطريق التي تربطه بذاته وموارده النفسية ما لم يجد أمامه شخصاً يؤمن به ويوفر له فسحة من الحرية، في الوقت نفسه الذي يقدم له صمّامات أمان ثابتة يمكن أن يعتمد عليها وهو يخوض هذه التجربة. وها هنا تكمن مفارقة العلاج والمرافقة النفسيين؛ يجب أن نثق في قوة الحياة الكامنة في كل أزمة.